الخميس 19-09-2019 22:14:35 م
نافذة على الاحداث:يحكمون بعقلية المنتقم..!
بقلم/ كاتب/احمد ناصر الشريف
نشر منذ: شهر و 27 يوماً
الثلاثاء 23 يوليو-تموز 2019 08:35 م

العالم العربي يعيش غيبوبة رغم الصدمات الكبيرة والعنيفة التي يتعرض لها يومياً.. ومع ذلك لم يتسن له أن يفوق من غيبوبته ليدرك ما يحاك له من مؤامرات للقضاء على مقدراته تماماً وسلبه حقوقه، كما سُلبت فلسطين وأجزاء من دول عربية أُخرى.. فمنذ أن تحولت الخلافة الراشدة إلى حكم عضود عقب وفاة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بثلاثين عاماً نشأت العقلية التسلطية عند العرب وأصبح لا يهمهم إلا الحكم والاستمرار فيه بأي ثمن.

بينما كان للعنصر الإسلامي غير العربي الدور الأكبر في الدفاع عن الدولة الإسلامية التي كانت تسقط بسبب تقاتل العرب على الحكم وتعود من جديد بفضل هؤلاء الذين حرّروا بيت المقدس مرتين من الاحتلال الصليبي حتى انتهت وتلاشت في بداية العشرينيات من القرن الماضي ليتفرد بعدها العرب بمسك زمام أمورهم، فحوّلوا رقعة الجغرافيا العربية إلى أكثر من عشرين دولة وإمارة، وأضاعوا فلسطين بالكامل.
ومع بداية القرن الحادي والعشرين ركب بعض العرب موجة ما أسموه التحرر من الديكتاتوريات مستعينين بأعداء الأمة بحجة تحقيق النظام الديمقراطي الذي سيكفل الحرية والمساواة لكل المواطنين ويجعل الشعوب شريكة في صنع القرار.. لكن ما أحدثه هؤلاء الذين جاءوا على ظهور الدبابات الأمريكية وهم يبشّرون بعهد جديد يكفل لكل المواطنين حقوقهم من تغيير لا يفرق كثيراً عما حقّقه من جاءوا إلى الحكم على ظهور صناديق الانتخابات بدليل ما حدث في مصر خلال عام واحد من حكم جماعة الإخوان المسلمين ومع ذلك لم يصدقوا أنهم خرجوا من الحكم بإرادة شعبية كما وصلوا إليه بنفس الإرادة.. والسبب أن كلا الفريقين عندما يصل أحدهما أو كلاهما إلى السلطة لا يلبث أن تعود إليهم طبيعة العربي المنتقم من أخيه ومن ابنه وتتغلب السياسة التي لا توجد بها أخلاق على تصرفاتهم لتفسد رونق تلك الشعارات الرنانة التي طالما تغنّوا بها وروجوا لها وكانت وعودهم للشعوب العربية عسلية.
وإذا ما توقفنا قليلاً أمام ما يجري في أرض الرافدين كمثال سنجد أنه كان ينظر إلى من أتوا على ظهور الدبابات الأمريكية كمخلّصين للعراق مما ابتلي به من غرور الزعامة وسيطرة حكم الحزب الواحد خاصة أنهم عانوا كثيراً من هذا الوضع وتعرضوا للملاحقات والإعدامات وشردوا في مختلف بلدان العالم كما كان حال جماعة الإخوان المسلمين قبل وصولهم إلى الحكم وخروجهم منه، فكان حسن الظن بهم كبيراً؛ ولكن كما سبق وأشرنا أن العربي بطبيعته تتحكم فيه غرائز الانتقام ويتحسس من أبسط الأمور ويعتقد أن مواجهته لمن يختلف معه في الرأي والجلوس معه على طاولة واحدة يعتبر بالنسبة له ضعفاً وعيباً.. والسياسيون الذين يحكمون العراق اليوم لم يأتوا بجديد؛ وكذلك الإخوان المسلمين في مصر خلال فترة حكمهم القصيرة جداً؛ أما إشاعة روح التسامح وتقبل الآخر فقد أصبحت بالنسبة إليهم من المحرمات وهو ما يطبق اليوم على أرض الواقع في جميع الدول والشعوب العربية دون استثناء سواء تلك التي تدّعي أن لديها هامشاً ديمقراطياً أو من تطبق الحكم الشمولي, ونعتقد أنه إذا لم يتم تدارك الوضع من الآن وتعمل الدول التي تعاونت مع الخارج واستعانت به على إصلاح هذا الخطأ وتحقيق الوحدة الوطنية ؛ فإنه سينتظرها مستقبل أسود وربما قد تدفع الثمن غالياً ويلحق بها وبشعوبها الأذى أكثر مما لحق بالعراق خاصة أن ما يحدّث اليوم في بعض الدول العربية ينذر بكارثة.
لقد ترك الاحتلال الأمريكي للعراق والدول التي تعاونت معه أثراً لا يمحى بسهولة على وعي أبناء الشعب العراقي قاطبة؛ حتى على أولئك الذين كانوا مختلفين مع نظام صدام حسين السابق، وقد زاد هذا الانطباع السيئ نتيجة للظلم التي مارسته القوات الغازية قبل انسحابها الجزئي من العراق والسكوت عن ذلك من قبل دول كانت تعبّر عن رضاها بممارسة هذا الظلم نكاية بالنظام السابق، ونسيت أن المتضرّر هو جيل جديد قد يذهب إلى أبعد حد من العداء لمن دمّر بلده وقضى على دولته، وقد يرتكب في المستقبل من الحماقات ضد جيرانه أكثر بكثير مما فعله «هتلر» الزعيم النازي الألماني ثأراً لهزيمة بلده، لاسيما أن العراق شعب يمتلك من المقومات ما يؤهّله لأن يقوم بهذا الدور دون مساعدة أحد بفضل ما وهبه الله من ثروة مادية وعقول تفكر وشجاعة في الإقدام على المغامرة وتحمل الشدائد، كما أن الشعب العراقي عُرف عبر تاريخه القديم والحديث أنه شعب جبار وعنيد، وعلى الآخرين أن يحسبوا له ألف حساب.
لكن لأن الروح الانهزامية قد طغت على كل شيء عند العرب فقد أصبحوا عاجزين عن حل مشاكلهم حتى مع أنفسهم في إطار المجتمع الواحد؛ فكيف بالدفاع عن قضاياهم ضد الدول الأخرى، وعليه فإن أطماع الآخرين فيهم ستزداد وإن كانت تختلف في أهميتها من فترة إلى أخرى نظراً لما يشهده العالم من متغيّرات متسارعة وتطورات اقتصادية وتكنولوجية، إضافة إلى الدور الذي يلعبه الأعداء بتعميق الانقسامات في العالم العربي بحجة أن هذا النظام معتدل وذلك ممانع، وهي كذبة كبيرة صدّقها العرب وربطوها بأنفسهم..!