الإثنين 19-08-2019 12:35:56 م
بوح اليراع: إِقْلالُ أَهْلِ العَوَائِد عِنْدَ المَوَاشِي فَوَائِد
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: أسبوع و 5 أيام و 15 ساعة
الثلاثاء 06 أغسطس-آب 2019 09:31 م

إن أعظم عبادة يشترك فيها أبناء مجتمعات الإسلام مع إخوانهم حجاج بيت الله الحرام -بعد إقامة الصلاة- هو التقرب إلى الحميد المجيد بذبح أو نحر المواشي صباح يوم العيد الذي يستقبله المسلم بصدر منشرح ووجه طليق وما يليه من أيام التشريق، ففي مقابل ما افترضه الله -جل في علاه- على حجاج بيته من ذبح هدي وربما فدية، شرع لسائر الموسرين من المسلمين أو سنَّ لهم ذبح الأضحية.
والأضحية شعيرة دينية أو منسكٌ تعبديٌّ قديم توارثه المسلمون عن أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم، ويستحب إحياؤها من قبل الموسرين لينالوا بلحُوْمِها أجورَ إدخال السرور على أهليهم وعلى من يلونهم من إخوانهم من المسلمين المعسرين، وفي إقامة هذه الشعيرة ابتغاء مرضاة غافر الذنب وقابل التوب دلالة دالَّة على اعتمار القلب بتقوى الله مصداقًا لقول السميع المجيب: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب) الحج الآية:ِ (32).
ولأهمية هذه الشعيرة أو السنة المتقرب بإحيائها إلى ذي الفضل والمنَّة اعترافًا بنِعَمِه وآلائه وشكرًا على تفضُّلِهِ ومَنِّه، فإن أغلب الأسر المسلمة تظل تتحضر لإحيائها -وبكل اهتمام- على مدار العام، فمن مُربٍّ لأضحيته في بيته، إلى مربٍّ لعدد من المواشي والاعتناء بها وتسمينها على أمل بيعها للمُضحين في ذلك الموسم الرباني العظيم عسى أن يعود عليه بيعها بالخير الدنيوي العميم وبالثواب الأخروي بما فيه من نعيمٍ مُقيم، إلى شركات استيراد تظل تتحضر لاستجلاب مئات وربما آلاف المواشي من داخل ومن خارج البلاد لسدِّ حاجات سكان الحواضر والبوادي بأنواع الأضاحي.
ولأن اليمنيين -لما يتمتعون به لين القلوب ورقة الأفئدة- متدينون بالفطرة، فهم أكثر أبناء المجتمع الإسلامي حرصًا على تزيين هذه الأيام المباركة بذبح الأضاحي، ومن أهم مقتضيات ذلك الحرص أن معظم سكان الأرياف اليمنية -لا سيما أصحاب المستويات المعيشية المتدنية- يتقنَّون الخرفان في عمر أو مرحلة الفطام بأثمان زهيدة تتناسب وأوضاعهم أو دخولهم المالية القليلة، ثم يولونها ما أمكنهم من العناية والاهتمام على مدار العام، فإذا ما حل علينا عيد الأضحى المبارك تكون غالبية الأسر اليمنية الريفية مستعدة بالأضاحي الاستعداد الذاتي، بل لقد ارتقى إحياء هذه الشعيرة في نظر الأكثرية السكانية اليمنية -لما لإحيائها من تأثر اجتماعي محبوب- إلى درجة الوجوب، لذلك لا يتردد ربُّ الأسرة -في معظم مناطقنا اليمنية- عن استدانة ثمن الأضحية مهما بلغ سوء حالته المادية، على اعتبار أن ذبح الأضاحي من العوائد الموسمية التي لا ينبغي التخلُّف عن الإيفاء بها مهما كان الظرف.
بيد أن تدهور الحالة الاقتصادية والمعيشة لمُعظم اليمنيين لما يزيد على أربع سنين قد ترك أثرهُ واضحًا على الإيفاء بكافَّة المتطلبات والاحتياجات الأسرية الضرورية، بما في ذلك التقصير المتزايد في ما كانوا يعتادونه من العوائد، وفي مقدمتها تتويج الفرحة العيديَّة الأسرية بذبح الأضحية الذي يعتبر -بالإضافة إلى كونه شعيرة دينية- عادةً من العوائد الموسمية الاجتماعية.
ونتيجة لما يربط بين الحالة المادية للمُضحي وبين زيادة أو تضخُّم أعداد المواشي من تناسب طردي، فإن تفاقُم الأوضاع الاقتصادية والمعيشة للمواطنين اليمنيين من عام إلى عام بكل ما يترتب على ذلك التفاقُم من تضاعُف نسب عجزهم عن كلفة شراء الأضاحي يُقلل نسب أعداد المواشي المتعرِّضة للذبح -مقارنة بعدد المعروض- بشكل ملحوظ، ويُضاعِف -بالمقابل- نسب وأعداد المواشي الحائزة على فرص النجاة والبقاء على قيد الحياة ما شاء لها الله.
وما كان لتلك الأعداد الضخمة من المواشي -باستثناء الأقل- أن تحظى بفرص الحياة الأطول التي لم تحظَ بمثلها أسلافُها منذ الأزل، وربما لن تحظى ببعضها أخلافُها إلى الأبد، لولا ما يُعانيه المواطن اليمني -كما يعلم الله ويشهد- من الحاجة وضيق الحال وقلة ذات اليد إلى أقصى حدّ.
وكوني واحدًا من هذا الشعب المُعاني أشعر بما يشعر وأعاني ما يُعاني، وأصنف -بالنظر إلى مستواي المعيشي- ضمن الطبقة أو الشريحة المجتمعية الوسطى الأكثر تعدادا والأضنى اجتهادا والأسخى عطاء والأقل ثراء والأسرع إلى بذل المغارم والأعفّ عن حصد المغانم، ومن منطلق كوني لسان حالها الذي لا أفتأ أشيد بحيمد خصالها، وأفصح عن همومها وآلامها، وأعبِّر عن تطلعاتها وآمالها، فقد منحت نفسي حق التعبير عن عجز هذه الطبقة المجتمعية -بأغلبية عددية- عن إرضاء بارئها وتزيين عيدها بما اعتادت عليه من ذبح الأضاحي، ولم أجد تعبيرًا أعمق دلالة يعكس بجلاء سوء بلغناه من حالة باتت تحول -وبشكل متزايد- دون الإيفاء بما اعتدناه من عوائد، سوى توظيف المثل العربيِّ الكثيرِ التردُّد: (مصائب قوم عند قوم فوائد) في معادلة ضِدِّيَّةٍ أخرى طرفاها (المضحي) و(المواشي)، فأقول -مستعينًا بالله على تمام المقاصد-: (إقلال أهل العوائد عند المواشي فوائد).

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
عدن الحزينة في أغسطس 2019 م (ما أشبه الليلة بالبارِحة)
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
توفيق الشرعبي
إلى هنا وكفى!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
أستاذ/ الفضل يحيى العليي
بوادر النصر
أستاذ/ الفضل يحيى العليي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرنصح وتحذير!!
كلمة 26 سبتمبر
دكتور/عبدالعزيز بن حبتورملاحظات على مقال السيدة ابريل آلي
دكتور/عبدالعزيز بن حبتور
مشاهدة المزيد
عاجل :
متحدث القوات المسلحة : القوة الصاروخية تطلق صاروخا باليستيا من طراز ( نكال ) على تجمع وعرض عسكري للغزاة والمخدوعين بمعسكر ماس بمأرب... متحدث القوات المسلحة: الصاروخ أصاب هدفه بدقة عالية وأسفر عن مقتل وجرح العشرات من ضباط وجنود الغزاة والمخدوعين...العميد يحيى سريع : هذا الاستهداف تم بعد عملية استخباراتية حيث كان العدو يحضر للتصعيد باتجاه جبهات نهم وصرواح