يا من مزقني.. جمعنا في خط الثورة من مَّزق

يا من مزقني.. جمعنا في خط الثورة من مَّزق

السلطان.. والثائر الشهيد.. قصة الحمدي والطغمة القاتلة للبردوني
بعد 43عاماً من استشهاده: الحمدي متوعدا نظام آل سعود .. وطني يدري ماذا حقق
لا تزال قضية اغتيال الشهيد الحمدي مفتوحة ولا تزال عملية جمع الأدلة لاستكمال الصورة الكاملة التي جمعت كل المشتركين في جريمة اغتياله جارية  وأمام الكثير من الشهادات الضبابية والعمياء هناك شاهد أعمى البصر لا البصيرة ..

هو شاهد بقلبه وحدسه الحاد بضمير شعبه وإحساسه واستقرائه لمشاهد سبقت فبنى عليها رؤيته ورأيه وكان على يقين وهو يدلي بالشهادة إيماء وترميزا بأن القاتل الذي اغتال الحمدي وهو نظام آل سعود أقدم على جريمته مستهدفا الشعب اليمني برمته وليس المقدم ابراهيم الحمدي بشخصه.

اتسم الشاعر عبدالله صالح البردوني بنظرة شعرية ثاقبة ورؤية فكرية عميقة وحس استقرائي دقيق لمجمل الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية وامتلك ذاكرة جماعية جعلته حاملا لهموم شعبه وقضاياه فكان جبهة للتصدي للعدو التاريخي لليمن وحين يمجد زعيما وطنيا أو يرثيه ويبكيه فلآنه كان يرى فيه المخلص والمنقذ والحلم في الخلاص من الهيمنة على القرار اليمني وهو ما توسمه في ابراهيم الحمدي وما بكى عليه يوم اغتياله إذ رأى في ذلك اغتيال الشعب اليمني لا رئيس اليمن.
في الحادي عشر من اكتوبر عام 1977م  اغتالت الأيادي الآثمة الرئيس اليمني ابراهيم الحمدي وأخاه عبدالله لم يكن البردوني  هناك .. كان وصنعاء الحسين في فندق أموي وحين وقع عليه الخبر كالصاعقة قال في تلك القصيدة متسائلا ومجيبا على سؤاله في نفس الوقت وعلى لسان صنعاء الثكلى على حسينها الجديد الشهيد الحمدي ومن الفندق الأموي اليزيدي وهو يرى رأي العين بعيون صنعاء وساكنيها وعيون كل اليمانيين المشيعين رئيسهم الشهيد وبقلبه وضميره فيضان الجماهير الهادرة كالطوفان حزنا وغضبا وأصابعهم تشير إلى القاتل السعودي المتواري وراء الطغمة المسؤولة عن قتله وهي تمشي في جنازته متنبئا بالمصير المحتوم لقاتليه وبسخريته المعهودة قال:
" لماذا أنا منعى المحبين كلهم لكي يصبح القُتَّال قتلى بلا منعى " .. وبذلك يشير إلى أن كل من شارك في جريمة قتله سيلقى المصير اغتيالا ولن يحضر جنازته أحد وكأني به شاهد في حاضرنا المعاصر ما انتهى إليه الرئيس السابق علي عبدالله صالح في الثاني من ديسمبر 2017م.
قصيدته .. السلطان والثائر والشهيد التي بين أيدينا هي صورة كاملة لقتل ابراهيم الحمدي ولأكثر من مرة على يد النظام السعودي ولعله هنا يرمز بالسلطان إلى الأمير السعودي سلطان بن عبد العزيز مسؤول الملف اليمني وسنجد من خلال القراءة التحليلية للقصيدة الدور السعودي الواضح والإشارة إلى اسم الملحق العسكري السعودي الهديان وقائد عملية الاغتيال الوطني العميل وأيضا الفشل السعودي في قتل مشروع التحرر والاستقلال الذي حمله الحمدي وكيف اثمر مشروعا أكبر في 21 سبتمبر 2014 ثأرا للحمدي وانتقاما من قاتليه وانتصار لمشروع تحرر واستقلال شعب وقبل الشروع في تحليل القصيدة ينبغي التنبيه إلى أنه من البيت الأول إلى البيت 33 على لسان السلطان، ومن البيت 34 إلى آخر القصيدة على لسان الشهيد.

أسكن كالموتى يا أحمق
نم.. هذا قبر لا خندقْ

اسكن من السكون وانعدام الحركة لا تقال إلا على حراك ثوري يزعج الخصم المختزل في نظام متربص يخشى الثورة وهو النظام السعودي الذي يريد من اليمن الثائر أن يبقى ساكنا وميت ويعود إلى العباءة من جديد وها هي عملية الاغتيال الأولى الذي ظن القاتل أنه قد أنهى أسطورة الرئيس الحمدي وأجهز على مشروعه الثوري الوطني ليتفاجأ القاتل أن الشهيد ما يزال حيا في شعبه الغاضب والثائر الذي خرج في تشييعه بالملايين ليقوم بقتله من جديد وهو يحاوره متهكما وناقما :   

لا فرق لديك؟ نجوت إذن
واخترت المتراس الأوثقْ

القاتل وبعد أن مارس الحرب النفسية على الثائر الشهيد عله يقنعه أنه أصبح في القبر ولم يعد في خندق الدفاع عن مشروعه بقوله أسكن كالموتى يا أحمق لأنك لم تلتفت إلى مصلحتك كبقية المسؤولين في نظامك اخترت الموت .. وما إن ينظر إلى الجماهير حتى يعلم في قرارة نفسه أن قتيله اختار المتراس الأوثق وهو الشعب لكنه لا ييأس فيحاول قتله من جديد قائلا

تدري ما الموت؟ ألا تغفو؟
أقلقت الرعب وما تقلقْ

يتساءل هنا عن الموت وهجعته وسكونه مستغربا من عدم سكون القتيل مصورا في ذلك حال القاتل الجمعي المتمثل في كل المشتركين في قتله يوم الوليمة والذين انتابهم الرعب والخوف ليعيشوا مطاردين بكابوس الثائر الشهيد ونقمة شعبه ليذكره بقتلته الأولى قائلا:

هل تنسى قتلَتكَ الأولى؟
وإلى الأخرى تعدو أشوقْ

ومتوعدا للحمدي بقتلة أخرى تمثلت في فبركة الصورة المشينة واللاأخلاقية لعملية نقل جثته وأخيه إلى منزل جنوب غرب صنعاء ليأتي الملحق العسكري لهذا السلطان المتوعد والمهدد بجثة فتاتين فرنسيتين ويلقيهما بجانب الثائر الشهيد وأخيه ليقتل صورته الوطنية النبيلة والعظيمة في قلوب وعيون محبيه ويقتل فيهم مشروعه الثوري التحرري .. لكن الشعب المؤمن ببراءة قائده وزعيمه الشهيد المظلوم من تلك التهمة الوضيعة وها هو الشعب ومع اقتراب الذكرى الأولى لاغتيال الحمدي يخرج في ثورة ويحاول الانقلاب على النظام العميل الذي قتل الحمدي لصالح سلطان آل سعود التآمري فيصيح السلطان القاتل في وجه شبح القتيل الحي الذي يلاحقه بالهبة الناصرية التي استدعت لقمعها الشرطة العسكرية والفرقة الأولى مدرع بالقول

من ذا أحياك أعيدوه؟
أعييت الشرطة والفيلق

تلك الهبة الشعبية واستمرار ملاحقة القتلة أقضت مضاجعهم وأرعبت الممول والمخطط والمشارك في تنفيذ الجريمة فيهرع من جديد ليأمر عملاءه بقتل الحمدي للمرة الثالثة وهذه المرة بتغيير معالم قبر الشهيد بل والمقبرة بكاملها حتى لا يصبح مزارا شعبيا لكنه يفاجأ  أن كل محاولاته تبوء بالفشل  ليقر معترفا بذلك الإخفاق وهو المتأكد أنه وبيده قد أراق دمه وبماله وعملائه قد أزهق روحه وبمن ينوب عنه قد حاول تشويه صورته وأخفى معالم قبره ليحاوره في الأربعة الأبيات التالية حائرا وهو يرى ضموره وموته البطيء وتألق الشهيد حياة في وجوه وقلوب محبيه الثائرين:

هل كنت دفيناً؟ لا سمةٌ
للقبر، ولا تبدو مرهق
دمك المهدور- على رغمي-
أصبحت به، أزهى أأنق
أملى بالعافية الجذلى
ومن الرمح (الصعدي) أرشق
من أين طلعت أحر صباً
وأكر من الفرس الأبلق؟

ها أنت مليء بالحياة والعافية ومنتصب القامة كالرمح الصعدي الشامخ بإبائه وشممه وكأن البردوني هنا يرنوا إلى البعيد القادم بالموت للقتلة من صعدة ولو بعد حين وبعد ذلك التحليق في البعيد المستقبلي الذي سيأتي يعود الاسترجاع على لسان السلطان الخائف وهو يتذكر مشهد تشييع الحمدي المهيب مصورا تدفق الجماهير بجنازته محمولا على أمواج البحر .. إنه ينظر إلى ثورة تصحيح أخرى ومشروع تحرري وليد هناك في البعيد
قالوا: أبحرت على نعش
            ويقال: رجعت على زورق!
هذا المولود الجديد من الموءود الفقيد هو الثائر الشهيد العائد على زورق تركه هناك في الساحل الغربي حيث يكمن سر التآمر ودافع الجريمة وهو محاولة السعودية ومن ورائها الرأسمالية الصهيونية الأمريكية السيطرة على البحر الأحمر وباب المندب  وخنق اليمن وسلبه قراره السيادي وهو ما تصدى له الشهيد بقوة للحيلولة دون تنفيذه بدعوته لمؤتمر في الحديدة كان السبب في تسريع القاتل بتنفيذ جريمته لكن الشهيد يكسر كل التوقعات ويحبط جريمة اغتيال مشروعه ليتحول إلى كابوس يطارد السلطان في كل مكان ويتمثل له في كل لحظة عاليا متألقا فيشك في إعلان مقتله وقد رآه رأي العين

أو ما دفنوك وأعلنا؟
فلماذا تعلو، تتألق؟

ومتحولا إلى طائرات مسيرة وصواريخ مجنحة ومشروع وطني بدأ بثورة بيضاء هي الكفن إلى شعار وعلم للتحرر والاستقلال اليمني هو البيرق المتألق

أركبت المدفن أجنحة
ونسجت من الكفن البيرق؟

وهنا يقع السلطان القاتل في دائرة الخيبة واليأس والاعتراف الضمني انه بقتله الحمدي أكسب مشروعه التحرري حياة فتية وأشد خطرا عليه ليقع في شرك من خدعوه وجعلوه يظن أنه بقتله قد قتل مشروع شعب تواق إلى الخلاص من الوصاية والهيمنة وتواق للخروج من حالة الموت السريري الذي فرضه أو توهم أنه سينجح في فرضه فالشعوب الحرة لا تموت وإن حاول أن يخنقها بحبال مكائده أو يكبح جماحها بزعامات عميلة وأدوات متسلطة دكتاتورية تقتات على موائده ..لا أيها السلطان أنت واهم وقد خدعك عملاؤك ومرتزقتك وها هي آخرة المحنش للحنش وفي الأبيات التالية ما يصور ردة الفعل لحظة المكاشفة بالحقيقة وقد بدا للسلطان القاتل صدق العدو اللدود الذي يترصده في كل مكان ويطلع له من كل مرصد وقد بلغ إليه فيما وراء الحدود ولا يستطيع دفعه بحرس ولا جنود :  

ماذا يبدو، من يخدعني؟
           بصري أو أنت؟ من الأصدق؟
شيء كالحية يلبسني
                سيف بجفوني يتعلق
من أين تباغتني؟ أنأى
            تدنو، أستخفي، تتسلق
تشويني منك رؤى حمر
               يتهددني سيف أزرق
شبح حرباوي، يرنو
                يغضي، يتقزم، يتعملق

عذاب دائم ومتجدد يعيشه السلطان السعودي كل يوم خوفا على عرشه من الثائر الشهيد فهو قد عاش حياته مقيدا بوصية جده أن حياته في موت ذلك الثائر وموته في بعثه كالأسد الزائر وقد قتله أكثر من مرة لكنه لا يزال حيا يؤرقه ويراه في كل زوايا مملكته وسلطانه شبحا حرباويا يغير من شكله وحجمه وهو في تصعيد تراكمي بعد أن كان ضئلا وضعيفا وقزما يتعملق وها هو دمه الأحمر القاني يتحول إلى حمم براكين عابرة الحدود تحول حياته إلى جحيم ه

من أي جحيم تتبدى؟
       عن أي عيون تتفتق؟

وفي مختلف الجبهات يتمثل له شعبا ثائرا جعل وادي تنومة الذي شهد قتله القديم ينتفض بانبعاث الريح بالروح في كل شاهد ومشهود متبندق في نفير عام للثأر من كل جرائم آل سعود وقد رأى ذلك في الشهيد القائد والعائد رغم فقدان بصره وهو يرى بكل عيون الشعب في الماضي والحاضر والمستقبل انجاز الوعد بالنصر والفتح المبين والإنصاف لكل ثائر شهيد ولو بحين وعلى لسان السلطان نفسه المقر بهزيمته وهزيمة عملائه في الداخل بعد سقوطهم وتركهم له ليواجه مصيره

الوادي باسمك يتحدى
                 والتل بصوتك، يتشدق
الصخر ينث خطاك لظى
                الريح العجلى، تتبندق
أبكل عيون الشعب ترى؟
                   أبكل جوانحه تعشق؟
تحمر هناك، تموج هنا
                       من كل مكان تتدفق

لقد وصل الخوف بالسلطان القاتل من هذا المشروع التحرري اليمني الذي حمله الثائر الشهيد إلى حالة هستيرية جعلته عاجزا عن محاولته التصبر والمواراة والتخفي وراء القوة المادية والعسكرية وآلاف المرتزقة والعملاء ما جعله ينهار ويجثو مستسلما لسلطة الثائر الشهيد كجثة مقطعة الشرايين وهو الذي عمد إلى تقطيع شرايين الحياة في شعب الثائر الشهيد بالعدوان والحصار

قالوا: أخفي... أصبحت على
سلطاني، تسليطاً مطلق
تحتل قرارة جمجمتي
فأذوب، إلى نعلي أغرق
أردي، لا ألقى من يفنى
أسطو، لا ألقى من يفرق
أسبقت إليك؟ فكنت إلى
تقطيع شراييني أسبق؟

نعم فها أنت أيها الثائر الشهيد سبقت إلي فأجهضت مروعي وأنت في شعبك الثائر  تقهر الموت وتجبره أن يرتد إلي وإلى عملائي في ثورتك عليهم أولا فجعلتني وأنا من يصدر الموت إلى شعبك ابكي واتصبب عرقا ففقد سلطان الموت الذي فرضته على شعبك لباقته وأصبحت فرائسه من ضحايا تآمري أسودا مفترسة  ودمك الذي خضب اناملي الأمس نار تحيلها إلى رماد بعد احتراق كل أوراقي اليوم بسقوط كل رموز العمالة الذين سلطتهم عليك وعلى شعبك.

شككت الموت بمهنته
             لا يدري يبكي أو يعرق!
هل شل القتل لباقته
               أو أن فريسته ألبق!
هل من دمك اختضبت يده
                 أو أن أنامله تحرق

في الأبيات التالية يشير الشاعر البردوني بوضوح إلى المخطط السعودي التآمري الذي أعد خطة التخلص من الحمدي والمشاركين في تنفيذها وبنظرته البعيدة يؤكد أنها كمخطط وجريمة لن تمر بدون عقاب وأن القتلة المحليين مصيرهم القتل ومخططك مصيره الفشل وسنرى في الأبيات التالية وعلى لسان السلطان الذي يقصد به سلطان بن سعود كيف ألغز بالإشارة إلى لجنة التنسيق السعودي اليمني المعروفة باللجنة الخاصة والمأزق الذي وقعت فيه وكيف أشار إلى قائد تلك الخطة على بن مسلم ممثل السلطان والملحق العسكري السعودي صالح الهديان:

أقتلت القتل ولم تقتل؟
أوقعت الخطة في مأزق
القتل بصنعاء مقتول
وروائحه فيها أعبق
الآن عرفت.. فما الجدوى؟
سقط التنسيق، ومن نسق
أضحى القتال هم القتلى
أرديت (القائد والملحق)

وهنا يأتي رد الشهيد الثائر العائد من الجرح اليمني الغائر على السلطان السعودي الجائر

كالبذر دفنت، هنا جسدي
                 والآن البذر هنا أورق

ظننت بقتلك لي أن تئد مشروعي ولكن هيهات فلقد ألقيت بجسدي هنا بذرة وكم شهيد روى بدمه جسده البذرة فغدت غرسة حرية أورقت ثورة وأثمرت انتصارا وتحررا واستقلالا

فلقلب التربة أشواق
             كالورد، وحلم كالزنبق

وهي تربة يمنية طيبة طهور تتوق وتشتاق للتطهير من وطأة قدمك وأحذيتك العميلة النجسة

لأنوثتها – كالناس – هوى
              يتلظى، يخبو، يترقرق

تربة أنثى رجالها البأس الشديد الذين حنوها بدمائهم

بدماء الفادي تتحنى
               لزفاف مناه تتزرق

حاولت أن تعمق قبري وتخفي جريمتك بمحو معالمه ومن حيث لا تعلم جعلت جذور أصالتي اعمق في هذه الأرض فاستعصى عليك استئصال هويتي ومشروعي التحرري وهآنذا ثورة ومسيرة تزحف إليك لتجتث قرارك وجذور مملكتك وسلطانك الجائر

عمقت القبر فجذرني
      فبزغت من العمق المغلق
السطح إلى الماضي ينمو
وإلى الآتي، ينمو الأعمق
من ظلمته، يأتي أبهى كي
يبتكر الأبهى الأعرق
هل أهمس بوحي أو أعلي؟
ما عاد الهمس، هو الأليق

وهنا العدوان وحدنا فلطالما حاولت خلق الأزمات وتمزيق النسيج الوطني بمؤامراتك لكنا توحدنا واجتمعنا رغما عن انفك ولم تحقق شيئا

يامن مزقني، جمعنا
- في خط الثورة - من مزق
ماذا حققت؟ ألا تدري؟
وطني يدري، ماذا حقق
ويعي من أين أتى وإلى...
وعلى آتيه يتفوق

إنها نبوءة البردوني وقراءته للمستقبل 1977م ..نراها اليوم بعد ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر  وما أصدقها من نبوءة شعرية.