الساحل الغربي ملتقى الأطماع الاستعمارية « الحلقة 46 »

الساحل الغربي ملتقى الأطماع الاستعمارية « الحلقة 46 »

أطماع فرنسا في البحر الأحمر
نواصل من حيث توقفنا في العدد السابق عن أطماع فرنسا في البحر الأحمر بضفتيه الشرقية, والغربية والتنافس الاستعماري الشديد ,

والمحموم مع حكومة بريطانيا وفي هذه الآونة استمرت فرنسا بإرسال البعثات الاستكشافية الفرنسية من ارتياد تلك السواحل, والمناطق المحاذية للساحل الإفريقي ومن أهم تلك البعثات الاستكشافية في هذه الفترة  بعثة راسيل في عام  1859م , قام راسيل بهذه الجولة تلبية لرغبة الحكومة الفرنسية التي كلفته باستكشاف سواحل البحر الأحمر الغربية لاسيما المنطقة الممتدة من قبة الخراب جنوباً , وحتى مصوع شمالاً حيث كان عليه أن يقوم بدراسة شاملة لهذه المنطقة تتناول كافة الجوانب , والسكان وأحوالهم الاقتصادية والإجتماعية بالإضافة إلى الدخول في مفاوضات مع زعماء المنطقة , وتوقيع المعاهدات معهم , مع التركيز على خليج عدوليس , وجزيرة ديسي , ومرفأ عييد هذا ولقد أوصت الحكومة الفرنسية راسيل بأن لا يفصح عن مهمته لأي شخص كان , وحتى لا يثير انتباه الدول الأخرى المنافسة وخاصة بريطانيا .
ويستفيد من تقرير راسيل الذي أعده إلى وزرة ( المستعمرات ) الفرنسية أنه ذكر أن أراضي مدينة زولا القريبة من ميناء عدوليس أراضي جيدة ذات مناخ طيب ومياه عذبه بالإضافة إلى أن مرفأ زولا ممتاز , ويصلح لرسو السفن الكبيرة لأن مياهه هادئة لا تتعرض للأمواج في معظم الأوقات أما عن جزيرة ديسي فأنها أصلح موقع لإقامة قاعدة عسكرية , وطلب راسيل من حكومته الإسراع في الاستيلاء على هذه المواقع .. وبحسب جلال يحيى في كتابه التنافس الدولي في بلاد الصومال بأن راسيل هذا قد قام بإمضاء معاهدة مع ملك تغري تضمنت تنازل إمبراطور الحبشة عن الجزء الواقع بين حافة جبل جودام ماراً بسهل زولا ومحيطاً بخليج عدولي حتى جزر أود وديسك اللتين تدخلان ضمن تلك المنطقة كما طلب الحماية من فرنسا لأراضيه التي تمتد على شاطئ البحر الأحمر حتى زيلع , متعهداً بحمل رعاياه وحلفائه على تنفيذ هذه الاتفاقات بالإضافة لعدم منحه أي امتياز آخر لأي دول أوربية دون الحصول على موافقة الإمبراطور الفرنسي هذا ولقد طلب الإمبراطور الحبشي من فرنسا الاعتراف به كملك شرعي لبلاد الحبشة , وقد كان الإمبراطور مضطراً لتقديم هذه التنازلات حتى يستطيع الاحتفاظ بعرشه أمام هجمات الأمهرا هذا ولقد قدم راسيل إلى الإمبراطور بعض قطع المدفعية للمساعدة له في حربه ضد تيودور , ولكن هذه المعاهدة أصبحت عديمة الفائدة نظراً لأن تيودور قد تمكن من هزيمة النجاشي وإلقاء القبض عليه . ومن الملاحظ أنه ومع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت تتبلور سياسة فرنسا تجاه هذه المنطقة وبالطبع فقد كان لهذا النشاط الفرنسي انعكاساته القوية على السياسة  البريطانية في المنطقة ففي 16يناير 1860م قام الجنرال كوجلان بتكليف من شركة الهند الشرقية الإنكليزية برحلة إلى البحر الأحمر, فقام بزيارة بريم ومصوع وديسك وأدوليس وزولا ثم قام كوجلان    بفحص خليج أنسلي جيداً وخرج بنتيجة هامة هي أن أدوليس وزولا لا تصلحان كمحطة بحرية للفرنسيين , أو كمستعمرة لهم هناك إلا أنه بمجرد أن رأى جزيرة ديسك حتى أقتنع بأنها أفضل مكان لإقامة الأوربيين كما أنها محطة بحرية ذات موقع استراتيجي هام وتسيطر على خليج أنسلي , ولهذا فقد أدرك كوجلان أن هذه التحركات الفرنسية تستحق الاهتمام الشديد من جانب الحكومة البريطانية.
وتجدر الملاحظة هنا إلى أن فرنسا في هذه الاثناء كانت قد ربطت مصالحها بقناة السويس ففكرت التحرر من تحكم عدن في ملاحتها وأخذت تعمل جادة للحصول على قاعدة جديدة تسمح لها بالاستقلال خصوصاً وأن مصالحها كانت مازالت متضاربة مع بريطانيا في كل من أوربا والشرق الأقصى .. كما تجدر الإشارة أيضاً أن الحكومة الفرنسية لم تشاء أن تصدق على المعاهدة التي عقدها راسيل مع إمبراطور الحبشة نظراً أن الظروف التي كانت تمر بها فرنسا في تلك الآونة لم تكن تسمح , وهي حالة الحرب التي كانت بينها وبين إيطاليا  .. وعلى أية حال فأن وزير البحرية والمستعمرات الفرنسية قد صمم في عام 1861م على ترك السياسة التي انتهجتهاوزارته في العام السابق فأصدر أمر ه إلى راسيل بالعودة إلى البحر الأحمر , وكان نابليون السادس قد صمم على احتلال جزيرة ديسك لكي يقيم عليها مخزناً للفحم اللازم لحاجات البحرية الفرنسية هذا ولقد كان على راسل في حالة ما إذا لم يقم الإنجليز أو الأتراك العثمانيون باحتلال تلك  الجزيرة أن ينزل بعض مشاة الأسطول الفرنسي إليها , وأن يجمع الأهالي , وأن يرفع العلم الفرنسي , وأن يكتب محضراً بالاستيلاء عليها وأن يختار الموقع الذي ستقام عليه محطة التموين , ولكن هذه التعليمات لم تتخذ , ولم تبحر الحملة أساساً من فرنسا كما أن الحكومة قد عهدت إلى راسيل بمهمة أخرى فأرسلته إلى المكسيك حيث مات في سنة 1862م .
الاستيلاء على أوبوك :
في اليوم الرابع من شهر يونيو سنة 1859م غرق هنري لامبرت نائب القنصل الفرنسي بعدن عند عبوره من الحديدة إلى تاجورة في قارب يمتلكه حاكم زيلع , وذلك خارج مضيق باب المندب وقد أثار هذا الحادث بصورة غير مباشرة مسألة السيادة على زيلع , وقد كانت أصابع الاتهام تشير إلى حاكم زيلع الذي أشارت الوثائق الفرنسية إلى أن خلافاً كان قائماً بينه وبين لامبرت .. هذا وقد قام كابتن بلايفير مساعد المقيم السياسي البريطاني في عدن يرافقه كابتن شيرا رد  بالتعرف على الظرف والملابسات المختلفة التي أدت إلى وقوع الحادث وانتهى بحثهما إلى استنتاج أنه حادث عفوي نتج عنه تحطم القارب عند اصطدامه بصخرة قرب جزر موسى وقد أرسلت نسخه من تقرير هما إلى الحكومة الفرنسية لتوضيح حقيقة ما حدث.. هذا ولقد أرسلت الحكومة الفرنسية القبطان دي لانجل قائد السفينة السوم للاشتراك بالتحقيق وأوصى دي لانجل حكومته بإنشاء مستعمرة , أو محطة بحرية على الساحل الشرقي لإفريقيا ومن هنا بدأت فرنسا مرحلة جديدة بالاتفاق مع زعما القبائل , فقد قام دي لانجل باصطحاب ديني أحمد أبوبكر بن عم أبوبكر إبراهيم شيخ تاجورة وصديق الفرنسيين , وكان معهم طلب من بعض مشايخ الصومال من قبيلة حبر أول يدعو فرنسا إلى وضع مناطقهم تحت حمايتها , وبالفعل قام بتوقيع معاهدة منحت فرنسا امتياز بحيازة (أبوك ) ومنطقة الساحل الممتدة من "رأس بير" إلى رأس دامير وكان ذلك في 11مارس 1864م في باريس , وسبق أن أخبر وزير الخارجية الفرنسي نظيره الإنجليزي بأنه قد أرسل شيفر أحد مستشاري السفارة الفرنسية في الأستانه للحصول على محطة لتموين السفن التجارية الفرنسية في البحر الأحمر وأشار أيضاً إلى أن وزير الحربية الفرنسية قد قام بإختيار قطعة أرض صحراوية تدعى أوبوك كميناء آمن ذي مياه هادئة , وأنه يأمل أن يبنى هناك مخزناً للفحم ولم ينس وزير الخارجية الفرنسية أن يشير إلى أهمية هذه المنطقة لاسيما وأن قناة السويس أوشكت أن تفتتح علاوة على إمكانية تحويل القوافل التي تصل إلى تاجورةوزيلع وبربره إلى محطة فرنسية أما السلطات البريطانية في عدن فلم تخف تذمرها وخيفتها من حضور الفرنسيين إلى هذه الجهات وأعلنت أن هذه المناطق تابعة للإمبراطورية العثمانية , وأن أحداً لا يستطيع إنكار أن تركيا هي الدولة صاحبة السيادة على كل السواحل , وكانت إنجلترا ترغب في البقاء هناك بمفردها دون وجود أي منافس لها.
يتبع في العدد القادم بإذن لله.