البعد الأمني والعسكري للمصالحة الخليجية (1 – 3)

البعد الأمني والعسكري للمصالحة الخليجية (1 – 3)

رغم أن المصالحة الخليجية جاءت متعسرة ومتأخرة إلا أنها حظيت باهتمام العديد من الدول والبلدان والشعوب.. ورغم أن ضغوط ترامب الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته كانت السبيل لتقريب وجهات النظر الخليجية..

وقد فرحت قوى واستبشرت قوى.. وتوجست قوى أخرى من هذه المصالحة..
الكل رأى في رأب الصدع الذي نشأ بفعل فاعل وبتوجيه مطابخ معينة، فرصة لنزع فتيل الفتن التي طالت المنطقة الإقليمية في الجزيرة والخليج، لأسباب عديدة..
وللأمانة يحسب للنهج الكويتي المرن والساعي لإيجاد مخارج لحالة الاحتقانات التي أصابت المنطقة ورموزها وأنظمتها، وقد لعبت النخب السياسية والقيادة الكويتية دوراً لا يستهان بها لنزع حقول الألغام التي سادت في الساحة الخليجية، وقد مثلث القيادة الكويتية كمخفف صدمات للعلاقات الخليجية التي شهدت توتراً واحتقاناً وعداءً غير متوقع وخاصة عندما وصلت إلى حافة الهاوية..
وفي حقيقة الأمر أن "محمد بن زايد" كان المهندس الرئيسي للأزمة الخليجية، وهو بامتياز صانع أزمات في أكثر من مكان من "طراز موسادي" متعدد الأضرار, فالمال لا يعوزه والدسائس لا تنقصه والأدوات الرخيصة جاهزة للاستخدام، وحصاد الأزمات تعود إليه بفوائد عديدة، ليس فقط السيطرة الاقتصادية والنفوذ المالي بدءاً من بيع النفط المحظور والمحاصر ووصولاً إلى نهب الذهب والمعادن، وانتهاءً بالخدمة المخابراتية لصالح أنظمة وأجهزة مخابرات أجنبية.. بل لم يتورع هذا الشيخ الخليجي المتخم- مالاً وقذارةً ومؤامرات- في القيام بمقاولات قتال وإدارة القتال والتدمير بدءاً من "مالي" في الشمال الغربي الإفريقي، ووصولاً إلى إدارة القتال والفتن في اليمن.. ومراقبون يرون أن ابن زايد يقف خلف العديد من الانقلابات ومن تغيير الأنظمة وتنصيب زعامات كرتونية تدين له بالولاء والطاعة في أكثر من بلد عربي أفريقي..
بدءاً من "مصر السيسي" والى "ليبيا حفتر"، وأياديه التخريبية ليست بعيدة عن ما يجري في تونس وفي السودان وفي أثيوبيا والصومال، ولهذا فإن ابن زايد وقف حجر عثرة وما يزال أمام مصالحة خليجية حقيقية ومستدامة وسيظل حجر عثرة لسنوات قادمة لأنه يخدم أجندة مشبوهة..
ومن دواعي التفاؤل الخليجي أن تـأتي خطوات المصالحة الخليجية مع موعد انعقاد القمة الخليجية أو قمة مجلس التعاون الخليجي في يناير 2021م من "العلا" مما يؤكد أن هذه القمة اعتبرت المؤشر الحقيقي لنجاح المساعي لإرساء المصالحة الخليجية، وبالطبع المشاركة كانت من كل الدول الخليجية الست، إلا أن الاستعصاء الإماراتي بدا واضحاً بامتناع محمد بن زايد عن الحضور، وكذا جاراه الرئيس السيسي والاكتفاء بوزيري الخارجية للحضور والمشاركة.. وهذه الإشادات تمثل بأن وراء الأكمة ما وراءها وأن "المصالحة" هي محطة مؤقتة لمقارعة قادمة ودسائس تعد للفترات القادمة..
وكما كانت البدايات لهذه المصالحة الخليجية- الخليجية يبدو أنها ستكون النهايات لها، فسبق أن صرح مسؤولون أمريكيون أن التقارب بين الرياض والدوحة جاء بحسب رغبة أمريكا التي تسعى إلى إطفاء الحرائق الجانبية في المنطقة لكي تتفرغ لإدارة الصراع مع طهران ولكي تثمر سياسة كسر العظم التي تتبعها لاحتواء المارد الإقليمي الإيراني الذي يريد أن يعيد حسابات الإقليم بعيداً عن هيمنة الصهاينة والأمريكان والبريطانيين، وخاصة وأن طهران قد مارست سياسة أربكت تل أبيب وأفقدت إسرائيل إمكانية المناورة السياسية لاحتواء الموارد الخليجية في سلسلة التطبيع التي تريدها أن تكتمل، لكي تخرج من أزماتها الاقتصادية وتخفف من الاعتماد الكبير على المال الأمريكي وعلى الدعم السخي من واشنطن، ولذلك تحرص أمريكا وتحاول جهدها في أن تحرم طهران من النافذة القطرية التي تراها واشنطن أنها تمثل طوق نجاة للاقتصاد الإيراني وتتيح للقيادة الإيرانية التنفس من خلالها في علاقات مثمرة مع الإقليم إلى جانب بغداد ودمشق وإسلام أباد وبكين وموسكو..
ومثال واحد فقط للمتابعة المخابراتية الأمريكية، ان قطر تدفع لإيران سنوياً رسوم عبور الأجواء حوالي مائة مليون دولار ترى واشنطن أهمية أن لا تصل إلى طهران وعدم استفادتها منها في بناء ترسانة أسلحتها..
وتشير دراسات إلى أن هذه المصالحة وترتيب البيت الخليجي ستكون أمام ثلاثة سيناريوهات مستقبلية.. أولى هذه السيناريوهات الفشل نظراً لتعقيدات هذه الأزمة.. وثاني هذه السيناريوهات نجاح المصالحة لأسباب "المشتركات الجغرافية والمجتمعية" والتهديدات المشتركة التي تواجه الدول الخليجية، وكذا حاجة قطر للخلاص من القيود التي فرضت عليها.. فيما يشير السيناريو الثالث في النجاح من إرساء تسوية مظاهر الأزمة وبقاء التوجس والمخاوف بين دول المصالحة بما فيها مصر..
ومن مظاهر هذه التسوية تطبيع العلاقات الدبلوماسية، وفتح المجال الجوي والبحري والبري، لكن مع استمرار حالة الترقب والتوجس والمخاوف..
وأمام هذه التسوية أو المصالحة.. يقف الملف اليمني الذي حسب تقديرات مراقبين ومهتمين سيكون الاختبار الصعب الذي يقف أمام دول التسوية الخليجية المصرية..
وأولى البشائر المؤلمة لهذه المصالحة التي ستتوالى على المنطقة أنها تبشر بصراعات جديدة تكون محورها إيران، ثم الإدعاءات على أية بلدان ترتبط بإيران حتى لو بعلاقة تجارية.. في ذات المنحى سوف تتيح المصالحة الخليجية للكيان الصهيوني أن يعيد ترتيب كل أوراقه وحساباته، بدءاً من فتح بوابة "التطبيع" ثم السماح بالنفوذ والتغلغل الصهيوني في المنطقة ودولها وبلدانها وجزرها ومواقعها الحساسة.. وأخطر مناطق التغلغل الصهيوني ستكون منطقة جنوب البحر الأحمر وباب المندب وجزيرة سقطرى..
وقد بدأت بؤر هذا الصراع والتوجسات بإشارة إيرانية من مقال كتبه أحد الكتاب البارزين الإيرانيين وكان قد شغل في السابق مسؤولية المستشار الإعلامي للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي عندما كتب مقالاً بعنوان: "قطروس بن أبيه وراء اجتماع مجلس تعاون القطاريس"..
فقد قال الكاتب محمد صادق الحسيني: "لأن إيران وحزب الله في العلى ونالوا الثريا بعد الثرى قرر أبو أيفانكا سريعاً إرسال قطروسة المعني عنه وعن والده قبل أيام "نعني به كوشنر صهر ترمب وخادمه الذليل" ليجمع مجلس تعاون القطاريس طالباً منه إعلان "المصلحة" بما يساوي عملياً تركيب أرجل خشبية لمن تكسرت أرجلهم الأًصلية في اليمن ومن طوفان البحر الفارسي وحيتانه ويضيف: "الخطوة الترامبية ليست سوى قرص "بانادول" يخفف من آلام الرجفة الذي سينتهي مفعوله بغياب الملك ترامب لتظهر اعراض الرجفة مجدداً على "قطاريس الخليج الفارسي"..
وكلمة القطروس التي أوردها الكاتب الإيراني محمد صادق الحسيني معناها التابع الذليل أو الخادم المنصاع لسيده أو الأجير المتعهد بالعمل لدى سيده أو لدى المالك!!..
ويعني بها "زعماء" دول الخليج الذين يعملون لدى سيد البيت الأبيض في واشنطن!! وللموضوع بقية..