الأحد 19-08-2018 10:14:37 ص : 7 - ذو الحجة - 1439 هـ

صورة يمنية .. مزيج من طفل استحال أباً، وأب استحال طفلا

الثلاثاء 22 مايو 2018 الساعة 05 صباحاً / 26 سبتمبر نت
عدد القراءات (2345)

حياةُ اليمني، وليس شخصهُ فحسب أو موته، دراميّة في أساسها .

إنها صراعٌ ملحَمي للكائِن البشري، وهي حياته ذات وتائِر نفسية ومعيشية وفكرية مُتفاوِتة مُتدرِّجة غالباً .

طفل رفض ترك جثة والده بعد أن قتلته طائرات التحالف السعودي خلال مشاركته في عرس باليمن لنقُل إن الطفل اليمني الجاثي لصق جثّة والده، يقول لنا أنه لن يتركهُ مُسجّى وحيداً هكذا، وإنه – أي الطفل – في حالٍ من إشراع اﻷجنحة أو فتحها على المدى، ليرحل ووالده بعيداً عن عالمنا .

لنقُل إن مكوثه العنيد كما لو ابتهال، أو يأس كامل، مكوثه يتضمّن في داخله السكون، والدوران، والتململ .

الكاميرا التي تتلذّذ بنقلها لنا فجائع يمنية، تُرينا كم هي سهلة الدموع تجري من العيون، تجري أكثر ممّا تسيل، تجري وكأنها تغتسل من العيش والحركة، أو كما لو تعرّضت لتحويل أو ظهرت في نسخة ثابتة .

صوَرٌ يمنية في حركة موت واحدة مُتردّدة مُتتابعة كموجٍ صامت، كموجٍ عن جحيم في الذاكرة، أو ذاكرة تتفتّح أبداً في ظلٍّ رمادي، في طﻼسِم ﻻ نجد إجابة عنها وﻻ نجد شكلارحيماً .

الطفل المُرتمي على الصدر العريض لوالده الميت، مزيج من شكلٍ ولونٍ اندغما واندمغا حتى ضاعا في بعضهما .

إن الكتابة هنا، أو الختم على أمرٍ رأيناه، هو هذا المزيج من طفلٍ استحال أباً وأب استحال طفلا

تنقل الكاميرا السواد الغامِر، وفي كل اﻷحوال ما تفعلهُ هو هذه المقدرة على ترميد اللون، على إطفاء اللون، على تحويله إلى مادّةٍ من أشلاء مُتناثرة، تحويله إلى شيء، إلى شكلٍ يقولون إنه الموت .

بعض المُتجمهرين يقولون للطفل تعال إلينا واترك والدك إلى رحلته اﻷخيرة .

لم أفهم لغة الطفل الرافِضة .

لم أفهمها فهي ما جُعِلت للفهم، لكنني أعرف أنه أجابهم ليس بلغةٍ سائلة، وﻻ لغة تنشأ من جُمَل ومفردات .

أجابهم الطفل بنحيبٍ مُحتشدٍ بالنُكران، أجابهم بكبرياء بسيطة وبدائية .

الطفل لصق جثة والده، غير معني بالكاميرا وﻻ بناسِ الكاميرا، وﻻ بالمُناشدات التي تُثقل لحظات ذهوله، وﻻ باﻻنفصال عن كثافة اللحظة .

الطفل غير معني باﻷيدي التي تريد انتشاله، فهي أيدٍ غريبة مُعلقّة في الفضاء الصغير، بينما والدهُ متروك لرقدته من دون سند وكأنه مُقتَلعٌ من آدميّته، من أبوّته، أو أنه محض دُمية منفوخة سمينة توازن قلقه، توازن قلق العالم الذي مع ذلك ... صامِت .

ﻻ يلتفتُ الطفلُ إلى الكاميرا .

يُحدِّق فحسب في الدُمية التي بلا وجه، يُحدِّق في يدها المرفوعة وليست في موضعها وحركتها .

الدُمية التي لن تعود إلى الحياة بدرجةٍ أكبر مما تُرينا إياه الكاميرا .

ما هي اﻷشياء الحقيقية وما هي اﻷشياء الخيالية التي تنقلها لنا الكاميرا عن اليمن؟

المُتفرِّج السيّىء يريد دائماً أن يرى إلى المزيد من الموت، المزيد من الميتات في اﻷفراح واﻷتراح، المزيد من اﻷجساد المُتناثرة والمُسجّاة، وهي اليمن مصدر ﻹذكاء الحال المرَضية للمُتفرِّج .

حاﻻت غدت مرَضية بسببٍ من التبذير الكبير بالموت .

لقد غمر العالم الظﻼم وجُنَّ جنوناً مُطبقاً – وليحصل ما يحصل وبأبشع الصوَر – يقول المُتفرِّج القاعِد أمام شاشة التلفزيون .

ماذا يريد المُتفرِّجون السيّئون؟ يريدون " السطر اﻷخير " من الحياة التي تدور بعيداً عنهم، يرونها على الشاشات، يريدون لغة العالم السريّة التي تكتنه العنف، أو العبرة، العقار السياسي، وجهة النظر، اﻷقوى، ثم المزيد من اﻷموات .

المتفرّج السيّىء يجلس ويُطالب الكاميرا أن تُقشِّر له حياة الفقراء . أن تسحلهم .

المُتفرِّج السيِّىء، عاشق للميتات التي تجري بعيداً عنه، هو عاشق للهياكل العظمية، للدم، للاجساد المُتآكلة، لمجموعة كليشيهات عن النهايات التي ينتشي في حدوثها .

المُتفرِّج السيِّىء مثلهُ مثل الصحافي اللاهِث إلى " سبَق " وريادة في الخبر مدعوماً بنوعٍ من الرَيبة العدائية، بنوعٍ من المتعة التخريبية الكامِنة في ذبح البشر، بالحاجة إلى الفظاعة واليأس والمهانة المُتنامية الممزوجة بالغرور والهلوسات، وبحُمى العزلة والشهوة مع التَوق إلى رؤية الموت بأمِّ العين .. ونقله لنا مُعزَّزاً مُكرَّماً .

الطفلُ اليمني يحمل والدَهُ على كتفه . ليس على كتفه .

في حضنه .

هو مُلزَم بحمله طوال حياته إن بقيت له من حياة، لسوف ما تبقّى له من عمر حمل الوالد والبيت واليمن .

إن تسنَّى له أن يكبَر لسوف يحملهُ أينما ذهب، في الليل كما في النهار .

كل ليلةٍ بعد مجزرة الوالد مفرود الذراعين، كل ليلة بعد اﻵن، سوف يتقاسم الطفل سريره مع أبيه إلى أن يحين أجلهُ في عرسٍ ما، زقاق ما، سوق ما .

ﻻ أحسبُ أن في " فرجة " كهذه لمُشاهد سويّ، سبراً لنوابض البني - آدميين، سبراً لتفاصيل حياتهم، للوعاتهم ودقائقهم الداخلية، لتطلّعاتهم وأحلامهم بوطنٍ سعيدٍ ما، وإن على أقلّ درجةٍ من السعادة .

أحسب أننا ﻻ يجب أن نرى إلى موتِ اليمنيين وقد غدَونا في ألفةٍ معه إلى هذه الدرجة .

عندما يعرضون إلى صوَر الموت اليومي اليمني، وغير اليمني، ﻻ أراه إﻻ وأنا غريبة عنه وفي جفلة ووهلة منه ومن مُسبّبيه . ﻻ أراه إﻻ بقدرٍ كبيرٍ من هَلَعٍ وخوف .

حياةُ اليمني، وليس شخصهُ فحسب أو موته، دراميّة في أساسها . إنها صراعٌ ملحَمي للكائِن البشري في هذا العالم، وهي حياته ذات وتائِر نفسية ومعيشية وفكرية مُتفاوِتة مُتدرِّجة غالباً .

في اليمن عالم ورؤية خاصان، ويملك في داخله أكثر من صوتٍ، صوتُ الظلم وصوتُ البطولة ..

على الكاميرا أﻻ تقترب من رقدة الطفل الذاهِل ووالده المُسجَّى، ففي اﻷمر افتضاح رخيص للانسانية بكليّتها .

ثمة أخيراً مستقبل اليمن ﻻ بدّ، ما يتخّطى التلمَذة الكئيبة للكاميرا ويُغيِّر في مسارها .

قوّة ناسه، وشخصية عمارته وعمارة أولئك الناس ذوي البُنية الناحِلة والعزم، ما سوف يُتيح لليمن أن يحوِّل في الوقت البائس هذا، وذلك في تمثّل العناصر التي ترد عليه، ويُدرجها في لغة القرن ومنطقه وطريقته، فتغدو هذه " المذبحة " المُركَّبة واﻻستقطابية اكثر قابلية للحياة . تلك أسطورة الشعوب التي تستدعي نقيضها .. واﻷرجح أن الذات المبتورة والضائِعة في الزمن، أحوج إلى مثل هذه اﻷسطورة .. ثم إن النصرَ قريبٌ ليس شيئاً نافلا

ً

المصدر : الميادين نت

كلمات دالّة

أخبار عاجلة
ارتفاع غارات طيران العدوان على مديريتي همدان وأرحب إلى 30 مخلفة أضرارا بمنازل المواطنين وممتلكاتهم
المصدر:تدمير15ما بين مدرعةأمريكيةوطقم وعربة في الهجمات الفاشلةللغزاة
المصدر:40 من قوات الغزو قتلوا بغارة متعمدة للعدوان عند محاولتهم الفرار
مصدرعسكري ل26سبتمبرنت: مصرع 140 من قوات الغزو والاحتلال وجرح 236 خلال ال 48 الساعة الماضية بعمليات هجومية فاشلة على مديرية الدريهمي
القوة الصاروخية تطلق صاروخاً باليستياً من طراز بدر1 على معسكر مستحدث للجنود السعوديين والمرتزقة بـجيزان
الضالع: تطهير تبة العبلين و تبة الخضراء في حمك في نقيل الخشبة بعملية نوعية للجيش واللجان على مواقع المرتزقة فيها

طيران العدوان يشن 27 غارة على همدان وأرحب ونهم بصنعاء

2018-08-18
215 ) مشاهدة
شن طيران العدوان الأمريكي السعودي اليوم 27 غارة على مديريات همدان وأرحب ونهم بمحافظة صنعاء. وأوضح مصدر محلي بالمحافظة أن طيران العدوان استهدف 11 قرية الغرزة بمديرية همدان خلفت أضرار بمنازل المواطنين وممتلكاتهم. وأشار المصدر إلى أن طيران العدوان شن 13 غارة على منطقتي الصمع والفريجة، وغارة على بيت شملان بمديرية أرحب. وذكر قراءه التفاصيل
عرض المزيد
سبتمبر موبايل