السبت 21-09-2019 07:31:44 ص
خبر محلي إذ ترتفع الى منزلة إعلان الحرب!!
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 12 سنة و شهر و 25 يوماً
الخميس 26 يوليو-تموز 2007 07:43 ص
لفتني خلال الفترة الماضية خبر يمني نشرته احدى وسائل الاعلام العربية المشهورة في الخارج على صدر صفحتها الاولى. يتحدث الخبر عن قبيلتين تنازعتا قطعة أرض في مدينة ذمار، وأنه جرى استخدام السلاح لحل الخلاف.واحتل الخبر مساحة كبيرة في صدر الصفحة الاولى وقدم بعنوان مثير وبحجم يخصص عادة لاعلان حرب أو توقيع اتفاقية سلام.
الخبر محلي للغاية ليس بالنسبة لوسيلة اعلام كبيرة ومهمة ولكن أيضا بالنسبة لليمن، ذلك أن مدينة ذمار ليست عاصمة اليمن وليست ثاني أكبر مدينة في البلاد واتوقع الا تكون الثالثة في حجمها السكاني والعمراني ومع ذلك يحتل خبر محلي فيها مكاناً كبيراً في صدر الصفحة الاولى في صحيفة أولى وبحجم يعادل حجم قمة الدول الثمانية الاكثر تصنيعا في العالم أو حجم مؤتمر دارفور أو ما شابه ذلك، الامر الذي يطرح سؤالا عن سبب هذا الاختيار من المرسل والمرسل اليه في الآن معا.
حاولت أن أجري مقارنة بين الاخبار المشابهة المنشورة في انحاء عديدة من العالم وفي دول متقدمة و"متخلفة" لمعرفة ما اذا كان هذا النوع من الاخبار جديراً بالمكانة التي احتلها الخبر اليمني في الصحيفة المعنية فكان أن تاكد لدي ما توقعته مسبقاً وهو أن الاخبار المشابهة احتلت سطوراً قليلة في زاوية من الزوايا الهامشية والتصنيف هنا لا ينطوي على افتئات او ضعف التقدير بل ينطلق من حسابات عديدة متصلة بسياسة التحرير المعتمدة وأهمية البلد المعني وحجم القراء المتوقع وتأثير الخبر على الأوضاع في البلد نفسه فضلا عن مقاييس أخرى متفرعة او إضافية يضيق المجال للتوسع في عرضها.
طبعاً ليس المقصود بالاخبار المشابهة أن قبائل تتنازع قطعة أرض في واشنطن أو باريس او غيرها علما أن التنازع على ارض او نبع ماء او بناء تجاوز الحدود يمكن ان يقع وهو يقع بين عائلات في بلدان عربية كثيرة وينسب إلى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أنه فوجيء ذات يوم اثناء زيارته لبلد عربي مغاربي بقبائل من هذا البلد تطلب موعداً منه للتوسط من أجل حل خلاف مزمن على أرض بينها وعندما سأل المعنيين عن السبب قالوا أن حكومتهم لم تتمكن من حل المشكلة وأنهم جاءوا لعرضها على رئيس "كل العرب" على حد تعبيرهم.
 ولعل الفارق بين خبر التنازع على أرض في سوريا او في لبنان أو في العراق او الخليج وغيرها يكمن في أن الخبر هنا يبقى في حجمه المحلي فيما الخبر اليمني يرتفع إلى أعلى العناوين ويحتل صدر الصفحة الاولى وهنا لابد من تفسير.
أغلب الظن أن الخلاف على الارض في اليمن كما في ارجاء المعمورة والقتال من أجلها ناجم عن قيمتها وكلما زادت القيمة المادية أو المعنوية احتدم التنازع اكثر لكن ليس إلى حد اعتباره قضية وطنية كما يوحي خبر الصحفية موضع النقاش.
وإذا كان صحيحاً أن التنازع على الاراضي اشتد في اليمن اكثر من غيرها من البلدان العربية خلال السنوات الأخيرة فالصحيح ايضا أن هذه السنوات شهدت استقراراً داخلياً ملحوظاً وتوسعت خلالها الرساميل العقارية كما توسعت المدن نفسها ومع هذا التوسع كان لا بد من ظهور نزاعات هنا وهناك وهنالك.يضاف إلى ذلك مشكلة الأراضي في المحافظات الشرقية والجنوبية والتي كانت خاضعة لأنظمة التأميم وصار لزاماً اخضاعها لأنظمة دولة الوحدة الرأسمالية الامر الذي تسبب بصداع لم يتم فصولا بعد لكل الحكومات المتعاقبة منذ العام 1990م .
كان يمكن لخبر قطعة الأرض في ذمار أن يبدو طبيعيا لو أنه انتظم في دراسة او تحقيق مطول عن مشكلة الأراضي في اليمن وعن الحلول المطلوبة لمعالجتها لكن أن يأتي بلا سياق وبالطريقة التي ورد فيها فهذا يشي بعدد من الاحتمالات:
الأول منها: أن المرسل والمرسل اليه يعتقدان أن الأهم في اليمن هو الاخبار الطريفة وأن نشرها يعكس تقدم الناشر وتخلف المنشور وفي ذلك ادعاء من الصعب اثباته.
والثاني منها: أن زاوية النظر إلى المسائل اليمنية تتركز على هذا النوع من الأخبار للقول ان القبلية "كارثة ما بعدها كارثة" وهذا من أثر ثقافة قاصرة تنظر الى الذات بمرآة الآخر الغربي وترسم على رسمه كل كبيرة وصغيرة في الشؤون المحلية.
والثالث منها: أن المرسل يخضع لشروط المرسل اليه وهي تنطوي عمداً أو عرضاً على اخبار من هذا الطراز حصراً.
 والرابع منها: أن التقدير الوطني للأهم والأقل أهمية من الاخبار لاقيمة له في تداولها وبالتالي يمكن نشر أي شيء وبحجم كبير وفي الامكنة المخصصة عادة للاحداث المفصلية.
والخامس منها: أن التوسع في التركيز على هذا النوع من الأخبار يراد منه الاعتراض على الحكومة والقاء الضوء على منهجها في حل القضايا المحلية وهو منهج يسعى الى المزج بين التشدد والمساومة وتسهيل اندماج التجمعات التقليدية في اقتصاد السوق، فيما يأمل البعض تجريد حملة عسكرية وكسر رقبة المعنيين في كل مرة يقع خلاف على أرض هنا أو مهر زواج هناك.
ليس في هذا الكلام تشجيع على اختراق القانون وليس في هذا الكلام نية لمديح القبلية، إنه وبكل بساطة لا يتعدى لفت الانتباه الى طبيعة تداول اخبار اليمن والاحتمالات التي تقف خلف هذا التداول..وإن جاز تحميلها أكثر فللمساهمة في نقاش قضية معقدة أكثر بكثير مما نعتقد ويعتقد الضالعون في مهنتنا المتعبة.