الأحد 15-12-2019 21:06:08 م
الوحدة اليمنية في عالم متعدد المرجعيات
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 12 سنة و شهرين و 3 أيام
الخميس 11 أكتوبر-تشرين الأول 2007 11:44 ص
دشّن يوم الثاني والعشرين من مايو 1990م بداية عهد تاريخي جديد في مسار الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة للشعب اليمني، إذ جاء الإعلان عن قيام الجمهورية اليمنية لينهي عقوداً من التجزئة والتشطير والتوترات الداخلية ، التي تركت ظلالاً ثقيلة على شكل ومضمون الحراك السياسي والاقتصادي والفكري والثقافي للمجتمع اليمني.
 وزاد من أهمية توحيد الوطن سلمياً ارتباطه بولادة أول نظام سياسي ديمقراطي تعددي ، يتيح ظروفاً أفضل لتشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وإطلاق الحريات المدنية وإقرار مبدأ سيادة الأمة وحقها في انتخاب هيئات السلطة بواسطة الاقتراع الحر والمباشر على طريق تطبيق مبدأ التداول السلمي للسلطة.
 ما من شك في أن تزامن إعلان قيام الوحدة مع التحول نحو الديمقراطية التعددية شكل إسهاماً يمنياً متميزاً في إثراء الجدل الذي ساد في أوساط النخب السياسية والفكرية العربية خلال الثمانينات، حول إشكاليات تحقيق الوحدة العربية وحاجة المجتمع العربي للديمقراطية ، بعد أن وصلت مسيرة الكفاح التحرري الوطني ضد الاستعمار الأجنبي إلى إقامة دول مستقلة ومنكفئة ضمن أطر قطرية ضيقة، وغياب الحريات الديمقراطية والحقوق المدنية فيها، وما ترتب على ذلك من أزمات سياسية وإقتصادية وإجتماعية حالت دون تطور المجتمع العربي الذي أصبح عاجزاً عن الاستجابة لتحديات الإندماج في الاقتصاد العالمي والانتقال إلى الديمقراطية والتفاعل مع متغيرات الحقبة الجديدة من عصرنا.
ربما يكون هناك قدر كبير من الحقيقة في وجهة النظر التي لا تفصل ما حدث في اليمن يوم 22 مايو 1990م، عن تأثيرات المتغيرات الاقليمية والعالمية على اليمن باعتباره جزءًا من العالم.. لكن أهم ما يمكن ملاحظته في هذا الجانب هو علاقة النموذجين السوفييتي والصيني في ذروة تأزُمّهما وتحولّهما أواخر الثمانينات، بإشكاليات الفكر السياسي العربي التي لا يمكن فهم التباينات بين طرائق تفكير وعمل الأحزاب السياسية اليمنية بمعزل عنها.. كان العالم العربي ينقسم إلى مرجعيتين رئيسيتين في المسائل التي تتعلق بالدولة والسلطة والمجتمع المدني، بصرف النظر عن بعض التنويعات التي كانت تتم على هامش كل من هاتين المرجعيتين دون أن تشكل إضافة حقيقية لها أو تميزاً عنها.
أخذت المرجعية الأولى بنموذج رأسمالية الدولة من خلال اقتصاد متعدد الأنماط يسعى إلى تحقيق (تنمية وطنية مستقلة) تحقق العدالة الاجتماعية في الانتاج والتوزيع ، ضمن أفق طوباوي يتطلّع إلى التحرر الاقتصادي من التبعية للاقتصاد الرأسمالي العالمي.. وهذا النموذج لا يختلف في جوهره عن النموذج الاشتراكي الذي أخذ به الاتحاد السوفيتي والصين وبلدان أخرى، حيث يرى نقاد هذا النموذج أمثال د. سمير أمين أنه لا يعدو أن يكون سوى رأسمالية دولة أنحرفت عن قوانينها الموضوعية، وعندما عجزت عن مواصلة الانحراف عن مسارها الموضوعي التاريخي ، عادت إلى تشغيل آليات السوق باعتبارها قوانين أساسية لأي تطور رأسمالي.   
 في الاتجاه الآخر أخذت المرجعية الثانية بنموذج الاقتصاد المفتوح مع مصادرة تامة أو تضييق واسع أو نسبي للحريات السياسية والمدنية، الأمر الذي أوصل العملية الاقتصادية إلى مستوى لم يعد معه الاقتصاد قادراً على مواصلة النمو الطبيعي بدون مشاركة فاعلة من المجتمع المدني الذي أصبح ملحقاً بالدولة.
ولما كان اقتصاد السوق المفتوح لا ينمو خارج إطار قوانينه الأساسية، فإن الحرية السياسية هي أحد تجليات هذه القوانين.. ولذلك يربط الاقتصاد السياسي للرأسمالية بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية.. وعلى العكس من ذلك يضع الاقتصاد السياسي للاشتراكية أو ما تسمى بنظرية التنمية المستقلة ، قيوداً على الحرية الاقتصادية والحرية السياسية بشكل عضوي، الأمر الذي يفسر اختلاف وظائف الدولة والنخب الحاكمة في العمليتين السياسية والاقتصادية.
   في هذا الإطار أنقسم العالم العربي سياسياً واقتصادياً إلى نموذجين مختلفين في أسلوب تدخل الدولة، ومقدار الحرية المتاحة في العملية الاقتصادية، ولكنهما متقاطعان عند نقطة مشتركة في أسلوب التعاطي مع الحرية السياسية.
 ولئن كانت الدول العربية التي أخذت بنموذج الاقتصاد الاشتراكي الموجه إعتمدت نظام الحزب الواحد والفكر الواحد على صعيد الممارسة السياسية، فإن الدول العربية التي أخذت بنموذج الاقتصاد الحر ، توزّعت بين نظم تُحرّم التعددية الحزبية والفكرية، ونظم تنطوي على أشكال متنوعة من الحريات المقيدة أو النسبية مثل لبنان، الكويت، السودان قبل إنقلاب الجبهة الإسلامية، المغرب، تونس والشطر الشمالي من اليمن بعد تأسيس المؤتمر الشعبي العام عام 1982م.
 لا أستبعد أن يختلف معي البعض ممن يرون أن تجربة المؤتمر الشعبي العام لا تُعطي كاتب هذه االسطورالحق في وضع الشطر الشمالي من اليمن قبل الوحدة ضمن منظومة الدول العربية التي أخذت بالاقتصاد الحر، وأتاحت قدراً من الحريات السياسية النسبية.. لكن هؤلاء لن يستطيعوا إقناعنا بأن الشطر الشمالي من اليمن كان ينتمي إلى مجموعة الدول التي أخذت بنظام الاقتصاد الحر و صادرت في الوقت نفسه كل أشكال الحريات السياسية والنقابية.. بل أننا نزعم بأن النظام السياسي والاقتصادي في الشطر الشمالي من اليمن، كان تنويعاً على هامش النموذجين الرئيسيين اللذين سادا العالم العربي قبل الوحدة، بمعنى أنه كان نظاماً اقتصادياً موجهاً ومخططاً ومتعدد الأنماط التي تتساوق بين رأسمالية الدولة والقطاع المختلط والقطاع الخاص، فيما كان على الصعيد السياسي يتيح قدراً نسبياً ومقيداً من الحريات السياسية والحقوق المدنية.
 صحيح أنه كان لا يسمح بحرية العمل الحزبي، لكنه كان يتعامل مع التعددية الحزبية بوسائل أخرى، بدءاً بتشكيل لجنة الحوار الوطني التي ضمت خمسين من قادة ورموز الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية المختلفة، مروراً بوجود هامش انتخابي لمنظمات المجتمع المدني ، وإنتهاءاً بتأسيس المؤتمر الشعبي العام عام 1982م الذي كان بمثابة التنظيم السياسي الوحيد المسموح له بالعمل السياسي، لكنه لم يكن يشبه أياً من نظم الحزب الواحد التي هيمنت عليها نخب عقائدية صارمة كانت وظيفتها الأساسية حراسة أيديولوجيا شمولية ( قومية أو دينية أو طبقية ) ذات بعد واحد، وقمع الأفكار والآراء المغايرة..ما من شك في أن العقدين الأخيرين من القرن الماضي شهدا تحولات جذرية وصلت ذروتها في سقوط جدار برلين وإنهيار الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية التي كانت ترمز إلى إنقسام العالم بشكل متواز، ووجود عالم ثالث بينهما، وقد أدت تلك التحولات إلى تغيير جذري في منظومة العلاقات الدولية والبنى السياسية والاقتصادية والمفاهيم والأفكار التي كان لها دور بارز في تسويق وتبرير العديد من نظم الحكم ونماذج إدارة السياسة والاقتصاد والثقافة التي كانت تستمد شرعيتها ومحدداتها من البيئة العالمية تحت تأثير أحداث وتحولات النصف الأول من القرن العشرين ، والحرب الباردة في النصف الثاني منه.
 صحيح أن المتغيرات السياسية والاقتصادية التي حدثت أواخر القرن العشرين تزامنت مع حدوث إنعطاف جذري في حركة الفتوحات العلمية التي نهضت بها الثورة الصناعية الثالثة، ووصلت ذروتها في بروز منظومة مترابطة من تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، التي أفسحت الطريق لولادة نظام اقتصادي عالمي جديد يتشكل اليوم في بيئة تاريخية جديدة تتسم بتزايد الميول الموضوعية الرامية الى توظيف المنجزات والفتوحات اللامتناهية لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات ، باتجاه إزالة الحدود والحواجز التي تحول دون حرية الانتقال الفوري لرؤوس الأموال والمنتجات والمعلومات عبر العالم، وتشكيل نظام عالمي متكامل للإنتاج والتبادل والتسويق، وإعادة تنظيم الجغرافيا السياسية بما يؤدي إلى إحلال النشاط الاقتصادي الضخم للكارتيلات عابرة الحدود والقارات محل النشاط الاقتصادي للدول القومية، وما يترتب على ذلك من حاجة النظام الاقتصادي العالمي الجديد لأجندة ليبرالية جديدة تتجه نحو الخصخصة وخفض الإنفاق الحكومي وتحرير التشريعات التي تحول دون حرية التجارة العالمية، الأمر الذي يتطلب تغييراً مماثلاً في مجال إعادة بناء المجال السياسي على المستوى الكوني..   مما له دلالة عميقة أن تتزامن هذه التحولات مع صعود الليبرالية الجديدة التي بدأت في أهم مركزين للثورة الصناعية الثالثة، وهما بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في الثمانينات أثناء فترة حكم مارجريت تاتشر ورونالد ريجان، ما أدى إلى إكتساب الفلسفة الليبرالية الجديدة قوة دفع أكبر بإتجاه إحياء المبادئ الكلاسيكية لإقتصاد السوق وإضفاء بعد كوني عليها بواسطة الاستفادة من دور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في الضغط الفوري على الزمان والمكان.
    الثابت أن هذه التحولات أدت إلى إنتشار رياح التحول من الشمولية إلى الديمقراطية، ومن المبادئ الكينزية التي أفسحت المجال لتدخل الدولة في ضبط وتوجيه آليات السوق، إلى الإفراط في إطلاق ميكانيزمات الحرية لقوى السوق بكل مفاعيلها السياسية والاقتصادية والثقافية على نطاق كوني.
بيد أن طريقة استجابة العالم العربي - واليمن جزء منه- لهذه التحديات كانت تختلف من بلد لأخر تبعاً للبيئة السياسية والثقافية المحلية.. فثمة بلدان عربية تعتمد على الاقتصاد المفتوح مثل السعودية ودول الخليج ابتكرت أشكالاً متفاوتة من الاستجابة لهذه التحديات من خلال إدخال بنى سياسية جديدة إلى هياكل الدولة بهدف توسيع دائرة المشاركة وتنويع النخب العاملة في مجال السياسة بالإضافة إلى تخفيف حدة الشمولية الفكرية والثقافية بواسطة إطلاق بعض ميكانيزمات الحرية الإعلامية التي أخذت مداها عبر إطلاق شبكات تلفزيونية فضائية متطورة وملتزمة بالمعايير العالمية للحرية الإعلامية، وتحويل أسواقها الداخلية إلى مجال مفتوح لإصدارات صحفية سعودية وخليجية ليبرالية في الخارج، بالإضافة إلى توسيع هامش الحرية نسبياً للصحف الصادرة في الداخل.
 أما البلدان العربية الأخرى فيمكن التمييز فيها بين نموذجين من الإستجابة لهذه التحديات.. فقد كان عصياً على بعض الدول العربية إدخال أي إصلاحات تحقق إختراقاً حقيقياً للشمولية وإنتقالاً هادئاً إلى الديمقراطية التعددية في نظمها التي تبنت مشاريع ثورية طوباوية، والتزمت إيديولوجيا شمولية ذات تعالم كلية وصارمة سواء كانت قومية أو طبقية أو دينية مثل سوريا والعراق والشطر الجنوبي من اليمن وسودان الجبهة الإسلامية في عهد الترابي، بينما تمكنت بلدان عربية اخرى من الاستجابة التدريجية لتحديات الديمقراطية بأقل قدر من الضغوط الداخلية والموانع الذاتية مثل الأردن والكويت وموريتانيا والجزائر وتونس ومصر واليمن الشمالي بصرف النظر عن أشكال ومستويات هذه الاستجابة حيث شهدت هذه البلدان في أواخر الثمانينات ميولاً وتوجهات لتوسيع دائرة المشاركة السياسية عبر جرعات متفاوتة من الحريات التي شملت إصدار الصحف وتشكيل الأحزاب وإجراء إنتخابات عامة.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
الحسابات الخاطئة تهدر فرص السلام!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: موجة اغتيالات لتبييض صفحة الإمارات
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الاحداث:شراكة بطعم المحاصصة..!
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةعيد السمو على الصغائر
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
كاتب صحفي/عبدالله الصعفانينبش في برميل "السياسة"..!!
كاتب صحفي/عبدالله الصعفاني
دكتورة/رؤوفة حسنمكاسب نسائية رمضانية
دكتورة/رؤوفة حسن
مشاهدة المزيد