الإثنين 16-09-2019 05:33:21 ص
من عدن الى الوطن
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 11 سنة و 9 أشهر و 9 أيام
الخميس 06 ديسمبر-كانون الأول 2007 08:39 ص
في الثلاثين من نوفمبر الماضي احتفل اليمنيون في الوطن والمهاجر بالعيد الأربعين للإستقلال الذي إحتضنته مدينة عدن الباسلة حيث استحضرت الذاكرة الوطنية لمواطني عدن العديد من المشاهد التي ارتبطات بمحطات تاريخية هامة ترمز الى الكفاح من الحرية والاستقلال والوحدة اليمنية.
في هذا السياق كان يوم الخميس الماضي الموافق للتاسع والعشرين من نوفمبر دافئاً جداً في عدن التي احتضنت أفراح الاحتفال بالعيد الأربعين للاستقلال. ولئن كانت عدن تتميز بشتائها الدافئ الذي يضفي على جمالها بريقاً جاذباً للقلوب الباحثة عن ملاذٍ صافٍ تغسلُ فيه أوجاعها، وتستمد منه طاقات حيوية ومتجددة لحياة أكثر إشراقاً وتجدداً، فإنّ خطاب فخامة الرئيس علي عبدالله صالح الذي ألقاه في المهرجان الشبابي والكرنفالي بمناسبة العيد الأربعين للاستقلال كان أكثر دفئاً من شتاء عدن الدافئ ، الأمر الذي أضفى على ذلك اليوم الدافئ الجميل قدرات إضافية لحياة أكثر إشراقاً وتجدداً.
ما من شك في أن الذين استمعوا إلى خطاب الرئيس على الهواء ، ثمّ طالعوا سطوره في الصحف ، لاحظوا أنها كانت غنيةً بمفردات ذات معان ودلالات عميقة مثل : الحوار، التسامح، الديمقراطية، الانفتاح، رفض العنف والتصفيات الجسدية ، الاهتمام بالإنسان ، المراهنة على الشباب ، الإصرار على إغلاق ملفات الصراعات السياسية والحروب الأهلية السابقة ، إدانة المتاجرة والمزايدة بالشعارات ، التطلع إلى مزيدٍ من التنمية والإنجازات ، وصولاً إلى الاعتراف بمساهمة القيادات السياسية التاريخية في صنع يوم الاستقلال وتكريمهم ومنحهم أوسمة رفيعة تقديراً لأدوارهم الكفاحية الوطنية.
بوسعنا القول إنّ العناوين السابقة التي تميز بها مضمون خطاب الرئيس علي عبدالله صالح بمناسبة العيد الأربعين للاستقلال كانت وحدها تكفي لإضفاء مزيد من الدفء والحيوية على ذلك الصباح الجميل الدافئ ، لكن الرئيس فاجأ كل من استمع إليه باقتحام مناطق غير مألوفة في الخطاب السياسي العربي، عندما دعا تلك القيادات ومعظمها كان من الرؤساء ورؤساء الحكومات إلى العودة، بل والمشاركة في الحياة السياسية سواء من خلال الأحزاب القائمة أو من خلال تشكيل أحزاب جديدة ، وما يترتب على ذلك من استحقاقات تؤهل تلك القيادات لخوض مباريات سياسية تنطوي على مشروعية الوصول إلى السلطة في إطار الآليات الديمقراطية الدستورية.
لعل أبرز ما جاء في هذه المبادرة أنّها لم تكن فقط دعوة مفتوحة - وبلا حدود - للعودة إلى الوطن والتمتع بكافة الحقوق السياسية والمدنية التي يكفلها الدستور للمواطنين بدون تمييز، بل أنّها ارتبطت بالاعتراف بدور هذه القيادات في صنع أمجاد ثورة 14 أكتوبر والاستقلال والوحدة ، وإشهار تكريمها ومنحها أوسمة الوحدة من الدرجة الأولى أمام الملأ.
من المفارقات المدهشة أنّ كل من استمع الى خطاب فخامة الرئيس في ذلك اليوم الدافئ شعر بمزيدٍ من الفرح، لما أضفاه خطابه التاريخي على أفراحهم بعيد الاستقلال المجيد من بريق وتوهج، لكن الرئيس الذي ارتبط اسمه بالأفراح والأعراس الوطنية التي أعادت الاعتبار لتاريخ الثورة اليمنية وأهدافها، لم يخفِ - في ذلك الصباح الدافئ - شعوره بالحزن لغياب تلك القيادات الوطنية التي قال إنّه كان يتمنى وجودها وحضورها إلى جانبه في منصة الاحتفال بالعيد الأربعين للاستقلال .
واللافت للنظر ان يتحول الحزن الذي أبداه فخامة الرئيس علي عبدالله صالح لغياب تلك القيادات الوطنية عن المنصة وعدم وجودها الى جانبه في ذلك اليوم المجيد ، الى مصدر جديد للفرح في عيد عامر بالأفراح، وهو ما يفسر اهتمام المواطنين والمراقبين ووسائل الاعلام المحلية والعربية والعالمية بذلك الخطاب الذي أصبح بحق  وسيظل لفترة طويلة مالئ الدنيا وشاغل الناس .
لا أبالغ حين أقول أن خطاب فخامة الرئيس علي عبدالله صالح الذي ألقاه في عدن بمناسبة الاحتفال بالعيد الأربعين للإستقلال بقدر ما جسّد إيمانه العميق بقيم الوحدة و الديمقراطية من جهة ، بقدر ما جاء  ايضا  تجسيدا حيا ً لعلاقة العضوية بين الممارسة السياسية والثقافة السياسية التي تميز بها دوره القيادي من جهة أخرى .
لقد أسهمت سياسة الرئيس علي عبد الله صالح منذ وصوله إلى الحكم عام 1978 ، ونجاحه بالتعاون مع أشقائه في الجنوب في استعادة الوجه الشرعي للوطن اليمني الواحد عام 1990  في تعظيم مفاعيل العمل الوطني بهدي أهداف ومبادىء الثورة اليمنية، وإعادة الاعتبار لتاريخها وقيمها، وتجديد زخمها من خلال إطفاء بؤرالحروب الأهلية وطي صفحات الصراعات الداخلية ، والحرص على الانفتاح والتسامح والقبول بالآخر، والبحث عن القواسم المشتركة ، والسعي لتغليب قيم الحوار على ما عداها من القيم السياسية السائدة ، الأمر الذي أفسح الطريق لتأسيس ثقافة سياسية جديدة ومتحررة من هيمنة الأيديولوجيا والمصالح الفئوية والتجاذبات والمكايدات السياسية والحزبية .
تميزت هذه الحقبة بإصرار الرئيس علي عبد الله صالح المتواصل على ممارسة تعب البحث عن أجوبة جديدة على الأسئلة التي تطرحها الحياة المعاصرة بكل متغيراتها وتناقضاتها، بعيداً عن الأجوبة الجاهزة والحلول المعلبة. مع الأخذ بعين الإعتبار ان هذه المهمة تبرز على الدوام في الظروف التي تشهد متغيرات عاصفة ومتسارعة، وجراحاً غائرة وعوامل كبح لا يمكن تجاوز آثارها بدون التخلص من قوالب التفكير الجاهزة والجامدة، وطرائق العمل القديمة والمألوفة. فكما أن الظروف تتغير باستمرار ، فإن الحقيقة تظل نسبية وليست نهائية .. والوصول إلى الحقيقة ليس سهلاً ولا بسيطاً ، ولذلك فإن النخب التي تعتقد أن الحقيقة النهائية في أيديها ، ولا ينبغي التعب من أجل البحث عنها يومياً ، بل يكفي تناولها من الملفات الجاهزة أو تقارير الأجهزة اوالكتب القديمة أو الوثائق الحزبية أو الشعارات الشعبوية ، ان النخب التي تعتقد بذلك ، لا شك في أنها تخاطر بفقدان مقدرتها على التجدد والإستمرارية والعطاء ، وتغامر بضياع مستقبلها السياسي وبعدم قدرتها على أن تكون طليعة سياسية في المجتمع .
ولأنه ليس كذلك فإن الرئيس على عبد الله صالح تصرف طوال حقبة إدارته لشؤون الحكم على نحو بدا فيه مسكوناً بهموم البحث المستمر عن الحقيقة ، ومحاولة إعادة اكتشاف واقع بحاجة مستمرة إلى المزيد من الكشف.
بهذا السلوك أسهم الرئيس علي عبد الله صالح بقسطه في تأسيس ثقافة سياسية جديدة ، يستحيل بدونها معافاة جراح الصراعات السياسية ومخلفات الحروب الأهلية السابقة - وآخرها حرب صيف 1994م - وصولا الى صياغة مشروع وطني للتغيير يجسد روح وأهداف الثورة اليمنية ، ويتجاوز رواسب المشاريع القديمة التي تميزت بالإفراط في افتراض تمثيل الحقيقة ، والاستغراق في اجترار ثقافة الإلغاء والإقصاء التي كانت على الدوام نقيضاً للحرية وصنواً للاستبداد وعدواً للمعرفة ، بعد ان أفرطت في فرض وصايتها على العقل والحقيقة من خلال إضفاء القداسة على الإيديولوجيا السياسية بمختلف طبعاتها الدينية والطبقية والقومية على حد سواء .
ما من شك في أن التيارات السياسية والفكرية في اليمن تكاد أن تكون امتداداً لتيارات مماثلة لها في الساحة العربية التي شهدت تجارب مأزومة ومشوهة أفرزتها المشاريع القديمة بعد ان طبقت على الصعيدين النظري والعملي أفكاراً وشعارات قومية واشتراكية و إسلامية .. والحال ان المشاريع القديمة التي نقصدها كانت قد وصلت الى سدة الحكم في بعض البلدان العربية بوسائل إنقلابية أساسها الاعتماد على عنصر القوة ثم خسرت في نهاية المطاف وهجها وبريقها .
لم تتوقف الآثار السلبية لتلك التجارب الخاسرة على اضعاف حيوية المجتمع العربي وتهميش قواه الحية ، بل إمتدت لتصيب بدائها العضال مختلف النخب الحاكمة في تلك البلدان التي نكبت بتجارب شمولية فاشلة ، وعجزت عن تقديم نموذج قابل للإستمرار والتجدد ، فيما إنتهت الى إفلاس سياسي وفكري وثقافي تكونت على تربته الهشة أزمات وإنهيارات مدوية ، مقابل بروز مخاطر وتحديات داخلية وخارجية قوية ، لا يمكن مواجهتها بدون إمتلاك مشروع جديد للتغيير يقوم بالدرجة الاولى على قاعدة تحرير السياسة من ثقافة الاستبداد والإلغاء والادعاء باحتكار الحقيقة ، وهو ما يمكن ملاحظته بكل وضوح في مضامين خطاب الرئيس علي عبدالله صالح الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، منذ ذلك اليوم المجيد الذي أطلق فيه مبادرة تاريخية جديدة من عدن الى الوطن .
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
فريق المصالحة.. رهان الانتصار
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: نزعة إماراتية جنونية لنصرة الصهيونية
عبدالسلام التويتي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرالمصير المشترك
كلمة 26 سبتمبر
عيد المجد والشموخ
سلطان صالح الباكري
يحيى علي نوريدعوة الرئيس
يحيى علي نوري
مشاهدة المزيد