الجمعة 13-12-2019 20:14:06 م
هناك فرق.. بل فروق
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 10 سنوات و 7 أشهر و 6 أيام
الخميس 07 مايو 2009 09:20 ص
يستغرب المرء مما يقوم به الانفصاليون الجدد من تصرفات قد تعرضهم ووطنهم الى اساءة واضرار لامبرر لها على الاطلاق، فمن غير المعقول ان يدعو او يشجع او يمارس اي يمني التصفية العرقية على اخوانه اليمنيين في اي ظرف من الظروف بل من غير المعقول ان يتسامح اي انسان مع أية تصفيات عرقية
 لأي انسان آخر فذلك عمل مشين لايقبله أي انسان عاقل مهما بلغ الخلاف بين الطرفين فالتاريخ لم يسجل البتة حدوث تصفية عرقية بين عرقية واحدة لأن ذلك ببساطة هو ان يصفي الفرد عرقه اي نفسه.
فما الذي دهى هؤلاء للتخطيط والترويج لاحداث تصفية عرقية ليمنيين من قبل يمنيين آخرين؟
إن الاجابة على هذا التساؤل صعبة للغاية ذلك ان الاجابة السريعة -على ذلك هو الجنون لكن هذه الاجابة ليست مقنعة لي، فالمجنون لايخطط ولا يكذب ولا يضلل ولا يخادع انه يقوم بما يخيل اليه عقله المختل انه الصواب بشكل ظاهر وجلي وبطريقة عفوية، ولذلك فإن هذه التصرفات لايستسيغها ولا ينخدع بها أي عاقل، قد يتعاطف البعض مع من فقد عقله لكن لا أحد عاقل يبرر افعال المجانين ولا يساعدهم على تنفيذ ماينوون القيام به لأن من يفعل ذلك هو في الحقيقة لا يقل جنوناً عنهم.
وعلى الرغم من ذلك ومن المفارقات الغريبة والعجيبة هناك قيادات سياسية تدعى انها تمثل احزاباً تاريخية كبيرة وانها قد تمرست في الحياة السياسية لفترة طويلة تتعاطف مع الانفصاليين الجدد وتسعى جاهدة لتوفير المبررات لافعالهم، فإذا كان الاختلاف السياسي بين هؤلاء وبين الحكومة قد دفعهم الى التغاضي عن هذه التصرفات الطائشة فإن حقد هؤلاء على الوطن بما فيه هذه الاحزاب كان ينبغي ان لايعميهم عن ادراك الاضرار المترتبة عن ذلك.
إن الاجابة على هذا التساؤل الثاني اكثر صعوبة من الاجابة على التساؤل الاول، ولذلك فقد يكون من المناسب تأجيل مناقشة ذلك الى مقال قادم باذن الله تعالى.
في هذا المقال سيتم مناقشة الاجابة على التساؤل الاول حيث انني اعتقد ان مايجري في امريكا اللاتينية من صعود بعض التيارات الاشتراكية الى السلطلة قد اغرى الانفصاليين الجدد للقيام باثارة الفتن بهدف العودة الى السلطة من جديد، فالعلاقة الفكرية بين الطرفين لاينكرها احد فمرجعية الطرفين واحدة ألا وهي الأفكار والكتابات الاشتراكية بكل تنوعاتها وتفرعاتها، ولاشك ان مايجمع بين هذه الافكار المتنوعة هو شغف اتباعها بالعنف وتطلعاتها لما في ايدي الآخرين.
صحيح ان الحركات الاشتراكية التي وجدت قبل ماركس كانت حركات تؤمن بالعنف وتكره الدولة ايا كان نوعها ملكية او وراثية ديمقرطية او ديكتاتورية، ولكن الافكار الماركسية قد زادت هذه الحركات تعطشاً للعنف، فالحركات الاشتراكية بشكل عام تكره الغنى والمتميزين، لقد نجح ماركس بكل تأكيد في ايجاد دليل نظري للعنف ويتمثل ذلك في تميزه بين الطبقة العاملة وطبقة الاغنياء، وهذا التمايز من وجهة نظره له نتيجة حتمية وهي الصراع العنيف بين الطبقتين، ولذلك فإن على الطبقة العاملة ان تعمل وبأسرع وقت وبصرامة لا تلين على تصفية طبقة الأغنياء حتى ولو كانوا اباءهم او ابناءهم.
ولسوء الحظ فإن العديد من مختلي العقول قد صدقوا ذلك، وهو مايفسر مافعله «ستالين» بشعبه عندما مارس التصفية الطبقية، وقتل اكثر من 02 مليوناً روسياً اعظمهم من العلماء والضباط والمثقفين والمتعلمين.
وعلى الرغم من الخلاف الجوهري بين الاشتراكية الصينية والاشتراكية السوفيتية الا ان التجربتين تتشابهان فيما يخص التصفية الطبقية، فالتاريخ يشهد بان ضحايا ماأطلق عليه في الصين الثورية بالفقرة الكبرى وبالثورة الثقافية قد فاق مايقرب من 04 مليوناً صينياً.
وما من دولة حكمها الاشتراكيون الا وكان لها نصيبها من التصفية التطبيقية بما في ذلك ماكان يطلق عليها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ان هذه الخلفية التاريخية ربما توضح العلاقة بين مايحاول الانفصاليون الجدد القيام به في اليمن.
ولذا اقول لهم ان مايجري في امريكا اللاتينية مختلف كلياً عما يحاول هؤلاء القيام به في اليمن، صحيح ان العديد من القوى السياسية المحسوبة على التوجهات الاشتراكية قد وصلت الى السلطة في كل من فنزويلا والعديد من دول امريكا اللاتينية ولكنها حققت ذلك بواسطة الوسائل الديمقراطية، ولذلك فان على الانفصاليين الجدد في اليمن اعادة قراءة تجربة اشتراكيي امريكا اللاتينية بطريقة مختلفة وفي هذه الحالة فانهم سيدركون بأن وصول الرفاق الى السلطة في امريكا اللاتينية لايعني البتة امكانية وصولهم الى السلطة في اليمن من جديد.
{ الجري وراء الأوهام لن يقود إلاّ إلى الوقوع في الهاويةاقول لهؤلاء ان هناك العديد من العوامل الموضوعية التي تمنعكم من العودة الى السلطة في اليمن، وعليكم ان تدركوا ان الوصول غير العودة فعلى الرغم من التشابه بين اللفظين الا ان هناك فرقاً كبيراً بينهما بل ان هناك فروقاً كثيرة فالواصل الى السلطة هو جديد على المسرح السياسي وبالتالي فانه غير معروف ومن ثم فانه قد ينجح في اخفاء حقيقة امره مما يمكنه من خداع الناس حتى لو لوقت من الزمن، اما العائد الى السلطة فله تاريخ وبالتالي فإنه لايستطيع اخفاء حقيقة امره فتجاربه السابقة قد اوضحت حقيقة امره، وبالتالي فإنها ستدحض كل ادعاءاته، ولذلك فإنه يستحيل عليه ان يخدع الناس حتى ولو اختفى وراء اقنعة جديدة، وكما يقول المثل «من يجرب المجرب الا من كان عقله مخرب»، صحيح قد يوجد في اليمن من لايزال عقله مخرباً ولكنهم قلة قليلة.
ان على الانفصاليين الجدد ان يدركوا ان تجربة امريكا اللاتينية تختلف عن تجربة اليمن من حيث الزمن والمكان والاسلوب، فمن حيث الزمن فانه قد حدث العديد من التغيرات منذ ان نجح اشتراكيو اليمن في الوصول الى السلطة الى الوقت الحاضر، فعندما استولى اشتراكيو اليمن على السلطة كانت المحافظات الجنوبية والشرقية خاضعة للاحتلال وفي ذلك الوقت لم يكونوا معروفين ولذلك قد تمكنوا من خداع الناس وكسب تعاطفهم معهم تحت غطاء محاربة الاحتلال، وعلى الرغم من ان هؤلاء قد خانوا القضية اليمنية في وقت مبكر وتآمروا مع المحتل الذين ادعوا انهم يقاتلونه الا ان امرهم لم ينكشف مما مكنهم من خداع قطاعات من الشعب اليمني تحت تأثير عملية الدعاية التي يتقنها الرفاق الاشتراكيون.
وعندما ادركت القوى الفاعلة في المحافظات الجنوبية حقيقة مايقوم به هؤلاء كان الوقت متأخراً جداً، فقد تمكن اشتراكيو اليمن من الامساك بمفاصل السلطة وتمكنوا من امتلاك وسائل القمع الوحشية، عندئذ رفع هؤلاء عن وجوههم الاقنعة التي اختفوا وراءها، وقد ساعدهم في ذلك الدعم السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي الذي حصلوا عليه من الرفاق في المعسكر الاشتراكي.
{ الانفصاليون الجدد لا يؤمنون بالتداول السلمي للسلطة والانتخابات.. والدليل على ذلك تركيزهم على نشر ثقافة الكراهية والحقد والعنف المسلحإذاً فالامر جد مختلف في الوقت الحاضر فلا وجود الآن للاحتلال البريطاني ولا للمعسكر الاشتراكي بل ان بريطانيا والعالم كله هو مع الوحدة وضد تصرفات الانفصاليين، ولا تستطيع ان تقوم اليوم بنفس الدور الذي كان يقوم به الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه في ذلك الوقت.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن زمن التصفيات العرقية والطبقية التي مكنت اشتراكيي اليمن من ارهاب الشعب قد انتهت والى غير رجعة، وبالتالي فإن القلة القليلة من الانفصاليين الجدد لن تستطيع ان تفرض اجندتها على غالبية الشعب عن طريق الارهاب والقتل سواء تحت غطاء التحرير او الاستقالة او اي شيء آخر.
ان على الانفصاليين الجدد الا ينخدعوا ايضاً بما حصل من تطورات على المستوى العالمي، وخصوصاً فيما يتعلق في فرض المجتمع العالمي احترام حقوق الانسان على مستوى العالم، فإذا كان العالم يقف ضد عنف الحكومات ضد مواطنيها فإنه لايمكن ان يقف مع اي عصابة تروع مواطنيها، ومن ثم فإنه اذا كان اشتراكيو اليمن يراهنون على المجتمع الدولي فإن عليهم ان يدركوا انه على العكس من ذلك فان العالم سيفشل مساعيهم الخبيثة، وعليهم ان يدركوا انه لن يكون هناك اي تدخل دولي من اي نوع من الأنواع، فدولة الوحدة تقوم على التعددية والانتخابات ومن ثم فإنه بامكان هؤلاء ان يلجأوا الى صناديق الانتخابات بهدف الوصول الى السلطة وتحقيق برنامجهم، صحيح ان صناديق الانتخابات لايمكن ان توصلهم الى السلطة لا لشيء آخر وانما لانهم يهددون بالقيام بالتصفية العرقية ضد ابناء الوطن الواحد، وذلك لايرجع الى قصور في دور صناديق الانتخابات ولكنه يرجع الى قصور في هذه الممارسات.
اما من ناحية المكان فان القاصي والداني يعلم ان الجزيرة العربية هي مهد الاسلام وبالتالي فانها لايمكن ان تحتضن اي افكار وتوجهات لاتنسجم مع ذلك، والدليل على ذلك ان النظام الاشتراكي الذي قام سابقاً في المحافظات الجنوبية والشرقية من الوطن لم يستطع الاندماج مع البيئة الدينية هذه، فظل محاصراً من قبل كل انظمة المنطقة.
ولذلك عليهم ان يدركوا ان النجاح الذي حققوه في اقامة ذلك النظام كان بسبب التضليل وبسبب الظروف التي كانت سائدة في المنطقة في ذلك الوقت، اذ انه لم يكن احد في المنطقة يدرك حقيقة القادة الجدد ولا حقيقة ما يخططون لاقامته، فلو كانوا يعلمون ان هؤلاء يخططون لاقامة نظام شيوعي في المنطقة فانهم كانوا سيمنعونهم من ذلك بكل الوسائل الممكنة، فقد كان قادة النظام الجديد يصنفون انفسهم بأنهم قوميون عرب، وفي مرحلة لاحقة اعلنوا عن حقيقة توجهاتهم، ولوكانوا اعلنوا عن ذلك من قبل لما تمكنوا من النجاح.
هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان ظروف اليمن الشمالي في ذلك الوقت كانت حرجة للغاية مما جعلها تقبل على مضض قيام دولة مستقلة في تلك المحافظات وبالمثل فإن النظام العربي كان في حالة انهيار كامل عقب نكسة السادس من يونيو مما سهل لهؤلاء الحصول على الاعتراف بهم في الجامعة العربية وخصوصاً بعد تجربة العالم العربي مع الثورة في الشمال، لكن الاوضاع الحالية تختلف تماماً عما كان سائداً آنذاك، ولذلك فإن النظام العربي الحالي لن يقبل بقيام نظام اشتراكي جديد في جزيرة العرب.
ولنفس الأسباب فان النظام العالمي لن يقبل بقيام اي نظام متطرف سواء كان يقوم على الافكار الاشتراكية او الافكار الاسلامية المتطرفة، وذلك لعدد من الأسباب، ومن أهمها قرب هذه المنطقة من المناطق التي تزود العالم باكبر جزء من احتياجاته من الطاقة، ولما يمثله حدوث اية اضطرابات في المنطقة من خلق مناخ مناسب لنمو الارهاب وبالتالي زيادة مايمثله من تهديد للأمن والسلم الدولي.
واخيراً فإن اسلوب وصول التوجهات الاشتراكية للحكم في بعض دول امريكا اللاتينية هو ايمان هؤلاء بالديمقراطية وبالتالي مشاركتهم الفعالة في الانتخابات، ولاشك ان الانفصاليين الجدد في اليمن لا يؤمنون بالتداول السلمي للسلطة ولا بالانتخابات والدليل على ذلك تركيزهم على نشر ثقافة الكراهية والحقد والعنف المسلح.
واذا كان الأمر على هذا النحو فإن على هؤلاء ان يراجعوا حساباتهم وان يستجيبوا لدعوة الحوار التي اطلقها فخامة الاخ الرئيس علي عبدالله صالح ومالم يفعلوا ذلك فما عليهم إلا ان يلوموا انفسهم، فالجري وراء الاوهام لن يقود إلا الى الوقوع في الهاوية، وهناك فرق كبير بين الهاوية والسلامة.