الثلاثاء 12-11-2019 07:12:58 ص
ولتكن منكم أمة
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 10 سنوات و شهرين و 12 يوماً
السبت 29 أغسطس-آب 2009 11:58 ص


،، إن أخطر ما يواجه اليمن ليس الفقر ولا الحرب ولا الاضطرابات ولا الخلافات الحادة بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، وإنما انشغال نخبة السياسية في قضايا هامشية وتجاهل القضايا الأساسية، فما هذه إلا مظاهر لأعراض وليست أمراضاً حقيقية، فالعديد من الدول عانت من هذه الأعراض ولكنها تمكنت بجهود أبنائها المخلصين من التخلص منها، أي الأمة التي تدعو إلى الخير.
إن أخطر ما يواجه اليمني هو تجاهل النخب السياسية المصلحة العامة والتركيز فقط على مصالحهم الخاصة وبدون قيود أو حدود، ومن البديهي أن لا يستقر ويتطور أي مجتمع من المجتمعات ما لم تتصرف نخبه السياسية وفقاً لتوزان معقول بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة لها، إذ أن طغيان إحداهما على الأخرى يؤدي بدون شك إلى تفكك المجتمع وتحلله، فانشغال كل طرف من أطراف العملية السياسية بمصالحه فقط يعمل على تغييب المصلحة العامة لعدم وجود من يحميها أو يحافظ عليها.
هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإن اندفاع الأطراف الساسية وراء مصالحهم الخاصة ومن دون أي اعتبار للمصلحة العامة يؤدي إلى الكذب والتضليل والخداع والخيانة والانتهازية، ولا شك أنه يترتب على ممارسات كهذه غياب كامل لكل ما يوحد بينها ويعمل كذلك على توفير البيئة المناسبة لظهور كل ما يفرق بينهم.
ومن الواضح أن انتشار مثل هذه الممارسات في أي مجتمع من المجتمعات يجمده أو يقضي عليه، يقول الله تعالى في سورة المائدة: «يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ü سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين».. صدق الله العظيم.
إذ أنه يرتب على الكذب والتضليل فقدان الحوار لأي معنى، فما يطرح على طاولته قد لا يعبر عن حقيقة ما يدور في رؤوس المتحاورين وبالتالي يصبح الوصول إلى اتفاق بين أطراف العملية السياسية أشبه ما يكون بالمستحيل، والحالات القليلة التي يتم الوصول فيها إلى اتفاق فإن ذلك يفقد أي قيمة له لأن الظروف تكون قد تجاوزته لطول وقته، وفي هذه الحالة فإن ما يهم البدء بالتحاور ما تم الاتفاق عليه وإنما موضوعات وقضايا جديدة قد تكون لا تمت بأي صلة للقضايا والموضوعات التي تم التحاور عليها والاتفاق وحولها، ولا شك أنه يترتب على ذلك البدء بالتحاور من جديد، وهكذا تدخل العلاقة بين الأطراف السياسية في حلقة مفرغة، ولا أبالغ إذا قلت بأن العلاقة بين الأطراف السياسية في اليمن ولجت هذا النفق.
وكذلك فإنه يترتب على الخداع معنى لتغليظ يفقد أي اتفاق بين الأطراف السياسية التي تتعامل مع بعضها بهذه الطريقة معناه، وفي هذه الحالة فإنه لن يكون معنى لتغليظ الإيمان ومهر التوقيعات واحتشاد الشهود، ولا شك أنه يترتب على ذلك أن ينتج على الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين الأطراف السياسية أي تغير أو أي تفاؤل.
وأيضاً فإنه يترتب على شيوع ممارسة الانتهازية بين أطراف العمل السياسي سيطرة الشك على تعاملاتهم في ما بينهم، في هذه الحالة فإن مبادرة أي طرف بحسن نيته من خلال الالتزام بما تم الاتفاق عليه والوفاء بالالتزامات المترتبة عليه جراء ذلك لا يولد الثقة المطلوبة لاحتمال تغير سلوكه عندما لا يكون له مصلحة في ذلك، ولا يشك أحد بأهمية الثقة بين أطراف العمل السياسي.
إن كسر هذه الحلقة من الشك المتبادل يكمن في الاتفاق حدود متطلبات المصلحة عامة، أن ذلك يمثل الضمانة الوحيدة لتجنب إقصاء أي طرف من أطراف العمل السياسي بشكل كامل، فالمصلحة العامة هي للكل، وبالتالي فإنها لا تخص طرفاً دون طرف، وعلى هذا الأساس فإن المنافسة السياسية أياً كان نوعها لن تفضي لتحقيق المصالح الخاصة للطرف المنتصر ولا شيء من المصالح الخاصة للطرف المنهزم، فالطرف المنتصر سيظل ملزما بتحقيق المصلحة العامة والتي سيستفيد منها الطرف المنهزم بنفس القدر الذي سيستفيد هو منها.
في هذه الحالة يتحول المجتمع إلى مجتمع خير لجميع أفراده، يقول الله تعالى في سورة آل عمران: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثر الفاسقون».
فالمجتمع الخير تكون فيه تكتيكات الصراع ين الفرقاء السياسيين منضبطة لأن لها حدوداً متفق عليها، وفي هذه الحالة إن عدم التزام أطراف العمل السياسي بذلك سيضر بالجميع، ولا شك أن أمراً كهذا سيعمل على الحد من الكذب والتضليل والخداع والخيانة والانتهازية، ولا شك أن ذلك سيعمل على إيجاد قواسم مشتركة بين جميع الفرقاء مهما كانت حدة خلافاتهم.
ولا شك أن ذلك سيجعل كل الفرقاء في المجتمع يشعرون بالأخوة والمصير المشترك والمصالح المتبادلة، وفي هذه الحالة فإن النقاشات والعلاقات المتبادلة لن تتمحور حول ما يتم الاختلاف عليه وإنما ستشمل بالضرورة ما يتم الاتفاق عليه.
وسيكون المجتمع في هذه الحالة قادراً على الإنجاز والتطور، فالاختلاف على بعض الموضوعات سوف لن يلهي أطراف العمل السياسي عن العمل معاً في إنجاز ما تم الاتفاق عليه، ومن ثم فإنه لن يترتب على وجود أي خلافات السياسية مهما كانت حدتها أزمات من أي نوع.
يجب أن يعترف اليمنيون بأن ما تعانيه اليمن من اختلالات هو بسبب فخ المصالح الخاصة، فما يعانيه اليمن من فقر وحروب واضطراب وغير ذلك من المشاكل هو بسبب ذلك، وتبعاً لذلك فإن الخروج من هذا النفق لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم تحجيم بعض هذه المصالح الخاصة بهدف توسيع نطاق المصلحة العامة، إن ذلك يحتم العمل بما جاء في قوله تعالى في سورة فصلت «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ü ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذابً عظيم».. صدق الله العظيم.
ولذلك فإنه يجب أن يتمحور أي حوار بين الأحزاب السياسية حول ذلك، وبدون ذلك فإن عليهم أن يدركوا أنهم لن يصلوا إلى أي اتفاق، فمهما حصل أي طرف من الأطراف على مصالح خاصة نتيجة لممارسته أي ضغوط سياسية سيقوده إلى طلب المزيد ولن يتوقف عن ممارسة ضغوطه إلا صادر المصالح الخاصة لمنافسه السياسي، ومن الواضح أن الطرف المنافس لن يقبل ذلك لأنه هو يسعى للاستحواذ على كل شيء من خلال ممارسات نفس الضغوط السياسية التي مورست عليه ضد خصمه، فقط التحاور على المصلحة العامة سيفضي إلى اتفاق لأنها ببساطة مصلحة للجميع.
إن تحقيق ذلك لا يتطلب موافقة جميع القوى السياسية على ذلك وإن كان ذلك أفضل، فيمكن الوصول إلى نفس النتيجة إذا بادرت بعض القوى السياسية المصلحة العامة كأساس للحوار حتى إذا لم يقبل بعض أطراف الحوار السياسي بذلك، إني أجزم أن ذلك سيجبر من يرفضون ذلك على الانضمام إلى هذه العملية ولو بعد حين، لأنهم سيدركون أنهم إذا لم يقوموا بذلك فسوف ينبذون من الحياة السياسية، وفي هذه الحالة فإنهم سيفهمون معنى قوله تعالى في سورة فصلت «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم».. صدق الله العظيم.
لتشجيع القوى السياسية في اليمن على ذلك فإن على اليمنيين أن يضغطوا في سبيل تحقيق ذلك بكل السبل السلمية الممكنة، ومن أجل النجاح في ذلك فإنه ينبغي لمن يتصدى لهذه المهمة أن يحرص كل الحرص على أن يتقي الله حق تقاته فيكون هدفه إصلاح ذات البين لا استغلال الوضع لصالحه.
في هذه الحالة فقط سيكون للدعوة إلى الاعتصام بحبل الله جميعاً وعدم التفرق والاعتراف بالمصالح المشروعة للجميع وعلى رأسها ما يمثل مصلحة عامة الاستجابة المطلوبة، وقد يكون من الأفضل لمن يتصدى لهذه المهمة في اليمن أن يتحلى بكل أو بعض الصفات التي ذكرها الله تعالى في سورة فصلت: «ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ü ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ü وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم».. صدق الله العظيم.
إنني أعتقد أن تحقيق ذلك ممكن لأن اليمن لا زال فيه الكثير ممن يتحلون بكل هذه الصفات أو على الأقل ببعضها، ولذلك فإني أسأل الله تعالى أن يوفق كل من يحب اليمن للعمل نحو تحقيق كل ما فيه مصلحة اليمنيين كل اليمنيين.


عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: في ذكرى مولد خير الورى
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ ناصر الخذري
اتفاق الرياض .. وساطة أم حصان طروادة
كاتب/ ناصر الخذري
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
د. إبراهيم سنجاب
ثورة البركان النائم (2)
د. إبراهيم سنجاب
مقالات
محمد حسين العيدروسبتلاحمنا الشعبي ننتصر
محمد حسين العيدروس
كاتب/عبد العزيز الهياجمدولة.. لا فوضى
كاتب/عبد العزيز الهياجم
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةأحزاب العقل المعطَّل
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةاصطفاف في وجه التمرد
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالفتنة الملعونة
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
بروفيسور/سيف مهيوب العسليلماذا لا يكون رمضان شهراً للعلم ايضا؟
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
مشاهدة المزيد