الإثنين 20-05-2019 15:53:26 م
مفهوم الحكم الصالح!
بقلم/ كاتب صحفي/يحيى عبدالرقيب الجبيحي
نشر منذ: 14 سنة و 6 أشهر و 5 أيام
الخميس 11 نوفمبر-تشرين الثاني 2004 09:52 م
مفهوم الحكم الصالح في الإسلام كما جاء في بعض الكتب المعنية بهذا الأمر والمستنبطة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة..
يقوم على أسس عديدة.. أهمها بكل إيجاز.. مع التصرف بالنقل دون الاخلال بالمعنى تتمثل بالأسس الثلاثة الآتية:
1ـ أهمية تحديد علاقة القوة الحاكمة بالامة المحكومة.. وذلك من خلال الصلة المستمرة مع الشعب وادارة شؤون الدولة بالمشورة.. ومسؤولية رجل الدولة امام الأمة!
2ـ جباية الاموال العامة.. ثم صرفها في شؤون الدولة والأمة.. وعدم الخلط في هذا الجانب بين المصلحة العامة والخاصة!ü
3ـ أن يتحلى رجل الدولة.. بالرجولة، والشجاعة، والعدل، والقدرة.. وبكل الصفات والمؤهلات الاسلامية الخاصة برجل الدولة الأول.
ـ أما مفهوم الحكم الصالح في العصر الحديث، وبحسب مؤسسات الأمم المتحدة المعنية.. كما جاء في العدد الاخير من مجلة:(المستقبل العربي).. والذي لا يخرج عن جوهر المفهوم الاسلامي في هذا الجانب.. فإنه يتمثل في الاسس الثلاثة التالية.. بكل إيجاز:
1ـ البعد السياسي.. الخاص بالسلطة السياسية وشرعيتها..
2ـ البعد التقني.. المتعلق بعمل الادارة العامة وكفاءتها وفعاليتها..
3ـ البعد الاقتصادي والاجتماعي.. المتعلق بطبيعة بنية المجتمع ومدى حيويته واستقلاله عن الدولة.
ـ فهذه الاسس الثلاثة مترابطة مع بعضها البعض.
إذ لا يمكن وجود ادارة ناجحة وفاعلة دون استقلالها عن النفوذ السياسي.. ولا يمكن وجود ادارة سياسية ناجحة دون وجود ادارة فاعلة!. كما لا يمكن نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية إلا بالمشاركة الفاعلة.. ووجود الشفافية.
ـ فالحكم الصالح حسب هذين المفهومين.. هو الذي يتضمن حكم ديمقراطي فاعل.. يستند إلى المشاركة والمحاسبة والشفافية.. وهو يعتمد على تكامل عمل الدولة ومؤسساتها.. وعلى القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.. وتسليم امور تسيير الدولة الى كوادر ادارية ملتزمة وكفؤة.. والحرص على تحسين حياة الشعب المعيشية ورفاهيته.. وتقدمه بشتى الميادين.. واستقلال الادارة العامة عن نفوذ السياسيين.. ثم.. قبل وبعد ذلك كله.. ضرورة الفصل بين المصالح الخاصة والعامة.. وبين المال الخاص والعام!
ـ هذا هو مفهوم الحكم الصالح بكل إيجاز.. فما هي مناسبة ذكره هنا؟!!
ـ لقد فجع العالم العربي والاسلامي مع بداية النصف الثاني من شهر رمضان المبارك.. بوفاة أهم شخصيتين بارزتين إحداهما قامت ببناء الدولة واعمارها أرضاً وإنساناً.. والأخرى قامت بما حباها الله من علم ببناء النفوس والوجدان..
ـ الأولى.. تتمثل بشخصية فريدة في عالم قيادات وزعامات اليوم!.
إنه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.. الذي فارقنا يوم الإثنين الثامن عشر من شهر رمضان المبارك بعد حياة حافلة بالعطاء.. لأسرته الصغيرة ممثلة بشعب دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة ولأسرته الكبيرة ممثلة بالشعوب العربية والاسلامية.
فدولة الإمارات العربية المتحدة.. مُدينة للشيخ زايد.. بما وصلت اليه اليوم.
ـ لقد تسلم قيادة أبو ظبي عام 1966م خلفاً لشقيقة شحبوط الذي لم يسمح ببناء مدارس ولا مستشفيات.. فضلاً عما عداهما!
وحينما الح عليه من حوله.. وافق بمرارة على فتح مدرسة إبتدائية عام 1962م..
فكان أول عمل مؤسسي قام به الشيخ زايد.. هو انشاء مجلس للتخطيط برئاسته وذلك بشهر مارس عام 1968م.. ثم وضع أول خطة خمسية تنموية بين الأعوام 1968 ـ 1972م.. ركزت على التعليم والصحة بالذات..
ـ وفي الثاني من شهر ديسمبر عام 1971م وبعد جهود حثيثة وخطوات جادة قام بها الشيخ زايد نفسه.. تم الاعلان رسمياً عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.. ليصبح الإتحاد لدى الاماراتيين رديفاً للوطن بأكمله!.
ـ ومنذ الثاني من ديسمبر عام 1971م وحتى الأول من نوفمبر عام 2004م.. طبق الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مفهوم الحكم الصالح على الواقع المعاش!.
ـ نقل الحكم من نظام قبلي ـ عرفي إلى نظام دستوري.
ـ نقل الإمارات من البدايات المتواضعة جداً.. إلى نموذج فريد.. وكيان ينطلق من عقيدة الاسلام.. وبروح منفتحة تتواكب مع العصر.
ـ حول الإمارات جلها من صحراء ـ جرداء ورمال متحركة ـ إلى حدائق وواحات خضراء.
ـ بنى المؤسسات واستفاد من الإدارة الحديثة وتكنولوجيا العصر.
ـ بنى الثقة مع شعبه نصحاً ومشورة.. مما ساهم في بناء دولة عصرية حقا.
ـ ولأنه يرحمه الله كان يردد القول: «لا قيمة للمال اذا لم يسخر لخدمة الشعب».. وإنطلاقاً من مقولة ابن خلدون في (مقدمته) المعروفة «إن المال تابع للجاه والسلطة وليس العكس!» فقد اجتمعت بالشيخ زايد بن سلطان الحكمة مع المال مع البساطة المتناهية.. لتكون النتيجة هذه الدولة النموذجية.
ـ تعامل مع شعبه بحنان الأبوة وعاطفتها ومع أرضه بالمرونة والعصرنة.
ـ تمثل حكمه بقمة التواصل بين الحاكم والمحكوم.. مما جعل الكل معنياً به دون استثناء.
ـ فارق وطنه.. بعد أن تركه مزدهراً عرضاً وجوهراً.. كما فارق شعبه بعد أن تركه آمناً مستقراً.. وليصبح المواطن الإماراتي معروفاً لدى الشرق والغرب مع صلته الوثيقة بقيمه ومعتقداته وأصالته.
ـ كان ـ يرحمه الله ـ صريحاً دون مزايدة.. يحمل قلباً نظيفاً.. وعقلاً رصيناً ونفساً زكية.. وتوجهاً قومياً صادقاً.
ـ تعامل مع الخارج بأريحية وأعتدال.. ومع العرب بحقوق الاخوة ومتطلباته.. فأنشاء ـ يرحمه الله ـ بشهر اكتوبر من عام 1971م (صندوق أبو ظبي للتنمية الاقتصادية) لهدف مد يد العون للدولة العربية ومساعدتها اقتصادياً وتنموياً.
ـ جعل الإمارات بمثابة المكان الآمن ليس فقط لمن يرغب بالعمل وتحسين أوضاعه الخاصة والعائلية.. وانما ايضاً لطالبي اللجوء السياسي وللهاربين من بطش حكوماتهم!.. ليجتمع بحمايته من أقصى اليمني إلى أقصى اليسار وما بينهما العديد من القيادات التي كانت كذلك في أوطانها! عربياً ثم إسلامياً بل ودولياً حتى غدا كل واحد من أمثال هؤلاء يفكر بالملاذ الآمن في وطن الشيخ زايد.. لأنه سيجد كما وجد من قبله ترحيباً وتقبلاً وإستجابه دون من ولا أذى!.
ـ كان مشهد وفاته بسيطاً كصاحبه.. رغم وجود تلك الوجوه من القادة العرب وبالذات الذين يأمل أمثالي أن يكتشفوا سر تفاعل الشعب الإماراتي والشعوب العربية والإسلامية مع وفاة الزعيم الخالد ـ زايد بن سلطان ـ يتساءلون مع انفسهم كم هم القادة المتفاعلة معهم شعوبهم حقاً؟!
ـ ويكفي انصراف غالبية الشعوب العربية والاسلامية عن متابعة (الانتخابات الامريكية) رغم أهمية نتائجها عليها.. إلى متابعة خبر وفاة هذه الشخصية الإستثنائية.. وانصراف معظم القنوات الفضائية التي لم تفكر بروحانية شهر رمضان المبارك إلى قراءة القرآن الكريم على روح هذا الرجل الذي جسَّد بحكمه وما قام به في سبيل وطنه وأمته.. مفهوم الحكم الصالح بحق وحقيقة.. وما هي عليه اليوم دولة الإمارات.. إلا تأكيد لهذا المفهوم.. رحمه الله رحمة الأبرار.. فكم من يوم بل من ساعة بل من دقيقة يتواجد بها الموت أمامنا. لكننا ننصرف عنه دون اعتبار.. إلا حينما يموت أمثال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.. الذي مهما قيلت فيه من كلمات الرثاء فلن تعطيه حقه.. لانه فوق الكلمات ولأنه أولاً وأخيراً.. كان رجلاً في أمة.. وأمة في رجل.. وكفى!..
«ولمثل هذا فليعمل العاملون»!
ـ هذه هي الشخصية الأولى التي فجع العالم العربي والاسلامي بوفاتها.. أما الأخرى.. التي قامت ببناء النفوس والوجدان.. فإنها تتمثل بوفاة أحد أبرز علماء مكة المكرمة ودعاتها وأشهر محدثيها. فضيلة الشيخ الجليل السيد الدكتور محمد بن علوي المالكي الحسني الذي وافته المنية فجر الجمعة المباركة الخامس عشر من شهر رمضان المبارك بمكة المكرمة.
ـ فلقد كان ـ رحمه الله ـ شخصية بارزة دينياً وعلمياً وإجتماعياً في المجتمع المكي.. إمتداداً لوالده وجده اللذين ورث عنهما قبل غيرهما العلم بكل فروعه.. كما ورث القيم العالية والاخلاق الفاضلة والتوجهات العامة والسلوك الروحي والجسدي.
ـ كان ـ رحمه الله ـ عالماً عاملاً بعلمه.. يحمل فكراً صافياً.. وثقافة تنويرية.. جامعاً بها بين القديم والحديث.. فكان يدعو دوماً إلى التعددية الفكرية منذ اكثر من عشرين عاماً.. لتبرز حاجة وطنه اليها اليوم!.
ـ كان في المحافل خطيباً مفوهاً.. وداعية لامعاً.. فكان يسترق قلوب سامعية بحلاوة لسانه وعمق بلاغته وجمال بيانه.
ـ ترك للمكتبة الاسلامية.. العديد من المصنفات النافعة في شتى فروع الثقافة الاسلامية.. والبالغة اكثر من عشرين مؤلفاً.. مما يدل على سعة اطلاعه وغزارة انتاجه مع أن بعضها مثَّل (مفاهيم يجب ان تصحح) و(الصلوات المأثورات و(الذخائر المحمدية) جلبت له ردود فعل عكسية.. ونقاشات متباينة ووجهات نظر مختلفة.
ـ كما ترك طلاب علم من غير مكان من العالم الاسلامي.. ليعودوا الى ديارهم ينشرون العقيدة الاسلامية السمحة.. المرتبطة بالوسطية والاعتدال.
ـ كان منزله بمثابة منتدى فكري ثقافي متنوع.. خاصة خلال أيام الحج.
ـ كان يتصف بالسماحة واللطافة ودماثة الخلق وسعة الصدر مع من يختلف معه.. من أبناء وطنه بالذات.. حتى جاء لقاء الحوار الوطني السعودي والذي عقد بمكة المكرمة بشهر ديسمبر عام 2003م ليذيب هذا اللقاء الكثير من اوجه الاختلاف بينه وبين بعض علماء وطنه.
ـ كان داعية حقاً.. عطوفاً على الفقراء والارامل والايتام.. مساهماً في بناء بعض المساجد ببعض الدول.. ناشراً لرسالة الاسلام داخل وطنه وخارجه ليصبح تباعاً لذلك في دائرة الاهتمام لدى الخاصة والعامة.
ـ كانت الدنيا عنده مجرد دار موعظة لا تعاظة بها.. ومجرد دار عافية لفهمه لكنهها.. فحول منزله مدرسة.. ليفتح بها عقله لنشر العلم كما فتح جيبه مما حباه الله به لنشر الصدقة.. حتى عاش حميداً.. ومات سعيداً ـ يرحمه الله ـ.
ولذا.. لا غرابة أن يفجع العالم العربي والاسلامي بوفاته.. خاصة في اليمن والتي احبها وأحب علمائها وبعض ابنائها بمافيهم من تتلمذوا على يديه. وان كان بعضهم لم يكونوا اوفياء له بعد وفاته.. ولو بتسطير كلمة رثاء عنه رغم أنه ـ يرحمه الله ـ في غنى عن كلمات الرثاء.
ـ هكذا فجع العالم العربي والاسلامي مع بداية النصف الثاني من شهر رمضان المبارك بوفاة أهم شخصيتين بارزتين احداهما.. طبقت مفهوم الحكم الصالح والاخرى جسدت بما كانت عليه مفهوم العلم النافع.
ـ فرحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.. والشيخ العلامة محمد بن علوي مالكي.. وجزاهما الله عما قدما في حياتهما خير الجزاء.. وعوض الجميع عنهما خيراً.
Al-jubaihi@hotmail.com
كاتب صحفي/يحيى السدمي فنطسيه:فليبارك الله أمريكا!
كاتب صحفي/يحيى السدمي
كلمة  26 سبتمبرشيخ الحكمة!
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد