الأحد 18-08-2019 18:19:03 م
عــرب الألفية الثالثة:عفو عقاري يختم صفحة مطوية --
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و 10 أشهر و 17 يوماً
الخميس 29 سبتمبر-أيلول 2005 07:39 ص
  سمعت الكثير من الروايات وقرأت شهادات كثيرة عن حياة اليمن واليمنيين خلال العهد الامامي. تتعدد في المرويات صور الظلم وأوجه العسف والقمع والحرمان وتجمع كلها على ظلامية الحكام و المسؤولين وضيق أفقهم وفئويتهم وانعزالهم وهوسهم بالنضال ضد العصر،كان الخارج في عرفهم بغض النظر عن هويته كافراًَ سواء بانتمائه الديني أو المذهبي، وبما أنه كذلك في عرفه فقد حرم النظام السابق كل أشكال الارتباط به، تعليم، صحة، تأهيل، سياحة، زيارات مكثفة، تبادل خبرات، تعلم، لغات، تبادل منافع...الخ وان كانت علاقة محدودة ومقننة مع الخارج فلأهل النظام وحدهم ولفائدتهم وسط إقفال محكم لأبواب اليمن على سكانها وتحويل هذا البلد إلى سجن كبير بقيادة سجان متخلف يمسك برقاب العباد ويحرمهم من أبسط حقوق البشر.
وكان أن شعر الإمام أحمد بصعوبة ضبط شعب عريق في القمقم إلى اجل غير مسمى فبادر إلى فتح بعض النوافذ وأرسل بعض البعثات إلى الخارج تسلل منها جمهوريو سبتمبر وأطاحوا بكابوس الإمامة الفظيع، لكن اليمنيين مازالوا يعانون حتى هذه اللحظة من آثار هذا الكابوس و يدفعون ثمناًَ باهظاًَ لعقود التخلف الإمامية على كل صعيد ويبذلون جهوداًَ جبارة في تأسيس وتأهيل البنى التحتية المادية والمعرفية وتدارك شح الموارد و يواجهون بشجاعة صعوبات الاندماج في السوق العالمية المليئة بمنافسين مؤهلين يحتفظون بأفضليات مقدرة بعقود على اليمن الوافد لتوه والمؤهل على عجل.
و الملفت في الشهادات التي قرأتها والروايات التي سمعتها من جيل ما قبل الثورة السبتمبرية ذلك الإجماع على هول العهد البائد، وهو إجماع مكتسب بالتجربة وليس بالتربية المدنية التي نشرتها الثورة في مدارسها عن ذلك العهد.
 وينتمي المجمعون على هول الأئمة إلى فئات سياسية يسرح بينها الخيالة( من خيل) على ما يقال في الأرياف اللبنانية للإشارة إلى التباعد الكبير في المواقف. بل لمست تشدداًَ في وصف شناعات العهد البائد لدى المعارضين للسلطة أكثر من رجالها ما يعني أن الاختلاف السياسي في العهد الجمهوري مازال مسنوداًَ إلى جدار ضخم عماده رفض النظام الملكي بكل وجوهه وأشكاله، وان الرهان على محاولات إعادة تأهيل الملكية هو اقرب إلى الرهان على فوز إبليس بالجنة .
في هذا السياق أثارت انتباهي كلمة الدكتور عبد العزيز عبد الغني رئيس مجلس الشورى في صحيفتنا تعليقاً على مبادرة الرئيس علي عبد الله صالح المفاجئة والقاضية برد ممتلكات وعقارات إلى ورثة الأئمة كان الثوريون الأوائل قد صادروها في غمرة قراراتهم الجمهورية الأولى.
الدكتور عبد العزيز عبد الغني معروف بتحفظه لدى الحديث عن الفترات السابقة التي تولى خلالها مسؤوليات مركزية وهو معروف أيضا بلباقته وحرصه على اختيار تعابيره بدقة لدى التطرق إلى مواضيع معينة مع ضيوفه، لكنه فاجأني ذات يوم في منزله بحديث منطلق بعيد عن اللغة الاصطلاحية عبر خلاله عن معاناته الفظيعة في طفولته من النظام الإمامي. لم يطلق أحكاماً ولم يستخدم مسلمات أيديولوجية ولم يجر مفاضلة نظرية بين الملكية والجمهورية، كان يروي فقط حياته اليومية وحياة البيئة التي ترعرع في ظلها وروايته جديرة بأن توثق وتنشر ـ إن أراد ـ كوثيقة كاشفة لفظاعة عهدٍ مضى مرة واحدة والى الأبد .
لن أعرض ما رواه الدكتور عبد العزيز عبد الغني في تلك الجلسة الخاصة فهو ملك له وحده رغم أن مروياته لا تنطوي على أسرار خطيرة سوى وجهها الشخصي الذي يتوجب احترامه في مقام هذا الحديث الموجه للعموم.والغرض من إشارتي إلى تلك الجلسة يكمن في الوقوف على قدرة رئيس مجلس الشورى ـ وربما رفاقه المخضرمين ـ على التمييز بين الخلاص الوطني من نظام الحق أذى يفوق الوصف باليمن واليمنيين وبين المصلحة الوطنية الجمهورية التي اقتضت خطوة رمزية شأن إعادة ممتلكات لقبضة من ورثة آل حميد الدين في سياق انفراج محلي وإقليمي.
قال الدكتور عبد الغني حرفياًَ "...هذه الخطوة إنما تعبر عن نضج الثورة و تجذرها في ضمير ووجدان شعبنا اليمني، فبعد ثلاثة وأربعين عاماً أصبح نحو خمسة وسبعين بالمائة من سكان اليمن ينتمون إلى جيل الثورة، والتي يمكن القول إن أهدافها الستة قد تحققت، وفي الطليعة أسمى هذه الأهداف والمتمثلة في إعادة تحقيق وحدة الوطن تحت قيادة فخامة الرئيس علي عبدالله صالح.
ولكل ما سبق فإنني اعتبر قرار فخامة الرئيس بإعادة ممتلكات بيت حميد الدين قراراً طبيعياً جداً، وقراراً حكيماً وقد أراد به فخامته تصفية وإنهاء حسابات المرحلة السابقة والتي بدأت مع قيام الثورة اليمنية الخالدة وانتهت بإعادة تحقيق الوحدة المباركة"
 يعني ما سبق أن الأملاك تعود لورثة الأسرة المذكورة بقرار من الثورة وبإرادتها، وفي ظل سيادتها ويستعيدها المعنيون بوصفها عقارات وليس إرثاًَ سياسياًَ.
تبقى الإشارة إلى تفاصيل المبادرة الرئاسية وهي مجهولة من كاتب هذه السطور الأمر الذي يستدعي بعض الأسئلة:
أولا: هل تعاد الأملاك الخاصة المسجلة بأسماء مالكيها أم تعاد القصور والأملاك العائدة للدولة الإمامية ؟ اغلب الظن أن الأمر ينحصر بالخاص فالعام هو ملك لليمنيين جميعاًَ تماماًَ كالأملاك العائدة اليوم للدولة الجمهورية.
ثانياًَ: هل تعاد الأملاك مع تعويضات عنها طيلة السنوات الماضية أم تعاد بوصفها أملاك مصادرة كتلك الأملاك المحروسة في العهد الاشتراكي المصري التي أعيدت لأصحابها دون تعويض.
ثالثاًَ: هل يحق لأصحاب هذه الأملاك التصرف بها كما يشاؤون إذا كانت مصنفة في لائحة التراث الوطني اليمني أم أن التصرف بها خاضع لرغبة المعنيين بغض النظر عن تصنيفها.
رابعاًَ: هل يستعيد المعنيون حقوقهم المدنية مع عقاراتهم وفق الدستور الجمهوري وعلى غرار المشايخ والسلاطين السابقين في المحافظات الجنوبية أم أن الحقوق المدنية تستعاد في خطوة لاحقة؟
خامسا: هل يترتب على المعنيين دفع ضرائب معينة عن أملاكهم المستعادة أم أن احتجازها طيلة الفترة السابقة يساوي الضرائب الموجبة؟
هذه الأسئلة وغيرها ربما تتوافر إجابات عنها في المبادرة الرئاسية التي لم تنشر بكامل تفاصيلها أو ربما نشرت ولم يتح لكاتب هذه السطور الإطلاع عليها..وهي ليست حاسمة في المبادرة على الرغم من أهميتها الرمزية ذلك أن المهم فيها هو منطق تسوية "حسابات" مرحلة منطوية على ما أشار الدكتور عبد العزيز عبد الغني، وفي تسوية الحسابات يتقدم المبدأ والهدف على ما عداه .
يبقى القول إن المبادرة اليمنية ليست نادرة في تاريخ الجمهوريات المعروفة خصوصاً في أوروبا التي شهدت تسويات مماثلة أتاحت لورثة الملكيات السابقة الإفادة من عقاراتهم الشخصية وتحويلها في بعض الحالات إلى مواقع سياحية لتغطية تكاليف صيانتها والحفاظ عليها ما يعني أن العفو الجمهوري في كل الحالات هو عفو عقاري وليس سياسياً.
وكل عام وأنتم بألف خير.
عودة إلى
كاتب/زيد بن علي الفضيل:آفاق مستقبلية وخطى مؤسسية --
كاتب/زيد بن علي الفضيل:
دكتور/عبدالعزيز المقالح رمضانيات
دكتور/عبدالعزيز المقالح
كلمة  26 سبتمبرتعميق الديمقراطية --
كلمة 26 سبتمبر
استاذ/عبدالعزيز عبدالغنيكلمة 26سبتمبر:قرار حكيم
استاذ/عبدالعزيز عبدالغني
كلمة  26 سبتمبرديمومة الثورة
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد