الأحد 15-12-2019 19:08:44 م
قراءة في مصطلح «اليمن أولاً»
بقلم/ دكتور/فارس السقاف
نشر منذ: 9 سنوات و 7 أشهر و 18 يوماً
الثلاثاء 27 إبريل-نيسان 2010 12:28 م
باتت الوطنية جدلية اليوم بعدما كانت بالأمس مسلّمة غير قابلة للتفريط. ومرد هذه الجدلية هو منطق العولمة وإلغاء الحواجز، بحيث أضحت الوطنية تقوقعاً وانعزالاً وإغراقاً في فسيفساء الكيانات الصغيرة المهددة بالزوال. كما أن العالمية الإسلامية، ودوائر القومية، ثم الإنسانية الشاملة، طغت على القطرية الوطنية بعدما أتمت مهام التحرر بعقود.. فهل لم يعد للوطنية مكان في هذا الزمان؟
في اليمن الآن حركة دائبة لاستعادة هذا المعنى، أو هذه الروح، بدلالة الانتماء والهوية.. وتأسست لذلك هيئات ومنظمات تنشط من خلال الفعاليات والشعارات التي تؤديها لإحياء مفهوم الوطنية بتصدرها العنوان الرئيس: اليمن اولاً.. اليمن في قلوبنا. ويتولى قيادة هذه المهمة شخصيات نافذة في الدولة، من أمثال طارق محمد عبدالله صالح، قائد الحرس الجمهوري، الذي تحركت هيئته بفعالية على امتداد الساحة اليمنية، ويحيى محمد صالح، نائب قائد الأمن المركزي الذي يفيض بجهد ملموس أنجز قانون العلم ومنحه مكانته بعد طول إهمال، إلى جانب النشيد الوطني كلمات وأداء وغناء وهو الآن في سبيل حماية الآثار المهددة بالضياع وما يمثله من ضياع لتاريخ وذاكرة الوطن.
وأخيراً عبده بورجي السكرتير الإعلامي لرئيس الجمهورية الذي كتب مؤخراً مقالاً عن الوطنية، أثار، ولا يزال، جدلاً واسعاً وردود أفعال لدى الرأي العام اليمني والمعارضة منه بالذات، مرده إلى كونه صادرا عن هذه الشخصية أو تلك من الشخصيات الذين ورد ذكرهم. فهل تستنكر الدعوة للوطنية؟ وهل لم يعد منها جدوى؟
هذه التساؤلات تستحضر غياب المسألة الوطنية إلى قلب الزمن اليمني الراهن بتحولاته المصيرية.. وانفتاح أبواب الولاءات النقيضة، على رغم أن غالب التفاعلات مع هذه التحركات جاءت على سبيل الإنكار، ومارست جلد الذات على جلد الذات، وهي في ذلك انطلقت من قاعدة العبرة بالقائل لا بالمقولة، والصحيح أن تكون معكوسة.
لهذا فقد ركز أصحاب الردود -وهم جميعاً لا تعوزهم الوطنية والحرص- على الشخوص والموقع الوظيفي والقرب من رأس السلطة، ولا ينطلق من معاناة المواطن البسيط، والانتقاد لا ينال من وطنيتهم، ولكن من مواقعهم، وهذه المعيارية للحديث عن الوطنية والموقف الوطني ليست صحيحة.
الفقر والغنى.. المنصب والطبقة.. كل هذه ليست محددات للوطنية. ولا يعني أن يكون المرء فقيراً أن يتخلى عن حب وطنه، وأن يؤدي به من بعد إلى معاداته. كما لا يحتاج إلى أن يكون غنياً أو مرموقاً ليتحدث عن الوطنية وحب الوطن.
ماذا يمكن أن نقول عن الساكنين في القبور في بلادهم الذين لا يفتؤون عن الهتاف لوطنهم حباً وولاء. لم يدفعهم العوز، ولم يضطرهم ظلم ذوي القربى إلى الحط من قدر أوطانهم واستعداء خصومهم واستجلاب دواعي التكالب ومبررات الإغارة على أمنهم واستقرارهم. وإذا كان في الأحوال الطبيعية متطلباً منهم هذا الموقف الإيجابي، فإنه في أوقات الملّمات والأزمات أدعى وأوجب.
إن التفريق بين السياسات والممارسات، وواجبات الوطن يقي الانزلاق ويسعف في اختيار الموقف الواجب في الزمن الأوفق.
المبتدى يكون بالتأكيد على التربية والتنشئة، والثقافة والتعليم ضمن عملية بنائية تراكمية يؤسسها نظام وطني يقوم بمهامه وواجباته تجاه الوطن والمواطن.. يحفظ للوطن سيادته وللمواطن حقوقه وكرامته.
ولهذا نهضت مؤسسات دستورية وتمثيلية للشعب تراقب أداء النظام، وهو ما يتوخاه وينتظر تفعيله، ونحمد الله أنه لم يخرج حتى الآن عن الحل ويحرص على تجسيد شرعيته من خلال واجباته الدستورية، ويحتاج باستمرار للتقويم من خلال منظومة شرعيته ومتحققاته المكتسبة.
إن الدعوة إلى مراجعة مواقفنا تجاه التربية الوطنية، والهوية اليمنية، وأن نتعاون جميعاً من أجل اليمن أولاً، وكل من موقعه. لا ينبغي النظر إليها بمنظور الريبة أو التشكيك حول مراميها، فهي دعوة وطنية مقدسة ترقى إلى مرتبة الواجب بصرف النظر عن الداعي لها.
الإجماع منعقد على الحاجة إلى النهوض بهذه القضية وأهميتها وضرورة التحرك لها، ويبقى ما عدا ذلك من الانتقادات تفاصيل ثانوية مع وجوب أخذها في الاعتبار حتى يؤدي الكافة أدوارهم وإن اختلفت المواقع.
  كما أن هذه الدعوة لإحياء معاني الوطنية وثقافتها السلوكية لا تعني الكف عن الدعوات المطلبية، والمناداة بالتحسين والتصويب ضمن حقوق المواطنة الملتزمة.. عدا المطالب الخارجة عن الدستور، فهي خروج عن الوطنية، وتمرد على إجماع الجماعة الوطنية.
أحسب أن الوطن كرصيد فطرة دينية، وقيم وأفكار حبانا الكثير من عطاءاته المقتضية لواجبات المبادلة. لايزال العالم يتذكر مقولة الرئيس الأميركي الأسبق: الراحل جون كنيدي: «لا تقولوا ماذا قدّمت لنا أميركا؟ بل قولوا: ماذا قدّمنا لأميركا».
وهو ما يتطلب الانتقال إلى مستوى أعلى نتدارس فيه الأسباب والأبعاد في سبيل تجذير الانتماء والولاء وتحويله إلى برامج عمل للارتقاء بالوطن وإنسانه ليحقق فاعليته وشهوده بين الأمم.
الوطنية لاتزال حاجة وضرورة للأوطان، وهي أدعى اليوم إلى مواجهة التحديات والمهددات كلها.. وما أكثرها وأخطرها.


عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
الحسابات الخاطئة تهدر فرص السلام!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: موجة اغتيالات لتبييض صفحة الإمارات
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الاحداث:شراكة بطعم المحاصصة..!
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
كاتب/عباس غالبمن فيض ابريل العطاء
كاتب/عباس غالب
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالإرهاب والاستغلال الأعمى!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
دكتور/عبدالعزيز المقالحأما لهذا الليل العربي الطويل من آخر؟
دكتور/عبدالعزيز المقالح
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةيوم الديمقراطية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد