الخميس 12-12-2019 21:31:17 م
اتفاق فبراير.. والانقلاب عليه
بقلم/ رئيس التحرير/علي حسن الشاطر
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 9 أيام
الثلاثاء 01 فبراير-شباط 2011 09:12 ص

عقد اليمنيون آمالاً واسعة في أن يكون اتفاق فبراير 2009م بين القطبين الرئيسيين في العملية السياسية (الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام) (والمعارضة ممثلة في أحزاب اللقاء المشترك) بتأجيل الانتخابات النيابية لمدة عامين يتم خلالهما العمل على تطوير النظام الانتخابي وتعديل قانون الانتخابات، وتطوير النظام السياسي والتعديلات الدستورية اللازمة لذلك.. محطة مهمة في مسيرة تطوير وتوسيع النماذج التوافقية الديمقراطية وتجاوز الإشكالات وتوفير القدر الممكن من التواؤم والاستقرار السياسي الداخلي الذي يقدم للمجتمع الوعد والأمل والإمكانات الواقعية في الانتقال بالعملية الديمقراطية والانتخابية بشكل سلس ومتدرج إلى أطوار نوعية متقدمة ..

لقد كانت الكثير من نصوص التعديلات والإصلاحات متفقاً عليها وتمت مناقشتها مادة مادة كما هي الحال في قانون الانتخابات وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات، بالإضافة إلى أنه تم الاتفاق حول الكثير من المواد الدستورية الخاضعة للتطوير.. وأن ما كان من النصوص والمواد موضع خلاف واختلاف تم الاتفاق على مزيد من الحوار حولها .

بشكل دراماتيكي غير متوقع تم الانقلاب على اتفاق فبراير من قبل أحزاب اللقاء المشترك، في خطوة تمهيدية للانقلاب على الديمقراطية وتحقيق التغيير الذي تسعى إليه هذه الأحزاب بأسلوب درامي فجائي غير ديمقراطي وقد يكون عنيفاً وغير سلمي، وقد جاءت البدائل التي قدمتها هذه الأحزاب لجميع الاتفاقيات الموقع عليها بين الطرفين منذ فبراير 2009م حتى الآن، عبارة عن أوراق للمناورات والابتزازات السياسية طويلة المدى، ومشاريع نظرية غير مدروسة وغير قابلة للتنفيذ ويستحيل تحقيقها على المدى المنظور، فهي في الغالب العام صياغات نظرية تعميمية عبرت عن مشكلات المجتمع وأزماته التراكمية المركبة في مختلف مجالات الحياة، مع مغالطات واضحة في تشخيص أسبابها وتجييرها على الحزب الحاكم وتحميله المسؤولية عن كل ذلك، وبالتالي جاءت التصورات للمعالجات نابعة من هذه الرؤية، وتقوم على فكرة إلغاء وإزالة الطرف المسؤول عنها في نظرهم .

مثل هذه المشاريع لا يمكن أن تقود إلى تحولات وطنية وديمقراطية مفتوحة ودينامية تساعد على تجاوز الإشكالات الراهنة وفتح الطريق المسدود أمام الإصلاحات الديمقراطية المطلوبة، بقدر ما تضيف المزيد من السدود والحواجز، وتزرع المتفجرات الموقوتة داخل نسيج العملية الديمقراطية وفي طريقها ، وبقدر افتقار هذه المشاريع للواقعية والمصداقية، فإنها لا تعبر عن رغبة ومسؤولية حقيقية في إيجاد حلول منطقية وناجحة لإشكالات القصور والاختلالات في العملية الديمقراطية وفي النظام السياسي، بل جاءت معبرة عن حاجة أصحابها في توسيع هوة الخلافات وتعميق الأزمات والاستمرار في الدفع بالأمور نحو المزيد من التدهور للوصول إلى اللحظة السياسية الحرجة التي يفتقد فيها الشعب الأمن والأمان والثقة بالمستقبل وبحقيقة العملية الديمقراطية، وتسهل عندها العودة بالأمور إلى الوراء إلى العهود والأنظمة الشمولية والانقلابات الدموية، بدلاً من السير إلى الأمام .

من الناحية الموضوعية يمكن القول إن سلوكيات ومواقف أحزاب اللقاء المشترك مردها الأساسي إلى طبيعة مكوّنها الفكري الأيديولوجي الشوفيني المتطرف ونزعاتها نحو التغيير ولو بالعنف؛ وهو الأمر الذي يجعلها على الدوام غير مؤهلة للقبول بنتائج أي حوار والتقيد بمواثيقه التي لها ميزة بعيدة المدى وتستغرق وقتاً طويلاً لتحقيقها بشكل متدرج وناجح قد يمكّن التجربة الديمقراطية من التجذر وامتلاك عناصر القوة والاستمرارية .

من الناحية الحزبية والذاتية القيادية يمكن تفسير مصدر وسبب السلوكيات والمواقف الراهنة، بأزمة الشرعية التي تعاني منها هذه الأحزاب وضعف بنيانها المؤسسي وقاعدتها الجماهيرية، فغالبية قيادات هذه الأحزاب تستمد شرعيتها ومقومات استمرارها ووجودها في قمة الهرم الحزبي من أنماط تقليدية شمولية في فكرها وقسرية في وسائلها، تؤكد سلطاتها وتؤمّن نفوذها، وتجعل من سلوك وممارسة هذه القيادات غير خاضعة للمساءلة والمحاسبة، وغالباً ما تنحصر مهمة صناعة السياسات والقرارات والتوجهات الفكرية والعملية ضمن دائرة سياسية ضيقة متجانسة، تجمعها قواسم فكرية وقناعات ومصالح مشتركة نجحت في فرض نمط فكري وسلوكي جامد وآلية حزبية تعيد إنتاج ذاتها، وتعتمد المركزية السياسية في سن وفرض القرارات من أعلى إلى أسفل، وبما يسهل على هذه القيادات تحويل الدورات الحزبية، والمؤتمرات العامة والانتخابات الحزبية من أداة للتغيير والتحديث والتجديد إلى أداة لتعزيز سلطاتها وإعادة انتخابها، وفرض خياراتها وقناعاتها وتحويلها إلى برامج سياسية تقوم عليها مواقف أحزابها من قضايا الوطن المختلفة .

وأخيراً يمكن القول إن التكوين الاجتماعي والفكري والثقافي والإيديولوجي المتناقض داخل هذا التحالف، يمثل أحد أسباب فشلها في صياغة رؤية وطنية موحدة إزاء مختلف قضايا الوطن، وكل ما يتمخض عن التحالف المتباين من مشاريع هي عبارة عن مزيج فكري يحاول الجمع بين المتناقضات، ويستوعب في الوقت ذاته مصالح وبرامج ومشاريع وأهداف كل طرف من الأطراف، ولا يمكنها أن تقبل بخيارات وبرامج حوارية توفيقية قد يجد طرف من هذه الأطراف أنها تخدم طرفاً في هذا التحالف على حساب طرف آخر، والأدهى من ذلك أن هذا التحالف متباين في قناعاته ومواقفه من الديمقراطية ومفاهيمها ومبادئها وآلياتها ومؤسساتها .

ومع قناعاتنا بأن الخلافات قد وصلت إلى مرحلة لا يمكن فيها المساومة حول استحقاق وطني دستوري، أو التراجع عن إجراء الانتخابات في وقتها المحدد وإدخال البلد في حالة فراغ دستوري يفقد فيها النظام شرعيته الدستورية على المستويين الوطني والدولي، ولا يمكن أن تكون هناك انتخابات حقيقية دون مشاركة كافة الأطراف ودون وجود معارضة قوية وحقيقية .

مقاطعة المعارضة للانتخابات، لا يمكن لها أن توقفها ولا أن تفقدها شرعيتها الجماهيرية والدستورية، ولكنها قد تفقد الديمقراطية بعض فاعليتها بفعل غياب معارضة فعالة وقوية داخل مكونات السلطة التشريعية وهذا شيء لا نتمناه حتى وإن كان لدورة برلمانية واحدة،لأنه سيظل في المفهوم العام شكلاً من أشكال العمليات التجميلية لديمقراطية متعرجة فقدت زخمها وأهميتها الوطنية في تحقيق الحكم الرشيد .

ما نأمله هو العودة إلى الحوار وإلى نموذج راقٍ من التوافقية السياسية الميثاقية بين مختلف الأطراف، يعزز من أهمية الحراك والتفاعل الديمقراطي ويحقق إجراء الانتخابات في موعدها، وهذا يتطلب من جميع الأطراف في السلطة والمعارضة تليين مواقفهما، والتنازل لصالح الديمقراطية والوطن والانخراط في نهج سياسي بناء يقوم على إجماع واسع، وعلى الكل أن يدرك أن لا مجال أمامهم للنكوص عن الخيار الديمقراطي، أو المضي بالعملية الانتخابية إلى الانتكاسة والتراجع ..


نقلاً عن صحيفة الرياض*
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
هكذا يُنفّذ اتفاق الرياض!!
توفيق الشرعبي
مقالات
دكتور/عبدالعزيز المقالححضور فلسطين في انتفاضة الشعب العربي
دكتور/عبدالعزيز المقالح
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةفلنحذر..!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
دكتور/محمد حسين النظاريتفاعل القيادة مع مواطني المهجر
دكتور/محمد حسين النظاري
كاتب صحفي/عبدالله الصعفانيالفوضى الهدامة.. والقراءة الخلاقة
كاتب صحفي/عبدالله الصعفاني
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالفوضى اللاخلاقة"..!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
كاتب/أمين الكثيريالحوار الذي نريده
كاتب/أمين الكثيري
مشاهدة المزيد