الثلاثاء 25-02-2020 22:13:48 م
غفوة ضاعت فيها اليمن!!
بقلم/ دكتور/كمال البعداني
نشر منذ: 8 سنوات و 11 شهراً و 17 يوماً
الخميس 10 مارس - آذار 2011 03:19 ص
المنظر هنا فضيعاً في العاصمة اليمنية صنعاء ، فالمتارس في كل مكان والحواجز تملأ شوارع المدينة ، حيثما التفت ترى آثار الدمار واضحة للأعيان ، نحن هنا نقف أمام جامعة صنعاء أو بمعنى أصح ما كان يعرف بجامعة صنعاء ، فقد تحولت هذه الجامعة الى أطلال وطلقات الأعيرة النارية من الأسلحة المختلفة ظاهرة على الجدران ، كليات الجامعة المختلفة التي كانت تحوي المختبرات والمعامل أصبحت مأوى لبعض رجالات الحرب ، قبل ثلاثين سنة انطلقت من هنا أول الشرارات وبدأ أول إعتصام ضد نظام الرئيس علي عبدالله صالح الذي كان يحكم اليمن الواحد آنذاك ( قبل أن يصبح اليمن على ما هو عليه اليوم دويلات متعددة وغير معترف بها ) ، فقد بدأ ذاك الإعتصام كما قلنا من هذا المكان وتحديداً من جوار عمود كان منصوباً هنا ومكتوب عليه ( الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية ) وقد اختفى ذاك العمود واختفت معه الحكمة وضاع معها الإيمان ، ولا شك أن أولئك المعتصمون لم يكونوا يدركون ما يخبئه القدر لهم ولبلادهم وكيف ستتطور الأمور وتتفاقم وتخرج من أيديهم ويدخل اليمن في هذا الصراع الطويل والمرير ، من هنا ومن هذا المترس المحصّن لا نستطيع أن نتوجه شمالاً الى منطقة الحصبة مثلاً أو جنوباً الى منطقة الصافية والتي كان يسكنها الكثير من أبناء الصومال قبل أن يعودوا الى بلدهم بعد الإستقرار هناك ، كما قلنا لا نستطيع التنقل ما لم يكن معنا دليلاً يرافقنا لكي نجتاز حواجز المليشيات والتي تختلف من حاجز الى آخر ، ولابد من دفع مبلغ عند كل حاجز ومع ذلك تظل مغامرة في حد ذاتها ، المليشيات هنا هي سيدة الموقف وصاحبة القرار فقد اختفت الأحزاب التي كانت تملأ الدنيا ضجيجاً قبل ثلاثين عاماً ، فقط الجيل القديم من أبناء اليمن هم الذين يتذكرون تلك الأحزاب ويتذكرون قادتها ، أما الجيل الجديد فلا يعرف شيئاً عن المؤتمر أو الإصلاح أو الإشتراكي ، وهي الأحزاب البارزة آنذاك ومن الطبيعي القول بأن الكثير من قادة تلك الأحزاب وغيرها بل ومن وجهاء اليمن وقادتها قد اختفوا عن الساحة خلال سنوات الفوضى هذه ، فمنهم من مات موتاً طبيعياً والبعض قُتل أو أُغتيل في المواجهات ومن تبقى يعيش اليوم خارج اليمن وليس له أي تأثير على الأحداث هنا ، قبل أيام قليلة استطعنا أن نخرج من صنعاء برفقة بعض رجالات مليشيات الحرب واتجهنا شمالاً ناحية مدينة عمران والتي تبعد عن العاصمة بحوالي (50) كيلو متر وما إن اقتربنا من هذه المدينة حتى بدأت الملامح تختلف فالشعارات تملأ الأحجار والجدران والرايات السود ترفرف في معظم الأماكن ومعها صور ضخمة لمرشدي الثورة الإيرانية من أيام ( خامنئي ) حتى مرشد الثورة الحالي ، على الرغم من أن إيران اليوم لم تعد كما كانت قبل ثلاثين سنة ، وأصبح وضعها كما يعرفه الجميع ، وقد نصحنا البعض عند اقترابنا من مدينة عمران بان نعود من حيث أتينا حفاظاً على حياتنا خاصةً إذا عرفوا بأننا مراسلون لإحدى القنوات التلفزيونية فعدنا الى أدراجنا، عندما تتجول في شوارع صنعاء فلن تصدق بأن شوارعها كانت ذات يوم من الأيام معبدة ومُنارة بالكهرباء ، فلا أثر هنا للإسفلت على الشوارع والتي اصبحت ترابية تتخللها الحُفر الممتلئة بالمياة الراكدة جراء الأمطار ومياه الصرف الصحي مما أدى الى انتشار الأوبئة والأمراض ، بعض المنظمات الخيرية العاملة في اليمن قامت بحفر عدة آبار حول صنعاء في محاولة لتوفير مياه شرب نقيه ، نظراً لعدم وجود الكهرباء فالكثير من أبناء اليمن يتابعون أخبار بلادهم من محطات العالم عن طريق الراديو ، وقد رأيت قبل قليل رجلاً طاعناً في السن يمضغ القات ومتكئ على احد الجدران رأيته وهو يستمع الى الأخبار من جهاز راديو صغير يحمله بيده ، فدفعني الفضول الى الإقتراب منه وسؤاله عن الأخبار التي يسمعها فأجابني بأنه متفائل نتيجةً لسماعه من الراديو بأن بعض رجالات اليمن وقادة المليشيات سيتوجهون قريباً الى مقديشو في الصومال بدعوة من الحكومة الصومالية في محاولة جديدة لحل المشكلة اليمنية ، وأضاف قائلاً لقد كانوا مثلنا قبل ثلاثين سنة وكنا نساعدهم في حل مشاكلهم حتى استقر الأمر هناك ، إنهم أناس يحفظون الجميل فالكثير من أبناء اليمن النازحين أصبحوا هناك وقد مات منهم الكثير في عرض البحر والبعض التحق بالقراصنة اليمنيين ، فقلت له ! وهل أنت متفائل يا شيخ بهذه الأخبار ؟ فسكت قليلاً! ثم نظر الي والدمع في عينيه وقال لقد تعبنا تعبنا تعبنا فلابد من الأمل فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل .... هذا ما حصل نتيجة غفوة غفوتها بضع دقائق أمام التلفزيون قبل ان أتوجه الى فراش النوم ولم أفق من هذه الغفوة الا على صوت ابني الصغير وهو يطلب مني مساعدته في كتابة كلمة الصباح لإذاعته المدرسية وأخبرني بأن عنوان هذه الكلمة هو ( كيف نحافظ على اليمن ؟ ).

رسائل ساخنة :
1- الى حكّامنا الأجلاء : هناك فرق شاسع بين الإستماع الى بيانات العلماء والاستماع الى العلماء .
2- سبحان مغير الأحوال : الكثير من أعضاء المؤتمر الشعبي العام ومناصريه حريصون هذه الأيام على نشر الأشرطة الدينية التي تتحدث عن طاعة ولي الأمر وعن الفتنة النائمة وشق العصا بين المسلمين وتفريق الجماعة ، بينما نجد في الطرف الآخر الحرص على التوزيع والإستماع في مخيماتهم لأشرطة الفنان أيوب طارش وهكذا تبدلت الأمور ويبدوا أن هذا مؤشر على بداية انتقال السلطة .
3- هناك ثلاثة تيارات داخل المؤتمر الشعبي العام ، الأول تيار هدّام والثاني لا يفهم شيئاً وينفذ تعليمات التيار الأول بينما التيار الثالث هو التيار الممتاز ولكنه مغيّب عن الواجهة وعن صنع القرار لذلك أن أشبه المؤتمر بانه كالبحر يخفي في أحشائه الدّر وتطفوا على سطحه أشياء أخرى .
4- عندما أراد أبو العباس السفاح مؤسس الدولة العباسية إختيار المكان المناسب للجهر بالدعوة لحكم بني العباس جمع أصحابه وعرض عليهم الأمر فدلوه على واحد من ثلاثة اماكن هي ( الشام ، العراق أو نجد ) فرفضها كلها وقال : " الشام قلوبهم معنا وسيوفهم مع بني أمية ، والعراق تعلمون ما قال فيهم الحجاج ، واما نجد فهم مفتونون بحب الشيخين " ، وهنا تعالت الأصوات بأن اليمن هو أنسب مكان لهذا الأمر ، فردّ عليهم أبو العباس قائلاً :" في اليمن يوجد فرسان العرب ورجالها ولكن أهل اليمن أسرع الناس الى الفتنة وأعجزهم في الخروج منها " ...... اللّهم الهمنا الحكمة قبل وقوع الفتنة ، والله من وراء القصد .

- نقلاً عن اخبار اليوم:

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أجواؤنا ليست للنزهة
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: السيسي الخؤون يُحِقِّقُ حلمَ شارون
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كلمة  26 سبتمبر
السلام الشامل أو الهزيمة المذلة للعدوان
كلمة 26 سبتمبر
مقالات
كاتب/أحمد الحبيشيتحولات غير مسبوقة
كاتب/أحمد الحبيشي
رئيس التحرير/علي حسن الشاطرالمشهد السياسي من الداخل 3
رئيس التحرير/علي حسن الشاطر
دكتور/عبدالعزيز المقالحشعوب بلا أمل ولا عمل
دكتور/عبدالعزيز المقالح
مشاهدة المزيد