السبت 16-11-2019 02:21:26 ص
قواعد اللعبة
بقلم/ كاتب/نبيل حيدر
نشر منذ: 8 سنوات و 4 أشهر و 10 أيام
الأربعاء 06 يوليو-تموز 2011 09:36 ص
لأننا لم نتعود على وضع النقاط على الحروف، لأننا لم نتعلم وضع معايير صحيحة لكل شيء وتطبيقها على كل شيء وفي كل زمان ومكان، لأننا أحببنا العبث ولأننا باعدنا بين أسفارنا كثيرا، ولأننا بلا أجندة ولا نعرف ما هي الأجندة إلا في تلابيب التهم.. فقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.. خواء تتجول فيه الرياح بمختلف درجات أزيزها وزئيرها.

 الخلاطة التي درجنا على ملئها بكل ممارساتنا وسلوكياتنا.. أفكارنا وأقوالنا وأعمالنا.. تناقضاتنا واتفاقاتنا، ما يعجبنا وما لا يعجبنا، أكاذيبنا وحقائقنا، مدحنا وذمنا، نفاقنا ومصالحنا، لصوصيتنا وعفتنا، عنترياتنا وانبطاحاتنا، ما نظهر وما نخفي من الرغبات والقناعات.. الخلاطة التي عاصرت وعصرت كل ذلك متوقفة اليوم عن إنتاج ايجابي. ومشكلتها ليست في كيبل غير موصول بالمأخذ بل عجز طبيعي عن إنتاج الصواب بسبب إطاراتها التي كانت تدور بهستيريا هادئة وثقوب كثيرة غالبتها وغلبتها.

تصلبنا عن تمثل ما نتشدق به من حكمة قيلت في الأجداد وفي بشر كانوا يستحقونها وربما في أحفاد وبشر لا يزالون في الظهور حتى يحين موعد الظهور.. فقط نردد كالببغاوات وننفخ أوداجنا بعقول ضحلة المخزون ترفض الاعتراف بإخفاقاتها المتعددة وفي مقدمتها احترام الآخر المستبدل بالخوف والتخويف والتهيب والازدراء.

نظرية الإمساك بالعصا من الوسط طالما رافقتنا.. حتى أصحاب الحقوق والمجتهدون والمستثمرون والقادرون على تقديم الأفضل قبضنا عليهم من الوسط فانفصل الجزء العلوي عن السفلي وقضي عليهم. استخدمنا النظرية للهروب الدائم من مواجهة المشاكل ومن مواجهة الحقائق وفي منع التفكير الايجابي من التمام وعكسيا فتح الباب للذكاء السلبي التام.

طالما كنا خائفين ومتربصين.. خوفاً من عموم الأحسن وتربصاً بالمخوف - الذي يخيفنا بسبب سطوته أو بسبب قدرته على فضح المستور - حتى غدا الحق جنونا وطيشا والباطل والمداراة والمجاراة تعقلا ورشدا وحسن دراية. ورويدا رويدا تراخت القبضة الماسكة لأنها اعتمدت كثيرا على أصابع تعايش التنميل والخدر.

 ويتكرر الحال.. ولا يختلف عن سابقه إلا بفتحة صغيرة في الجدار الحاجز عن الأمل وليت الفتحة اتسعت، وجاءت محاولة الانعتاق بنفس السيرة التليدة التقليدية، ونفس الخلط مع تطوير بعض الأدوات مثل استخدام عصا الزانة للقفز وأداة (ما أريكم إلا ما أرى).

وفي كل حقبة نعيش عمليات غسيل للدماغ.. عرفنا الفاسد يبرر لفساده ويمرر إفساده.. يصدر كل أنواع العوادم ويرى على غيره استنشاقها وبرحابة صدر. عرفنا الفاسد يمشي ويعيش قيصريا وكسرويا، ويجذل مستمتعا بطرقعة كعوب الأقدام الواقفة على بابه والباحثة عن فتات رضاه.

 وعندما تكرمت الأقدار بإحداث نقلة هامة على رقعة الشطرنج الجافة.. انطلقت الأحداث ولم تأخذ زمنا طويلا حتى عادت واستخدمت نفس الأساليب ونفس اللهجات ونفس التبريرات مع اختلاف الوقود، وفي المضمون تستشف محاولات هروب من حقيقة وضرورة وأهمية تقويم الاعوجاج بالانتفاضة الداخلية على السلوك وعلى شوك النيات والمؤثرة كثيرا في نجاح الانتفاضة الخارجية، وكأن الغرض فقط اغتنام الفرصة بأي وسيلة وبالبحث عن وسيلة مواصلات سريعة ومجانية. فها نحن مع حراك ثوري سلمي نجيز فيه كل شيء ونصنع معه مواكب لتزكية دماء وأفعال ونحفر قبور الصمت لدماء وأفعال. ها نحن مثلا نطالب بالمدنية ونعلي من شأن ظواهر طالما تفننت قي قصم ظهر بعير المدنية الهائم على وجهه منذ أمد بعيد.

 ها نحن مع المخاض العسير في أزمة المصير نخلط المغالطات والمناورات بأزمة اللقمة عند الملايين وسائل الغاز والبنزين والديزل. هي أزمة يمكن زوالها ببساطة يوفرها الحرص الوطني الحقيقي على معيشة الناس لكن.. إنه شيء من ذلك الخلط الذي ألفناه ونتمسك به كما نتمسك بالدفاع عن الأخطاء وتصويرها أنها نتاج طبيعي لتأثيرات العصر الحجري على العصر المعصور حاليا. وتبقى المواساة مستحقة للنفوس السوية التي تبحث عن قارب نجاة لا طوقاً مثقوباً وترفض الارتماء فوق قطعة خشب تفتتها متوقع، ولتلك التي أزهقت ظلما وعدوانا وغدرا، وللمواطن البسيط الذي لا يفهم من الدنيا غير الستر.

 إننا نبيت فوق حقل ألغام غريب الهجعة، لن ننجو منه إلا باجتماع كل الأطراف ووضع كل خرائط الألغام على طاولة واحدة وكشفها ونزعها.. شئنا أم أبينا يجب أن نفعل ذلك وإن لم نفعله الآن سنكون متأخرين فقط لأننا سنفعله لاحقا. فالخلط وقواعد ألعابه مصيبتنا ويبدو مخرجنا أيضا، وداوها بالتي كانت هي الداء، لكن مع وضع قواعد حقيقية للحياة الجادة لا الحياة اللعبة. نحتاج إلى إنفاذ الرؤية والقراءة المستبصرة والانفعالات تكون مجدية إذا استثمرت مع الاستبصار.