الأربعاء 26-02-2020 13:34:20 م
تباً لنا من المحيط إلى الخليج
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 15 يوماً
الخميس 11 أغسطس-آب 2011 12:02 م
تطرح المجاعة في الصومال جملة من الأسئلة حول الأسباب والنتائج لا تعبأ الأطراف العربية والدولية المعنية بالرد عليها بطريقة مخلصة ومسؤولة، وإن ردت على بعضها فمن باب "الشفقة" تارة، وبالتالي تقديم بعض المساعدات الغذائية وتارة أخرى من باب اللوم والقاء المسؤولية على عاتق الصوماليين حصراً والقول ان المجاعة التي تضربهم من صنع ايديهم فهم ما برحوا يتقاتلون ويفشلون في التوصل إلى مساومة وطنية، وتشكيل حكومة والتفرغ لمواجهة الأعباء الملحة للشعب الصومالي المقدر بعشرة ملايين نسمة. وعندما لا تفرض المجاعة الصومالية نفسها على المشهد العام في العالم الغربي وتحتل صور الأطفال المحتضرين شاشات التلفزة ووسائل الإعلام الأخرى يحضر الصومال من باب "تنظيم القاعدة" أو التيارات السلفية المسلحة أو من باب القرصنة واحتجاز مراكب الاستجمام الغربية أو بوارج النفط الأوروبية أو بواخر الصيد الآسيوية التي تنهب الثروة السمكية في المياه الإقليمية لهذا البلد دون حسيب أو رقيب . ويحضر الصومال غالباً في المشهد الإعلامي العربي من باب هروب اللاجئين إلى اليمن أو القرصنة أو الإرهاب وقد بدا خلال الأعوام الماضية أن الاحتلال الأثيوبي لهذا البلد لا يزعج عرباً كثيرين، أما المجاعة الصومالية فتمر على العرب مرور الكرام وهي لا تستدرج تحركاً واسعاً من المنظمات غير الحكومية ولا تثير حمية الدول الثرية وربما استدعت تدخل المنظمات الخيرية الإسلامية التي تظل عاجزة عن مواجهة أقل القليل من ظاهرة الموت الجماعي لأطفال هذا البلد المنكوب. والغالب في تقدير الرأي العام العالمي والعربي لما يدور في هذا البلد هو أن أهله جنوا على أنفسهم، ولم يجن أحد عليهم وبالتالي يتحملون وحدهم مسؤولية المخاطر الدورية التي يتعرضون لها بما في ذلك آثار الجفاف التي تستدعي استعداداً مسبقاً وتخزيناً للأغذية وإدراكاً تنظيمياً متقدماً لحالات الطواريء. ينطوي هذا الموقف من المأساة الصومالية على حكم قيمي سلبي يجردها من بعدها الإقليمي والدولي فمن المعروف أن هذا البلد كان على مر التاريخ من أهم البلدان التجارية وكان أشبه بإمبراطورية منافسة لإمبراطورية الحبشة إلى أن بدأ الاستعمار الغربي يضرب إفريقيا في القرن التاسع عشر، وقد تمكن الصوماليون من خوض أطول مقاومة في التاريخ الإفريقي ومنعوا البريطانيين من احتلال بلادهم لسنوات طويلة حتى جاء العام 1920، ومعه تطور الطيران الحربي الذي غلب كفة البريطانيين، وهزم الصوماليين ومثلهم فعلت الفاشية الايطالية في العام 1927 إلى أن تمكن البريطانيون من جمع الصومال بأسره تحت جناحهم في العام 1941م وقد انتهى الاحتلال في العام 1960 عبر توحيد شمال وجنوب البلاد تحت راية دولة واحدة استمرت مستقرة وموحدة حتى العام 1991عندما انهار الاتحاد السوفييتي حامي نظام الرئيس محمد سياد بري من التعدي الأجنبي الذي وقع بقوة في العام المذكور من طرف الدول الغربية و أثيوبيا التي سلحت مجموعات قبلية صومالية منشقة بدعوى إقامة الديمقراطية، وقلب الدكتاتورية ودفعتها لتحطيم دولة الجنرال بري وما برح الدمار مقيماً حتى اليوم. وإذا كان صحيحاً أن الصومال عاش حينذاك في ظل نظام مستبد غير أن الاستبداد ما كان العلة الوحيدة في بقاء الحكم فمن المعروف أن بري حقق لبلاده الوافدة لتوها الى العالم الحديث انجازات في غاية الأهمية من بينها إنشاء مصانع للاسمنت في مدينة "بربرة " وأخرى للأسماك في مدينة "لا سفوري" والملابس في مدينة "بلعيد" والسكر في "مريري" واللحوم في "كسمايو" والألبان والكيماويات في العاصمة "مقديشو". وأشرف الرئيس الصومالي على مشروع كتابة اللغة الصومالية التي كانت تنطق ولا تكتب ، وعلى انضمام بلاده للجامعة العربية، ووضع العديد من برامج مكافحة الجفاف ، وقد قامت الدولة في عهده بربط جميع المدن الرئيسية بشبكة من الطرق الحديثة بدعم من جمهورية الصين ، وتوصيل الكهرباء والماء لجميع المحافظات . ينسب إلى سياد بري قوله عشية سقوطه لن يبقى صومال من بعدي وهو ما نراه اليوم بأم العين الأمر الذي لا يدعو إلى الحنين لأيام الاستبداد، وإنما لامعان النظر في احتضار بلد وشعب جراء الأوهام الديمقراطية وعدم التمييز بين المرحلة الانتقالية من الإقطاع إلى الرأسمالية، وبالتالي توفير البنية التحتية للتحديث والديمقراطية وبين النفاق الديمقراطي الذي استخدم في الصومال كسلاح للدمار الشامل لهذا البلد ولأهله الذين كانوا قبل قرن فقط يعيشون في ظل دولة شبه إمبراطورية، فإذا بهم اليوم مهددين بالموت جوعاً وإذا بالذين دفعوهم إلى هذا المصير يذرفون عليهم اليوم دموع التماسيح ويرمون لهم قوارير الحليب بعد فوات الأوان.أما نحن العرب الذين تنتهك بلداننا الواحد بعد الآخر تحت ستار الديمقراطية فيبدو أننا نحتاج لكي نتعظ إلى أكثر من صومال بل إلى مآس بالجملة. تبا لنا من المحيط إلى الخليج.