الثلاثاء 10-12-2019 11:31:25 ص
العلاقة بين الدين و السياسة كالعلاقة بين الانسان و الحيوان!
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 6 سنوات و شهرين و يوم واحد
الثلاثاء 08 أكتوبر-تشرين الأول 2013 01:24 ص
{هناك من يقتل الناس بدون حق ومن يشجع على ظلم من يخالفه رأيه ومن يختطف الابرياء في محاولة للحصول على فدية مدعياًاستناده الىالاسلام
ليس هناك موضوعا يثير قدراً كبيراً من الانقسام بين البشر في الوقت الحاضر وخصوصاً في العالم العربي والاسلامي كموضوع العلاقة بين الدين والسياسة، فهناك انقسام حاد بين فريقين، فريق يعتقد ان الدين سياسة والسياسة دين، وفريق آخر يعتقد ان لا علاقة بين الدين والسياسة، فالدين دين والسياسة سياسة، ومما يثير الاستغراب ان الخلاف على هذا الموضوع ليس له اهمية على ارض الواقع، بمعنى انه لوتم حسمه لما تغير الواقع كثيرا، ولكن اهميته تكمن في انه قد مكن الفريقين من التمترس ورائه نظرا لما لذلك من جاذبية ديماجوجية، اي انه يمكنهما من حشد الانصار وتبرير التصرفات غير المقبولة.
لقد ترتب على هذا التمترس ان بلغ التعصب بين الفريقين اعلى درجاته، ونتيجة لذلك لم يعد كل فريق يسمع اي شيئ يقوله اويطرحه الفريق الاخر تحت اي ظرف من الظروف، ولذا فإن الاستمرار في ذلك يعني ان كلا الفريقين يخدعان انفسهما وبعضهما البعض.
ان نقطة البداية في هذا التمترس هي ادراك حقيقة العلاقة بين كل من الدين والسياسة، ومن اجل توضيح ذلك فقد مثلت العلاقة بينهما كالعلاقة بين الانسان والحيوان، الانسان كائن حي، اي انه كان ميتا فأصبح حيا، وكذلك الحيوان، والانسان يموت والحيوان كذلك، الانسان يحتاج الى متطلبات للحفاظ على حياته مثل الاكل والشرب والحيوان كذلك، لكن كل ذلك التشابه لا يبرر القول بأن الانسان حيوان والحيوان انسان، فالإنسان انسان والحيوان حيوان، يتميز الانسان عن الحيوان بقدرته على الاختيار، الحيوان يعرف فقط ما يكفي من اجل البقاء على قيد الحياة، اي انه يعرف الطعام المناسب له والقدر الكافي له وكيفية الحصول عليه، انه يعرف كيف يحافظ على نسله، اما الانسان فإنه يعرف اكثر من ذلك، فهوعلى سبيل المثال يفرق بين الانواع المختلفة من الطعام وعندما تتاح له عملية الاختيار فانه يفضل بعض انواع الطعام على غيرها، انه يفرق بين اشياء كثيرة في الحياة فيعمل على الحصول على افضلها، تميز الانسان على الحيوان لان الله قد اعطاه العقل ولم يعط الحيوان ذلك، فالعقل هوالقدرة على المقارنة بين الاشياء والاحوال والظروف واختيار الافضل منها، لكن الاستفادة من العقل ليس شيئا حتميا، فالإنسان اذا اراد الاستفادة من العقل تمكن من ذلك واذا لم يرد فلم يستفد من ذلك، وفي هذه الحالة فان الانسان والحيوان يكونان سواء بل ان الانسان يكون اضل من الحيوان، يقول الله تعالى في سورة الانفال وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (23)، وفي سورة الاعراف وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)، اذن فان الانسان اما ان يكون انسانا حقيقيا عندما يستخدم عقله واما ان يكون حيوانا عندما لا يستخدم ذلك، ان ذلك ينعكس بشكل اوبأخر على كل من الدين والسياسة، فالدين والسياسة هما ظاهرتان انسانيتان، وبالتالي فانهما يكونا نابعين من الانسان الانسان او من الانسان الحيوان، وفي نفس الوقت فانه لا يمكن القول بانه لا توجد علاقة من اي نوع بين الانسان والحيوان، فعلى سبيل المثال ما كان للإنسان ان يبقى على قيد الحياة لولا وجود الحيوان، فالحيوان هو مصدر الغذاء للانسان، فالانسان لا يقدر على انتاج ما يحتاجه من غذاء في داخله ولذلك هومعتمد على الحيوان، صحيح ان الحيوان يعيش على النباتات وعلى بعضه البعض لكن لن يكون له اي قيمة على الاطلاق فوجوده وعدمه سواء، فمن لا ينتج الا نفسه فوجوده وعدمه سواء، وكذلك الامر فيما يخص كلا من الدين والسياسة، فقبل وجود الانسان لم يكن هناك لا دين ولا سياسة، اذن وجود كل منهما مرتبط بالإنسان، ومن ثم فان اي دين اوسياسة لا يفيد الانسان فهو دين وسياسة ميتة، الانسان هو الذي يعطي للدين وللسياسة الحياة من خلال توفير المتطلبات الضرورية لذلك، فان اصبح كل من الدين والسياسة غاية وليس وسيلة فان ذلك سيؤدي الى موت الانسان، وبالتالي موت كل من الدين والسياسة، المقصود بالدين هنا احتياج الانسان الى من يفوقه في كل من العلم والقدرة، وفي هذه الحالة فانه لا تناقض بين كون الانسان انسان يمارس كل ما يمتلك من قدرات وبين احتياجه الى من هواكبر منه قدرة وعلما، يحدث التناقض في حال إهمال الانسان لقدراته وطلبه من الاله ان يعوضه عن ذلك اوفي حال ان يطلب الاله من الانسان ان لا يمارس ما اعطاه من قدرات لاصبح الاعتماد عليه كليا..
وفي هذه الحالة يتم الخلط بين الدين والسياسة، في الواقع يوجد اديان متعددة، من ضمنها دين حق هوالذي يتوافق مع الفطرة، فما عداه فهي اديان باطلة لأنها تتعارض مع الفطرة، الفطرة هنا ان الانسان لديه بعض القدرات ولكنها لا تفي بكل حاجاته ولذلك فهو يحتاج الى اله قادر ليقوم ذلك، اما الاديان الباطلة فهي تحاول ان تحل محل الاله الحق اومحل الانسان، اذن فهي تقوم على الهة ضعيفة لا تعلم ولا تقدر اوانها تجعل الانسان الها لأخيه الانسان، وما من شك ان الدين الباطل ضرره اكبر من نفعه وبالتالي فعدمه افضل من وجوده، بمعنى ان عدم الايمان بالدين الباطل افضل من الايمان به، ولذلك كانت العلمانية في الغرب افضل من الدين، لكن الدين الحق افضل من العلمانية ومن الدين الباطل، الدين الحق هوالذي يقوم على الانسان بين الحقوق والواجبات، الطاعة في الدين تنبع من المحبة وليس من المصلحة، فالله تعالى لا يعاقب في الدنيا وانما يعاقب في الاخرة، وبما ان الاخرة ليست حاضرة فان عامل العقاب قد لا يكون دافعا للطاعة، اما عامل المحبة فإنه حاضر وبقوة، وبالتالي فإنه هومصدر الطاعة، فغير الله من آلهة فهم غير قادرين على خلق المحبة ومن ثم فإن طاعتهم تنبع من القوة والاكراه والاجبار، يقول الله تعالى في سورة البقرة «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)..
السياسة ضرورة في حال التجمع الانساني، وتنبع هذه الضرورة من حقيقة ان قيام الاجتماع قد خلق ظروفا جديدة ترتب عليها وظائف جديدة، هذه الوظائف اذا قام بها كل افراد المجتمع فان الاجتماع يكون ضررا ويكون من الافضل منه ان يتفرق الجمع، لقد حل الانسان هذه المشكلة من خلال السياسة اي ان تحدد هذه الوظائف ويوكل القيام بها الى بعض الناس وليس الى كل الناس يقوم بهذه الوظائف بصفتهم مكلفين من الناس لا باعتبارهم افرادا من افراد المجتمع، ان ذلك يحتاج الى توازن دقيق والا اختلت الامور، بمعنى اذا اوكلت الوظائف العامة الى الافراد باعتبارهم افرادا فان هؤلاء سينافسون الافراد، وبالتالي تتحول السياسة الى ظلم، وكذلك يكون الامر اذا اوكلت الوظائف الفردية الى رجال السياسة، فالفوضى ان يقوم الافراد بما كان يجب ان تقوم به السياسة افضل من الدكتاتورية اي ان يقوم فرد كسياسي بكل الاعمال الفردية والسياسية، لكن السياسة المنضبطة افضل من الفوضى والدكتاتورية، السياسة المنضبطة هي التي توازن بين الحقوق والواجبات، الدين الحق لا يحتاج الى قوة لفرضه ولا للحفاظ عليه ولا للوفاء بالالتزامات المترتبة عليه.
يقول الله في سورة الفتح هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)، اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)..
الدين غير الحق هوالذي يحتاج الى القوة ومن ثم فانه يتحالف مع السياسة غير المنضبطة اما الدين الحق فهولا يحتاج الى ذلك ومن ثم فانه لا يقبل السياسة غير المنضبطة، الطاعة في السياسة تنبع من المصالح والمقصود هنا بالمصالح المصالح المشروعة اي التي يقرها المجتمع..
يقول الله تعالى في سورة الكهف (( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)))..
ولذلك فان الطاعة في السياسة تحتاج الى قوة، فبدون القوة فانه لا يمكن اجبار بعض الناس على الوفاء بما التزموا به، حقيقة كلا من الدين والسياسة يتضمنان واجبات وحقوقا، فالواجبات لها معنى عندما يكون من الممكن اختيارها اي القبول بها اورفضها، والحقوق يكون لها معنى اذا ارتبطت بالواجبات، ونتيجة لذلك فان امام الانسان خيارات متعددة من الواجبات والحقوق سواء فيما يتعلق بالواجبات والحقوق الدينية اوالسياسية، وفي هذه الحالة فان على الانسان ان يختار احد الخيارات المتاحة له وفقا للنتائج المرغوبة وغير المرغوبة لهذه الخيارات، فما من دين الا ويحتوي على واجبات وحقوق يترتب على القيام بها او عدم القيام بها نتائج سلبية او ايجابية وكذلك فما من نظام سياسي الا ويقوم على واجبات وحقوق يترتب على القيام بها اوعدم القيام بها نتائج سلبية اوايجابية، ومن هذه الزاوية فانه يمكن القول بان هناك تشابها بين كل من الدين والسياسة، لكن هذا التشابه لا يبرر ان يكون الدين والسياسة شيء واحد، فالواجبات والحقوق الدينية يحددها الاله، اما الواجبات والحقوق السياسة يحددها الانسان، بما ان الاله غير الانسان فان واجبات وحقوق الدين غير الحقوق والواجبات السياسية، فكما ان هناك تفاوت بين كل من الحقوق والواجبات الدينية فان هناك تفاوت بين الحقوق والواجبات السياسية، الدين الحق هوالذي يقوم على اساس حرية الاختيار، وبالتالي فان حقوقه وواجباته تختلف جذريا عن حقوق وواجبات الاديان الباطلة، الدين الحق ينبع من عاطفة الحب ولذلك فهوفردي، الناس لا يحبون نفس الاشياء والامور وانما يختلفون كثيرا فيما يحبون وفيما يكرهون، فتوحيد الحب اي الدين يعني تحويل الدين من اساسه اي الاختيار والحب الى اسس اخرى تتناقض تماما مع طبيعة الدين، وفي هذه الحالة فانه يمكن القول بان هناك انسجاما اكبر بين الدين الحق والسياسة المنضبطة، اما الدين الباطل فهويقوم على اساس الاكراه، وفي هذه الحالة فان هناك قدرا من الانسجام بين الدين الباطل والدكتاتورية،فكلاهما يمثل الطاغوت، السياسة المنضبطة تقوم على اساس الاختيار المنضبط، ان هذه الازدواجية في السياسة قد جعلتها لا تتطابق تماما حتى مع الدين الحق لكنها ليست متنافرة معه، فالسياسة المنضبطة لا بد وان تنبع من اختيار الفرد لكن هذا الاختيار قد يتحول الى اكراه في وقت من الاوقات وذلك بخلاف الدين الحق الذي لا اكراه فيه، فعندما لا يكون الانسان قاتلا فإنه سيفضل معاقبة القاتل، لكن موقفه هذا قد يتغير اذا كان هوالقاتل، فحتى لا يسمح للناس بتغيير مواقفهم من القضايا الاساسية للتعايش فان مجرد الموافقة الأولية تكفي ولا يسمح له ان يغير رايه الا اذا تغير رأي من لم يقترف الفعل المجرم، اما الدين الحق فانه يسمح للإنسان ان يغير دينه، فذلك لا يهدد الدين وانما يضر بالإنسان نفسه وبالتالي فانه لا يؤثر على الاخرين سلبا بأي شكل من الاشكال..
يقول الله تعالى في سورة البقرة (( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)))، لكن السياسة المنضبطة لا تسمح بذلك فإذا غير القاتل رأيه بعد ارتكابه لجريمة القتل وعارض عملية القصاص فانه بذلك سيحمي نفسه وسيعرض حياة الاخرين للخطر، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى ان السماح له بذلك سيجعل الباقين يميلون الى ممارسة القتل، ولا شك ان ذلك سيجعل الجميع يعيشون في ظل خوف دائما، ولذلك فلا مجال هنا للحرية المطلقة..
من التحليل السابق يتضح ان كلا من الدين سواء الحق اوالباطل والسياسة سواء المنضبطة اوغير المنضبطة غير قابلين للتحديد من داخلهما، بمعنى ان الدين الحق يمكن ان يتحول الى باطل ولكن ليس العكس، فالدين الباطل لا يمكن ان يصلح ويتحول الى دين حق، وفي نفس الوقت فان السياسة المنضبطة يمكن ان تتحول الى سياسة غير منضبطة وليس العكس، ان النجاح في ارساء دين حق لا يعني ضمان استمرار ذلك الى قيام الساعة، فهناك يظل دائما احتمال تحول الدين الحق الى دين فاسد، الدين الحق هوعلاقة بين الله وبين عباده ولا يستطيع احد ان يطلع على هذه العلاقة سوى الله والعبد، وفي حالات عديدة هناك من ادعى انه على الدين الحق لكن الله كذب هذا الادعاء..
يقول الله في سورة التوبة إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143)، ويقول في سورة المنافقين إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)..
فلا ضمانة تنتج من تولي المتدين لا للحفاظ على الدين الحق ولا لتحقيق العدالة، ومن ثم فان اعتبار حكم المتدين ضرورة للحفاظ عليه اوللحفاظ على الحياة هوفي حقيقة الامر اداء باطل، فالتاريخ يشهد على حالات عديدة انحرفت فيها اديان كبيرة، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)، ويقول الله تعالى في سورة البقرة وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79)، انَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176).
بل ان القران قد اورد اشارات كثيرة على امكانية حدوث مثل ذلك في الامة الاسلامية، يقول الله تعالى في سورة الانعام إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (159)، وفي سورة الروم: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)، وفي سورة الحديد أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)، وفي سورة النحل وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (96)..
ونتيجة لذلك فان الاشتباك بين الدين والسياسة ظل امرا مورقا للإنسان على مدى التاريخ، ومن يستقرئ التاريخ سيجد امثلة لا حصر لها لتحول الدين الى سياسة والسياسة الى دين، فقد استخدم الدين من اجل تبرير ظلم الناس واخضاعهم لهم بشكل بشع يتناقض مع ابسط قواعد الدين، ومن اجل ذلك فانه لا بد من التمييز بين الدين الحق والدين غير الحق، الدين الحق هومن يحافظ على حرية الانسان في الاقتناع بالدين الذي يرغب به، اما ان يجبر الناس على الدخول في اي دين من الاديان فان ذلك يتحول الى طاغوت اي الى نوع ظالم من السياسة، وفي سورة النساء أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50)..
وهناك كثير من الانظمة السياسة التي تحولت الى دين باطل من اجل ظلم الاخرين، (( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)))، فقد تمكن فرعون من استخدام الدين لجعل قومه يطيعوه في ظلم بني اسرائيل..
فلولا الخطاب الديني لما قبل المصريون الممارسات الظالمة التي كان فرعون وملأه يوقعها على بني اسرائيل، ومن المفارقات التاريخية فان بني اسرائيل فيما بعد قد استخدموا الدين لتبرير ممارساتهم السياسة الظالمة..
يقول الله في سورة الاسراء (( وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)))..
فلم يمنع ما انزله الله على بني اسرائيل من الكتاب في منعهم من ممارسة الظلم فيما بعد، فقد تمكن بنو اسرائيل من تحريف كلام الله وتبرير الظلم والاستعباد لغيرهم، وبما ان الانسان يحتاج الى كل من الدين ومن السياسة فانه كذلك بالضرورة يحتاج الى ضابط يضبطهما، فبدون ذلك فان كلا من الدين والسياسة لم يستطيعا ان يتعايشا، بل ان كل منهما قد جنى على الاخر، ولحسن الحظ فان هذا الضابط بسيط ومعروف آلا هوالعدل، فالعدل في هذه الحالة يجب ان يكون له اولوية على كل من الدين والسياسة، فالدين بدون عدل قد ينحرف والسياسة بدون عدل قد تنحرف، فقط يمكن ان ينضبطا اذا وجد العدل قبلهما واستمر مرجعية لكل منهما، العدل يقوم على قبول انساني شامل، فما من انسان الا وهويحب العدل وخصوصا اذا لم يكن طرفا في الموضوع، فما من انسان الا يكره ان يرى انسانا يقتل انسانا اخر بدون اي مبرر ويكره ان يرى انسانا يسطو على مال انسان اخر من دون رضاه ويكره ان يرى انسانا ينتقص من كرامة انسان اخر، العدل هوالذي يضبط كلا من الدين والسياسة والعلاقة بينهما، فأي تحاور اوتفاوض بين الناس يجب ان ينطلق من العدل وان يكون العدل مرجعيته، فبدون ذلك فانه لا يمكن التوصل الى اتفاق عادل وقابل للاستمرار، فقد يستطيع القوي ان يفرض ما يريد على الضعيف لكن موازين القوة لا تبقى ثابتة فإذا ما تغيرت فان الضعيف يصير قويا وبالتالي ظالما بعد ان كان مظلوماً..يقول الله تعالى في سورة غافر (( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)))..يقول مؤمن فرعون لقومه لا تغتروا بقدرتكم على الظلم وتحديد القواعد الظالمة التي تعتقدون انها في صالحكم، فعليكم ان تعتبروا من التاريخ، فموازين القوة قبلكم لم تكن ثابتة، فالقوي اليوم يكون ضعيفا في المستقبل والعكس بالعكس، فالعدل هوالذي يبقى وهوالذي يحمي الضعيف والقوي وبالتالي فلا تكون القوة ضرورة كما تعتقدون، يا قومي انتم اليوم اقوى من بني اسرائيل وبالتالي فان قوتكم قد تمكنكم من فعل ما تشاءون، لكن سيأتي يوما تكونون فيها الطرف الاضعف، فإذا ما حاولتم حينئذ التوقي بالعدل فلن يقبل منكم احداً ذلك لأنكم انتم اول من تجاهل العدل، العدل هوالذي يحمي جميع الاديان والعدل هوالذي يحمي جميع المواطنين وجميع الدول، وعلى هذا الاساس فانه يجب ان يكون هدفا للجميع ومرجعية للجميع، فمن يعتقد ان دينه افضل من العدل فهو واهم ومن يعتقد ان قوته اقوى من العدل فهو كاذب، صحيح ان العدل قد يتناقض مع بعض مسلمات بعض الاديان وبعض القوى السياسية لكن العدل لا يلغي كل الاديان وكل القوى السياسة، فقط في حال الاحتكام الى العدل تتعايش كل الاديان سواء كانت حقاً اوباطل وكل الثقافات سواء كانت مقبولة من الجميع ام لم تكن كذلك، ومن الغريب في الامر ان هناك من المسلمين من يعتبر ان قواعد العدل قد تتعارض مع الدين الاسلامي ولا شك ان ذلك رأي قاصر، فالله عدل وهو الذي وضع قواعد العدل في طبيعة الانسان، ومن ثم فان ما استحسنه الله يستحسنه العقل البشري والعكس بالعكس، فلا يوجد في القران شيئ استحسنه الله اواستقبحه وذهب العقل البشري الى خلاف ذلك، لكن ذلك لا ينطبق على ما يطلق عليه الشريعة الاسلامية والتي هي في جوهرها اجتهادات من البشر قد تخطئ اوتصيب.
يقول الله تعالى سورة النساء «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)، وفي سورة النساء ايضاً «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)، وفي سورة المائدة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)، وفي سورة الانعام وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)، وفي سورة هود (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)، وفي سورة الحجرات (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى امر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين)، وفي سورة ال عمران (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)، إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)، وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29).،لم يكتف القرآن بالحض على العدل وانما وضع له تعريفاً واضحاً محدداً، يقول الله تعالى في سورة الشورى وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)، وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (43)..
وقد كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترجمة حرفية لذلك، فقد تعامل مع قومه بالعدل وتعامل مع اصحابه بالعدل وتعامل مع من خالفه بالعدل، فأول شيئ قام به رسول صلى الله عليه وسلم عندما قدم الى المدينة هوالتفاوض مع كل الطوائف الموجودة فيها وفقاً لأسس العدل لا الدين، وكانت اتفاقية المدينة عادلة للجميع والتزم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وفاته، وعندما فتح الله له مكة تعامل مع اهلها وفقاً للعدل، وعندما اختلف معهم احتكم الى العدل، وعندما تعامل مع القبائل في الجزيرة العربية تعامل معهم بالعدل وعندما وجه رسائله الى الامم في وقته تعامل بالعدل، لكن العرب والمسلمين اليوم يحاربون العدل بحجة ان ذلك يتناقض مع الدين الاسلامي، فهناك من يقتل الناس بدون حق وهناك من يقتل المسلمين بدون حق وهناك من يستبيح قتل الاسرى وهناك من يشجع على ظلم من يخالفه وهناك من يختطف الابرياء ويحاول ان يحصل على فدية منه مستندا الى الاسلام وهناك من يمارسوا العلاقات الجنسية غير العادلة تقرباً الى الله، وهناك من يدعوالناس الى اطاعة ولي الامر باعتباره طاعة بغض النظر عن تطبيقه للعدل او خروجه عنه، ومن اجل ذلك يصر هؤلاء ان الدين هو السياسة والسياسة هي الدين كي يتمكنوا من ممارسة الظلم اما من خلال تفسيراتهم الباطلة للدين واما ان يمارس ظلمهم استنادا الى قوتهم السياسية، ففي حقيقة امرهم فلم ليسوا متدينين وليسوا سياسيين، انهم فقط حيوانات على صورة بشر، الدين دين والسياسة سياسة والذي يفصل بينهم هوالعدل، كما ان البشر بشر والحيوانات حيوانات والذي يفصل بينهم هوالعقل، فعلينا في العالم العربي ان نبحث على العقل والعدل قبل ان نبحث عن الدين والسياسة.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
هكذا يُنفّذ اتفاق الرياض!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: الطرابلسي وزير سياحة تونس تصهيُنٌ؟ أم تجنُّس؟
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: سيسيٌّ تاجر بالبحر والبر
عبدالسلام التويتي
مقالات
دكتور/عبدالعزيز المقالحفي هجاء الظلام القبيح
دكتور/عبدالعزيز المقالح
كاتب/حسين العواضيالشعوب الجافة!!
كاتب/حسين العواضي
كلمة  26 سبتمبرأكتوبر المجد
كلمة 26 سبتمبر
كاتب/حسين العواضيأيام الجرأة!!
كاتب/حسين العواضي
دكتور/عبدالعزيز المقالحوقفة مع الشاعر الكبير محمد الشرفي
دكتور/عبدالعزيز المقالح
مشاهدة المزيد