الإثنين 14-10-2019 04:02:33 ص
ليس للإبداع مكان في يمن الإيمان
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 10 أشهر و 3 أيام
الأحد 09 ديسمبر-كانون الأول 2018 08:00 م

بالرغم من أن اليمن السعيد وارث واحدة من أقدم حضارات العالم، وبالرغم من كثرة وشهرة الشواهد الآثارية الدالة على عراقة حضارته ورفعة مكانته، وبالرغم من إشادة الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- بأصالة إيمانه وحكمته إشادةً بوأته منزلة أسمى من منازل أمثاله، وبالرغم من أن رُقي تفكيره وسلامة فطرته كانا يحملان شرائحه المجتمعية العامة وعلى رأسها نخبه الحاكمة -على مرِّ التأريخ- على الاهتداء إلى الحق بمجرد دعوته برسالة، فإن ما يتسِّم به اليمن أرضًا وإنسانًا من وضع متخلف في العصر الراهن جعل العالم بأسره يأخذ عنَّا وعن بلدنا انطباعًا خاطئًا معتبرًا إياه -بسبب ما يُعانيه من تخلُّف مزمن- أنموذجًا للتخلف على مرِّ الزمن، ومن المؤسف حقًّا أنَّ الكثير من السلوكيات التي تُمارَس على مستوى الأفراد والجماعات تعزز هذا الانطباع الخطير إلى حدٍّ كبير.
وإن أيَّ بحث متأنٍّ في جذور هذه الإشكالية التي أدت إلى تشويه الوطن إلى حدِّ إيهام العالم أنَّ التخلُّف ملازمٌ له بصورة أزليّة، سيستنتج أنَّ الشعب اليمني ضحيَّة تجهيل مُمنهج وقفت وراءه ورعته بعض النخب الحاكمة غير المؤهلة لإدارة ما عاصرها من مرحلة والتي غالبًا ما يؤول إليها -على حين غفلة من الزمن- الإمساك بمقاليد الأمور في اليمن والتي كان يحملها تدنِّي كفاءتها وانحطاط همتها وقلة أمانتها وخبث سرائرها وموت ضمائرها إلى إدناء الفاشلين وتمكينهم من المواقع الوظيفية والإدارية الحساسة في مقابل إقصاء الكفاءات والطاقات الإبداعية الخلاقة التي يعوَّل عليها إحداث ثورة نهضوية شاملة.
وقد هدفت هذه النخب المتحالفة مع الفساد -من وراء اعتماد المعايير المعكوسة بصورة مدروسة- إلى تحقيق هدفين اثنين هما:
تأبيد أنفسهم وذويهم في كراسي السلطة: إذ لم يكن يتسنى لهم ذلك إلاَّ من خلال خلق واقع سياسي وإداري على قدر من السوء اللامحدود بحيث يكونوا هم أفضل الموجود، إذ لو كان المشهد قد تزوَّد -في منظومته الإدارية والسياسية- بأقل عدد من صنف المُبدعين المستبعد، لكانوا هم عُرْضةً للاستبدال والتهميش ولتجاوزهم الواقع الإداري والسياسي والمجتمعي المعيش، ولعاد الحقُّ إلى أهله، ولحصر الجاهل في الأعمال التي تتناسب وجهله.
الاستمرار على الدوام في التهام المال العام: لأنَّ الموظف أو المسؤول الذي يتبوأ المكانة الوظيفة أو الإدارية التي لا يستحقها -لا سيما إذا كان يُذكَّر من وقت إلى آخر أنّه لم يأخذها بحقها- سينحصر جُلَّ همه في إظهار الولاء لولي نِعَمِه، ولا يألو جهدًا في التستُّر على مفاسده، ولا يفتر عن التسبيح بحمده والترويج المُبالغ فيه له، متصنعًا الولع بشخصه إلى حدِّ الوله.
وقد ضمن أحد أساطين الفساد -على سبيل المثال- لأكثر من ثلث قرن ديمومة الاستئثار بكافَّة الموارد المالية للبلد، باستثناء ما كانت تجود به نفسه الأمارة بالسوء -لأدوات تجذير فساده ومجملي قُبح مفاسده- من فتات، في الوقت الذي ظل الشعب يتجرَّع مرارة تدهور معيشته ورداءة مستوى ما يقدَّم لهُ من خدمات.
وفي هذه الأجواء القاتمة السواد ينقسم جُلُّ المُبدعين المُبعدين إلى صنفين هما:
صنفٌ متهجِّر: ويضم هذا الصنف المُدعين الذين يُساعدهم تفاؤلهم وسعة صدورهم وحُسن حظهم على اتخاذ قرار السفر على أمل أن يثبوا ذواتهم في المهجر، فلا يلبثوا أن يحققوا خارج وطنهم في زمن قصير نجاحاتٍ منقطعة النظير.
صنفٌ متقهقر: ويشمل هذا الصنف المُبدعين القليلي الحيلة الذين سرعان ما يتسبب ضيق صدورهم بتفشي الفساد في كلِّ ربوع البلاد بإصابتهم بحالة من الإحباط الشديد، فإذا هم -نتيجة شعورهم بأن إبداعاتهم مكبَّلة- قد غدوا قوة عاملة معطلة أو ذواتٍ مهملة.
ومن خلال مُعايشتي بعض فصول هذا الواقع المأساوي يمكنني أن أختزل انطباعي عنه في الأبيات التالية:

لَقَدْ بَاتَتْ سَعِيْدَةُ أَرْضِ يَعْرُب بِفِعْلِ الْمُفْسِدِيْنَ بِلا سِعَادَة
فَمُبْدِعُهَا تَهَجَّرَ أَوْ تَقَهْقَرَ وَحَمْقَاهَا تَسَنَّمُوْا الْقِيِادَة
وَلَنْ تُسْتَأْصَلَ الْحُمَّى سِوَى بِالـ تَحَلِّيْ بَالشَّجَاعَةِ وَالإِرَادَة

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
النظام السعودي ومناورة الوهم!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: نموذجُ جود مُتَمَيِّز من الحالمة تعز
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ بسام ابو شريف
أمن تركيا لايتحقق بغزو الأراضي العربية السورية
كاتب/ بسام ابو شريف
مقالات
كلمة  26 سبتمبرالسلام المشرف!!
كلمة 26 سبتمبر
عقيد/جمال محمد القيزوزير الثقافة الجهد الغائب ؟!
عقيد/جمال محمد القيز
مشاهدة المزيد