الأحد 20-10-2019 05:52:25 ص
بوح اليراع: بين عام يمضي وآخر يأتي
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 9 أشهر و 14 يوماً
الجمعة 04 يناير-كانون الثاني 2019 05:24 م

ما أكثر ما تتوالى علينا الأعوام، فتمر على معظمنا إلاَّ مرور الكرام، وقد يظنُّ البعض مِنَّا (أنَّهُمْ يُحْسِنُوْنَ صُنْعًا) سورة الكهف من الآية: (104)، حينما يقعون في الخطأ يتفاعلون مع مناسبة انصرام العام الذي انقضى وإطلالة العام الذي أتى بهذا القدر أو ذاك من مظاهر الاحتفاء الذي لا يتجاوز كونهُ تقليدًا أعمى، أما الغالبيَّة العُظمى فمنصرفون –على مدار العام- للانهماك والالتهاء بأعمالنا الروتينية دون اهتمام يُذكر بما يتعاقب علينا من السنين وكأننا بها غير معنيين، كما لو كنا سنبقى في هذه الدنيا من المخلدين.
والقليل القليل منَّا من يحسُّ بمرور هذه السنين مدركًا إدراك يقين بأنها استهلاك مستمر من رصيد العمُر الذي سُرعان ما تنقضي سنونه بأسرع ممَّا نتصور، كون هذا العدد القليل الذي لم تجد الدنيا وزُخْرُفُها إلى التمكن من قلبه أدنى سبيل دائم التذكُّر وبحاسَّة المعتبر أنَّ لكل امرئ أجلاً موقوتًا لا يمكن أن يتقدم عن موعده أو يتأخر.
وما أجدرنا -تأسيًّا بهذه القلَّة واستفادة من تجاربها- أن تستجمع كلَّ ما حبانا الله -سبحانه- من ملكات ومواهب وحواس، ونستحضر -بكلِّ رهافة إحساس- رهبة وقوفنا بين عامين في منطقة التماس، فنعمد إلى الأمرين التاليين:
1- العودة القهقرى والاستدارة إلى الوراء ثمَّ ننظر نظرة تدبُّر فاحصة وشاملة إلى كل ما اكتسبته أيدينا وجوارحنا طيلة سنة كاملة، فنحمد الله -جلَّ في عُلاه- على توفيقه إيانا إلى عمل ما عملناه من الصالحات على أمل أنها قد أثبتت في سجل الحسنات، ونستغفره ونتوب إليه -جلَّ شأنه- ممَّا اقترفناه في أوقات ضعفنا من المعاصي والمحرَّمات مستعيذين به -سبحانه- من أن تكون في الحياة وبعد الممات سببًا في إثقال كواهلنا بالأوزار والسيئات مُسارعين إلى إعلان التوبة النصوح ممَّا وقعنا فيه من الزلل وممَّا يكون قد اعترى عباداتنا -دون قصدٍ منَّا- من نقص أو خلل مشفوعة بعقد العزم على الإقلاع عن المعاصي والذنوب وعن سُبل المذنبين والعُصاة مهما امتدت بنا الحياة، عسى الله أن يرحمنا ويغفر لنا الزلات، فنكون من المشمولين بقوله -تعالى-: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الفرقان من الآية: (٦٩).
2- الوقوف على عتبة العام الآتي وقفة عزم وحزم معاهدين النفس على جعله من أوله عامًا حافلاً بأعمال البر والخير عاقدين النيَّة على العمل أولاً بأول على الحيلولة دون استشراء المفاسد والدفع باتجاه تجذُّر المصالح، وتبنِّي منهجية إرساء مبدإ العفو والتسامح، لما من شأنه الإسهام في إحياء ما هو آخذٌ في الانمحاء من مبادئ وقيم وتعاليم الإسلام التي أصبح المتشبِّثون بها -في عصرنا المُثقل بكلِّ ألوان الظلم والإجرام- أشبه بالأيتام في مائدة اللئام.
وممَّا هو معلوم من الدين إلى درجة اليقين أن بني آدم قد مُنحوا ما مُنحوه من الأعمار والملكات والقوى البدنية والعقلية ما يصبحون بها أهلاً للمسؤولية، وزُوِّدوا بكلِّ أسباب الهداية، وحُذروا من الانزلاق إلى مستنقعات الضلالة والغواية، ثمَّ أوكل إليهم الاستخلاف في الأرض وما عليها من الكائنات وأنيط بهم -في مختلف مواقعهم- مهمة عمارتها بالمعنى الشامل، بما في ذلك العمل بشكلٍ دؤوب ومتواصل على إرساء دعائم الحق واستئصال شأفة الباطل، وهم في كلِّ هذا كانوا وما يزالون وسيظلون -جيلاً بعد جيل- في حالة اختبار، مهما امتدت بهم الأعمار، على اعتبار أن الحياة الدنيا دار ممر وليس من الموت من مفر، ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار﴾ غافر من الآية: (39).
والمرء منَّا إزاء الدار الآخرة -بالنظر إلى ما يُقدِّم لنفسه- بين احتمالين، إمَّا ﴿جَنَّاتُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ سورة البقرة من الآية: (25) بكل ما أعِدَّ فيها من نعيم مقيم للأبرار، وإمَّا ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ إبراهيم من الآية: (28) بما أعِدَّ فيها من دركات للعصاة والكفار.
وما دام المرء حيًّا، فإنَّه ما يزال في فُسحةٍ من أمره، وما دام يتمتع بما حباه الله من ملكات يُميِّز بها ما ينفعه عمَّا يضره، فما تزال لديه الفرصة والقدرة على إحسان اختيار مُستقرِّه.
ولن يتسنَّى له ذلك ما لم يكن -بصفة دائمة- على قناعة تامَّة بأنَّ الحياة الدنيا مجرَّد حلمٍ عابر، وأن العاقبة الحسنة لكلِّ تقيٍّ صابر، وحسبُنا أن نتمثل في ذلك قول الشاعر:

خُذِ الدُّنْيَا بِيُسْــــرٍ وَاِجْتَهِدْ فِيْ بُلُوغِ الْخُلْدِ فِيْ دَارِ السَّــــلامِ
وَلا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا كَـــــثِيْرًا فَتَسْتَبِقِ الحَلالَ إِلَى الْحَـــرَامِ
(فَمَا الدُّنْيَا سَوَى قَبَسٍ ضَئِيْلٍ مِنَ النُّــوْرِ المُطَوَّقِ بِالظَّلامِ)