الأربعاء 23-10-2019 08:11:57 ص
بوح اليراع:مستويات التضحية في معيار الوطنية
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 9 أشهر و 13 يوماً
الثلاثاء 08 يناير-كانون الثاني 2019 07:42 م

البذل في سبيل الآخرين بحسن نيَّة يِعدُّ تضحية نسبيَّة، لكن البذل من أجلهم وفي سبيلهم إلى درجة إيثارهم على ذات الباذل دون انتظار أيِّ مُقابل هو نوع راقٍ من التضحية يرتقي بأصحابه الأفاضل إلى مصاف المؤثرين القلائل.
ومن الإنصاف أن لا تُقاس أهميَّة التضحية بثمنها المادي أو بقدر اعتماد المُضحَّى من أجله عليها، وإنما تُقاس أهميَّتها بما تعكسه في ذات المُضحي من سخاء يجعله يؤثر بها المُضحى من أجله على نفسه وهو بهذا المستوى أو ذاك من الاحتياج إليها.
والتضحيات -بالنظر إلى التضحية وإلى المُضحى من أجله- مستويات نبينها في ما هو آت:
أ- مستويات التضحيات من زاوية المُضَحَّى من أجلهم:
1) التضحية من أجل شخص واحد: وغالباً ما تكون في سبيل قريب أو حبيب، وهي وإن كانت أمرًا مُحبَّذًا ومرغوبًا أو موقفًا إنسانيًّا مطلوبًا يُساهم في صقل جمال الحياة وبهائها ونظارتها وتهيئة مناخات شيوع الحب الفطري على المستوى الأسري، فإنها لا تمثل إلى أدنى مراتب التضحيات، لأنها في جانب من جوانبها تعكس وجهًا من وجوه أنانية صاحبها.
2) التضحية من أجل وحدة بنائية مجتمعية محدودة: وقد يكون هذا النوع من التضحية في سبيل أسرة أو في سبيل قبيلة أو في سبيل جماعة أو في سبيل حزب سياسي أو مذهبي، وهذا النوع من التضحية إذا لم يتحرَّ صاحبه الصواب والأحقيَّة، فإن سلبياته تتجاوز -في الأغلب الأعمِّ- إيجابياته، فقد تكون التضحية -في أجواء التنافس والتناظر البالغ مستوى من مستويات التجادُل- سببًا في وقوف المضحي أو الباذل ضدَّ الحقِّ نُصرةّ للباطل.
3) التضحية في سبيل الأخلدين الوطن والدين: وتُعتبر التضحية في سبيلهما أو فى سبيل أيٍّ منهما أعظم التضحيات على الإطلاق وأجدرها بالزحام والسباق، ولا يمكن أن يُقدم عليها إلاَّ أشدُّ الناس تحليًّا بمكارم الأخلاق، لأنهم لا يرجون نظير تضحيتهم جزاءً ولا شُكورًا، ولا يبتغون بها شُهرةً أو حضورًا، ولا يسعون إلى تسجيل موقفٍ، فتصنَّعوها كذبًا وزورا، بقدر ما يهدفون بعزيمة أكيدة إلى الدفاع عن صحيح العقيدة وعن حياض الوطن، فيضحون بلا حدود من أجل حراسة الحدود، وصيانة الأعراض، واجتثاث شأفة الأمراض، ونصرة المظلوم، وإعطاء المحروم، وإدخال السرور على قلب الضعيف والمحتاج والمهموم ابتغاء مرضاة الحيِّ القيُّوم.
ب- مستوياتها بالنظر إلى ماهيتها:
1) التضحية بالمال: والتضحية به بالنظر إلى أن النفس البشرية مجبولة على حبِّه وعلى التشبث به تُعتبر تضحية على قدر من الأهميَّة، لا سيما إذا طابقت السريرة العلانية وصدقت النيَّة وخلت من أيَّة مقاصد أو غايات دنيويَّة وكانت خالصة لله نصرة لمن والاه.
لكن هذا النوع من التضحية -على أهميَّته- يظلُّ ممكن الاحتمال، ولا يرقى إلى مستوى التضحية بالنفس، لأن التضحية بالمال قد تشوبها -لا سيما في نفوس بعض الأثرياء- شائبةٌ من سُمعةٍ أو رياء.
2) التضحية بالنفس: تُعتبر أعلى مرتبة من التضحية بالمال، لأن المال قد يُعوض، بخلاف النفس التي لا تعوض، باعتبارها عطيَّة الله لقضاء مشوار الحياة وتمتُّع الشخص بكل النعم التي أنعم الله بها عليه وحباه.
والتضحية بالنفس هيَ بيع الشخص ذاته من الله وترك نعم الحياة الدنيا طمعًا بما قد يناله عنده من جزيل الأجر والثواب في الحياة الأخرى إيمانًا منه أنَّ (مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى) سورة فصلت من الآية: (60).
وبالرغم من أنَّ (الجودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غايةِ الجُودِ)، فإنَّ التضحيَّة بها تظلُّ –على أيَّة حال- أدنى مرتبة من التضحية بالنفس والمال.
3) التضحية بالنفس والمال: وهذا النوع من التضحية هو أعلى أنواع التضحية على الإطلاق، لأنَّ صاحبها يُقْدِم عليها عاقدًا العزم على الانسلاخ عن الدنيا الفانية، فيعمِد إلى إنفاق أمواله في سبيل إعلاء كلمة الله كفالةً ودعوةً وجهادًا باستثناء ما يتزوَّد به في رحلته الدعويَّة أو الجهاديَّة، فلا يلبث أن يلقى الله وقد قَبِلَ منه البيع وأجزل له الثمن والريع مصداقًا لقوله -بارك وتعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) سورة التوبة من الآية: (111).
وكم هو حريٌّ بنا أنْ نُخاطب كلِّ مُضَحٍ -في وقتنا الراهِن- ذودًا عن حياض الوطن وذبًّا عن ثوابت الدِّين قائلين:

يَـا مَنْ بَذَلْتَ الرُّوْحَ مِنْ أَجْلِ الوَطَنْ      وَدَرَأْتَ عَنْ صَنْعَاءَ مَا تَصْلَى عَدَنْ
إِنَّ الإمَارِيِّيْنَ عَــــــــاثُوْا فِي الْبِلادْ       وَكَذَا ابْنُ سَلْمَانٍ يُعَرْبِدُ عَـــــامِدًا
فَانْزُلْ بِهِمْ بأسًــــا يَخُضُّ عُرُوْشَهُمْ       خَضًّـا، وَكُنْ - فِي النَّيْلِ مِنْهُمْ- مَـارِدًا