الخميس 20-06-2019 03:10:18 ص
المُغَنِّي الأوبرالي بوتشيللي في السعودية، وقداسة بابا الفاتيكان في الإمارات
بقلم/ دكتور/عبدالعزيز بن حبتور
نشر منذ: 4 أشهر و 7 أيام
الأحد 10 فبراير-شباط 2019 07:58 م
 

 استمتعت الجماهير النُخبَوية في كلٍّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بحدثين لافتين و(هامين جداً) في مطلع شهر فبراير 2019م. وهذان الحدثان لهما دلالات متناقضة بين صناعة الفرح والبهجة المُصطنعة من جهة، وبين التراجيديا الإنسانية الجارية في أبشع صورها ومظاهرها من ناحية ثانية.. التضاد! والتضاد في الأشياء لا يخلق معادلة منطقية للاستنتاج، بل هي أنموذج بائس في ملهاة التاريخ الذي تحدث عنه الفلاسفة في أزمنة وأمكنة أُخَر. وسنستعرض هنا هذين الحدثين البارزين اللذين شهدتهما المنطقة:


أولاً: الحدث الفني الأوبرالي التوسكاني:

تابع المشاهدون باهتمام كبير عبر الشاشات الفضية للقنوات الفضائيّة ومواقع شبكة الإنترنت من شرق الوطن العربي وغربه، وربما المُتابع في العالم الإسلامي من مشارق الأرض ومغاربها، تلك المهرجانات الفنية الغنائية التي تُقام ولأول مرة في تاريخ أرض الحرمين الشريفين في محافظة العُلا بالسعودية. استمع واستمتع الجمهور بالسعودية لأصوات فنانين عرب وأجانب جُلهم من فناني الصف الأول، والطريف جداً أن يتم استقدام الفنان الأوبرالي التوسكاني العالمي/ أندريا بوتشيللي إلى أرض الحرمين الشريفين ليقدم للجمهور أجمل معزوفاته وألحانه العذبة بصوته الشجي الرخيم؛ حيث قدم روائعه الفنية مساء الجمعة بتاريخ 1 فبراير 2019م، متمنطقاً بالكوفية والعقال العربي الصحراوي، وكانت أمسية رائعة ومتعة بحق لا تضاهيها متعة لمن يعشق الفن الأوبرالي الذي اشتهرت به أوروبا من زمن بعيد. هذه المهرجانات الفنية هي بادرة حسنة لترطيب الفكر والثقافة الوهابية المتشددة جداً تجاه الفنون والثقافات الأخرى بألوانها وتجاه الرأي المُخالف بأشكاله، وهي بمعايير يومنا هذا لغة العصر الحديث في عالمنا المعاصر. علاوة على أنها فنون تبعث البهجة والسرور لدى المشاهد والمستمع على حدٍّ سواء؛ وهي إذا ما نجحت التجربة لاحقاً ستقرب المملكة إلى محيطها العربي الإنساني وتبعدها عن لغة التكفير والتشدد والعدوانية تجاه الآخرين. نحن لسنا في موقع النقد هنا لهذا الخطاب والأسلوب الثقافي الجديد الذي اتبعته قيادة المملكة السعودية منذ وقتٍ قريب، لكننا وغيرنا من المتابعين من الرأي العام العربي والإنساني نقول: كيف يمكن أن نفهم ذلك القفز في المجهول باتباع أسلوب ثقافي ثوري وراديكالي حاد تجاه التعامل مع الثقافة بأساليبها الجديدة، والتخلي عن لغة التشدد والتعصب والأحكام الجاهزة ضد الغير (لغة من يسمونهم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)؟!!، وهذا بتقدير العديد من المراقبين هو الانقلاب الإيجابي الذي تم اتباعه، علماً بأن العديد من دول الجزيرة العربية قد سبقتهم في هذا المجال بعقود طويله على سبيل المثال بالرجوع إلى التجربة الثقافية في الكويت وعُمان والبحرين ودبي.

لكن كيف يمكن أن يستقيم هذا الانقلاب الثقافي السعودي الوهابي باتجاه استيعاب الفنون والنغم الغربي والحرف اللاتيني والأوركسترا العالمية، وهي لا تزال أي القيادة السعودية تعتدي اعتداءً إجرامياً على الشعب اليمني صباح مساء، تقتلهم بالصواريخ الحارقة والقنابل العنقودية وتحاصرهم من الجو والبحر والبر وتمنع عنهم وصول الدواء والرواتب للموظفين البسطاء الذين يعانون الأمرين من تداعيات العدوان عليهم، نحن نسأل فحسب: هل يستقيم التسامح الفني والثقافي مع حجم ما يُرتكب من جرائم بحق شعب جار ومسلم وشقيق؟!!.

 

ثانياً: الحدث اللاهوتي البابوي:

وهو وصول البابا فرانسيس بابا الفاتيكان إلى أبوظبي يوم الأحد بتاريخ 3 فبراير 2019م، وكان في استقباله حشد هائل من الأعلام والإعلاميين قُدِّروا بـ700 صحفي قادمين من ثلاثين دولة عربية وإسلامية وأجنبية، يتقدمهم الشيخ محمد بن زايد بن سلطان آل نهيان ولي عهد أبوظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة والقابض على مفاصل السلطة في الإمارات، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي ونائب رئيس مجلس الوزراء بالإمارات، يصاحبهم فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف وحشد هائل من المستقبلين الرسميين والشعبيين وغيرهم.

بطبيعة الحال هذه الزيارة هي اختراق غير مسبوق في تاريخ الجزيرة العربية كله، أن يأتي البابا بقضه وقضيضه لزيارة دولة مسلمة وقادة من الأمراء متفتحين للتعامل مع جميع الديانات بما فيها المذهب البابوي الكاثوليكي المسيحي، وهذا أمر مفهوم ومُقدر خاصةً إذا ما علمنا بأن الإمارات السبع يرتادها ملايين الزوار الأجانب من جميع بقاع العالم وبضمنهم المسيحيون، لكن أجزم بأن ليس هناك أَي عربي إماراتي واحد قد تنصر أو تهود برغم ذلك الانفتاح الديني والثقافي والترويحي السياحي.

وتمت إقامة قداس ديني مسيحي مَهيب وصاخب في ملعب الشيخ زايد بن سلطان رحمة الله عليه وخصصت إحدى فقرات القداس للصلاة من أجل إيقاف الحرب في اليمن، وهذا باقتراحٍ من البابا ذاته، وهنا نوجه له التحية والتقدير والعرفان، لأنه ذكر المأساة وتعاطف مع ضحاياها وبكى وصلى من أجل اليمنيين، نعم هكذا كما درسنا وتعلمنا من الكتب السماوية الثلاثة بأن روح الأديان السماوية جميعها تفيض مودةً وحباً وسلاما.

نعم الأديان السماوية قامت وتأسست على التآخي والتسامح والعدل، لكن السياسة والأطماع والاستعلاء هي ما أفسد روح الدين ومضمونه، وهذا حدث في أكثر من زمن ومكان في التاريخ، لكن ما يهمنا هنا هو طرح السؤال البديهي لحكام الإمارات، والذي يطرحه غالبية الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج، الذي يقول: ما هي مصلحة شيوخ الإمارات في عدوانها على الشعب اليمني ؟!!

وهل يتسق كل هذا الضجيج الإعلامي باستقدام البابا إلى أبوظبي والتوقيع على وثيقة عصماء تنادي بالانفتاح والتعايش والتآخي بين جميع البشر، والإمارات تقوم باحتلال أجزاء من الأراضي اليمنية وتقيم فيها شتى أنواع التنكيل باليمنيين، وتمارس انتهاكات لا إنسانية بحق من يخالفها الرأي وتقيم لهم السجون السرية و تتلذذ بتعذيبهم وإخفائهم قسراً وتنتهك كل الأعراض بهم، هل ينسجم ذلك الأمر مع دعوة الرجل (الطيب) البابا، إليكم وعمل ذلك المهرجان الضخم؟!!

كل هذه التساؤلات الدامية تُسألون عنها اليوم وغداً من الرأي العام اليمني والعربي والإنساني وفِي يوم الدينونة في الآخرة ستُسألون عنها من رب العباد جل في سماه.

 

الخلاصة:

إن كل ما أنجزتموه في الجانبين الفني والتسامح الديني خلال الأسبوع الماضي لن يغفر لكم مثقال ذرة تجاه ما ارتكبتموه بحق الشعب اليمني، ونصيحة العقلاء لكم تقول كونوا شجعاناً وفرساناً نبلاء في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ وأعلنوا إيقاف الحرب على اليمن، وارفعوا الحصار عنه وبادروا في زرع بذور السلام الحقيقي بينكم وبين الشعب اليمني، وساهموا في مساعدة المبعوث الأممي السيد مارتن غريفيث لإحلال السلام والبدء الجدي في حوار إنهاء الحرب بين الفرقاء السياسيين اليمنيين، حينها فقط سيكون لما قمتم به في محافظة العُلا بالسعودية ومدينة أبوظبي معنى وقيمة ومدلول، والله أعلم منا جميعاً.
وفوق كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم

رئيس مجلس الوزراء
صنعاء