الأربعاء 17-07-2019 12:07:25 م
كلام الليل:صحفي تغطية !!
بقلم/ كاتب صحفي/يحيى السدمي
نشر منذ: 4 أشهر و 18 يوماً
الثلاثاء 26 فبراير-شباط 2019 10:33 م

أخذ يصول ويجول من أول الديوان إلى آخره وهو معتاد على ذلك فهي مهنته يمدح هذا ويرفع من شأن ذاك, ويقول نثرا في هؤلاء وشعرا في أولئك, أحدهم يعطيه ألف ريال والثاني خمسمائة والثالث أكثر أو أقل والرابع يعطيه غصن قات وخامس لا يعطيه شيئا, وهكذا, في عشر دقائق جمع محصول شهر كنت أتقاضاه قبل العام 2015م, فلما اقترب مني سارعت إلى مد يدي إليه طالبا بعض ما حصله, فقال « هيا أيش هذا « قلت « أمانة تدي لي أنت « « , فقال اسمع لا تدي لي ولا ادي لك مسامح, فقلت له « قد تدوشنا مع كل الأنظمة السابقة واللاحقة ولا لقينا منهم فائدة بل لم نحصل على ثقتهم إلى اليوم وربما أنهم وضعونا في خانة الخونة والعملاء والموتورين والجبناء والمنافقين, فقال سألتك بالله « ايش بتشتغل فقلت « صحفي «, فضحك, فقلت ايش رأيك تشغلني معك, قال ايش اشغلك معي, قلت « معاون دوشان « فقال « بتتمسخر بي « قلت لا والله أنا صادق في طلبي, اشتغل معك أنا حافظ أكثر من 100 قصيدة وزوامل وكلام مثل العسل لما تتعب في الدوشنة أساعدك أنا وإذا وقع لك مرض لا قدر الله أقوم بالمهمة كلها ولا تدي لي إلا خمسة في المائة من المحصول, قال يا رجال قد انتو يا الصحفيين مثل الذر كل كلامكم كذب في كذب أنتم سبب مصائب البلاد وسبب الحرب وسبب الفقر وسبب الجوع وسبب المرض, أين بتسوقوا الزلط كم بيقع لكم ؟؟ دور لك على من تضحك ياخبير لا عادتخرب علينا الشغلة.. وانصرف وقد جمع الغلة وملأ جيوبه نقودا وانتقل إلى ديوان آخر فيه زبائن أدسم وأغنى.
وأمام ذلك المشهد, تذهب إلى فعالية منظموها والمشاركون فيها لا يتجاوزون عشرين شخصا, والصحفيون القادمون للتغطية يزيدون عن المائة, أي حس صحفي أكثر من هذا قد تجده في أي بلد؟, الكل جاء يغطي جيوبه الفارغة ويملأ بطنه الجائعة, صحفيون بدون صحف, وإعلاميون بدون وسائل إعلام, الظروف قد تجبرهم على تغطية جنائز الأموات وأعراس الأحياء وحفلات تخرج طلاب الشهادة الأساسية ورياض الأطفال وإن وجدوا فرصة للعمل فراشين فلن يترددوا..
الفقر والبؤس ظاهر على وجوههم, عيونهم جاحظة, وعقولهم خارج نطاق التغطية, لا لوم عليهم إن بحثوا عن فاعل خير هنا أو هناك ليساعدهم فهم كغيرهم بدون مرتبات وبدون عائد مادي, بعضهم لم يعد يجدي معه سوى مشروع مارشال لإعادة ترميم ما تساقط من جسمه ومن شعر رأسه وتعويض ما فقده من دمه, وإعالة أسرته, وتسديد ديونه ودفع المتأخرات التي عليه لصاحب البيت, صحفيون في أعلى درجات المأساة والمعاناة يكابرون ويتحملون مشاق الحياة ومصاعبها بصمت, لا أحد يقف إلى جانبهم ولا من يهتم بهم, يموتون واحدا تلو الآخر ومن كان ذا حظ عظيم ومات في المستشفى تحجز جثته رهينة حتى يدفع الورثة مقابل إقامته عندما كان مريضا في المستشفى, آخرون فقدوا عقولهم وأسرهم, وبعضهم باع اسطوانة الغاز لشراء حليب لطفله .. هؤلاء هم جزء من نخبة النخبة وصفوة الصفوة!
زمان كان الصحفي « دوشان سوبر» واليوم صحفي 2019م الذي أبى إلا أن يبقى في وطنه إذا فتشت عن الوطن ولم تجده فيه فاعرف أن الجوع قد ابتلعه, وليس شيء آخر.. زمان كان الصحفي يبحث عمن يعترف به صحفيا بما في ذلك أسرته, واليوم يبحث عمن يعترف بآدميته .. زملاء كثيرون يسألوني ماذا نفعل ليس لدينا بيوت نسكنها صرنا مشردين, فقلت « عليكم وعلى مجلس النواب هذا بيت الشعب كل واحد يأخذ أسرته والى مجلس النواب نسكن فيه حتى يفرجها الله «, فقالوا طيب وإن عملنا ما قلت أيش نعمل بعدها « قلت نشتغل نواب في الصباح وشعب في المساء «.
ـ وأخيرا, زاره صديق, فسلم عليه ابنه الصغير فقال « إن شاء الله يطلع صحفي مثل ابوه « فقال حرام عليك يكفي ابوه, فقال « الله يصلحه « فرد عليه « شيء معك دعوة ثانية غير هذي ادعي له بالفساد أما الصلاح قد جربناه وما نفع».