الجمعة 15-11-2019 16:14:44 م
حروف تبحث عن نقاط:لم يفهموا منذ 27 قرنًا
بقلم/ استاذ/عباس الديلمي
نشر منذ: 6 أشهر و 8 أيام
الأربعاء 08 مايو 2019 02:08 ص

هو من أسرة حاكمة ثرية ومن المرجح انه ذاق شهوة السلطة وشهوة المال، ولكنهما لم تسكرانه بدليل انه لم يفقد توازنه ولا الرؤية الصائبة، ولهذا تفرغ لتبصير الناس ونصحهم وأولهم من تلازمهم السكرة بنشوتي المال والسلطة.
لقد نصحهم بألا يغتروا بمال او سلطة فلا بقاء ولا دوام لهذا وذاك، مستنداً الى حقيقة مفادها ان القانون الذي يحكم كل شيء في العالم هو عدم الثبات بل التغير والتحول.. وان هذا الكون ليس بركة مياه راكدة بل نهر جار لا تتوقف مياهه وان كل من ينزل الى هذا النهر يستحيل عليه اذا ما نزله مرة ثانية ان يغتسل بنفس المياه لأنها استبدلت بمياه أخرى نظراً لجريان مياه النهر، وقد اختصر ذلك في قوله “انك لا تنزل النهر مرتين” بمعنى ان ما انت عليه اليوم لا يمكن ان تكون عليه غداً نظراً لحتمية التغير والتحول.
هكذا قال قبل سبعة وعشرين قرناً من الزمن ولكن من سكروا بشهوة المال والسلطة لم يعيروه سمعاً حتى يومنا بما فيهم أولئك الذين تقول لهم ثقافتهم وتجارب اسلافهم ان “دوام الحال من المحال..
انه الفيلسوف اليوناني هراقليطس (540- 480) قبل الميلاد صاحب الفلسفة الجدلية التي لخصها في قوله “الطريق الى الأعلى أو الى الأسفل هو نفسه” اي أن من صعد الى الأعلى او انحدر الى الأسفل لن يظل حاله كما هو بحكم قانون حتمية التحول وتغير الأحوال.
هكذا قال لهم فلم يسمعوا له نصحاً فظلوا متشبثين بالسلطة كما هو شأن- آخرهم- عمر البشير- او موقنين بدوام الحال كما هو شأن ملك السعودية سلمان وابنه محمد على سبيل المثال..
اللافت للنظر ان نصائح الفيلسوف هراقليطس باستحالة دوام الحال وبحتمية التغيير قد تلقفها الكثير من الفلاسفة والمفكرين والشعراء وظلت تتردد على مسامع السكارى بشهوة السلطة والمال- او بكليهما- حتى يومنا هذا ولكن دون جدوى ولنستشهد- على سبيل المثال- ببعض ما قاله لهم الشاعر والفيلسوف عمر الخيام..
لقد قرع جرس التحذير في اذان من غرقوا في الملذات ونعيم الدنيا ونيل الاماني وذكرهم بزوال ذلك كما هو شأن من قبلهم حيث قال:
“ ان الألى ذاقوا حياة الرغد
وأنجز الدهر لهم ما وعد
قد عصف الموت بهم فانطووا
واحُتضنوا تحت تراب الأبد”
وبصرهم بأن النعمة لو كانت تدوم لما وصلت اليهم فقال:
“ لو كانت الدنيا وفت للالى
راحوا لما جاءك دور الرغد”
وقال لهم انه ليعجب ممّن يثق في عدم تقلب الأيام وبأن عطاء الدنيا ذاهب كالريح ونعيمها يتنقل كالسحاب من مكان الى آخر، حيث قال في احدى قصائده الرباعية:
“ العقل يعجب في تصرفه
ممّن على الأيام يتكل
فنوالها كالريح منقلب
ونعيمها كالظل منتقل”
إن عقولنا لتعجب منهم كما تعجب عقل الخيام ولكنها سكرة الشهوات بالسلطة ونفوذها والمال ومغرياته.. نكتفي بهذه الأمثلة ولنا وقفة اخرى ان شاء الله.