الثلاثاء 16-07-2019 16:02:17 م
بوح اليراع : بين يدي فقيهين سفيهين
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهرين و 4 أيام
الأحد 12 مايو 2019 12:12 ص

بينما أنا في عصر ذات يوم أسير في أحد شوارع العاصمة مُتجهًا إلى مقر عملي إذا بثلاث نساء إحداهن خمسينيَّة تقريبًا ولعلَّها الأم والأخريان عشرينيَّتان ولعلهما نبتاها قد تجاوزنني بمشيتهن النشطة معطراتٍ جنبات الشارع بما يفوح منهن من عَبَقِ العطر الحريمي، فضلاً عن أنَّ الفتاتين كانتا -مقارنة باحتشام أمهما النسبي- ترتديان بالطوهين يكادان -لرقتهما ولمعانهما وضيقهما- يحكيان تفاصيل جسديهما بدقة مُتناهية.
ولأن هذا المنظر اللا أخلاقي قد بات مألوفًا -لتكراره في شوارع مدننا بشكلٍ يومي- فقد اكتفيتُ إزاء هذا المنكر البادي للعيان -شأني شأن غيري- بالظفر بأضعف الإيمان، ولم أزل مواصلاً سيري.
وما هي إلاَّ ثوانٍ معدودات وقد صِرْنَ مني على بعد خطوات وأثناء مرورهن من أمام شاب يجلس على الرصيف غير مُتَخَلِّقٍ بالحدِّ الأدنى من آداب الجلوس في الطرقات، فابتدر الفتاتين المتبرجتين بلفظٍ بذيء على سبيل التحرش اللفظي، وبقدر ما كان ردُّ الفعل من قبل الفتاتين اللامبالاة وعدم الاكتراث وكأن هذا السلوك الشائن ليس جديدًا عليهما أو أنه نتيجة منطقية -من وجهة نظرهما- لما يبدو عليه منظرهما، فقد تسمَّرت الأم في الحال في وقفة ظاهرها الهدوء والرزانة وباطنها الانفعال، ثمَّ استدارت نحو الشاب وأمطرته بأسرع من غمضة عين وانتباهتها بأكثر من سؤال، منها -على سبيل المثال-: ألا تستحي -يا هذا- من التلفُّظ بهذه الألفاظ البذيئة التي تعكس سوء ما مررت به من تربية أسرية؟ أليس لديك أخوات تخشى أن يُوجه لهنَّ مثلما تُوجههُ أنت لأخوات وبنات الآخرين من الأذية؟
وما إن حاول الشاب مقاطعتها لتبرير ما ارتكبه من خطيئة بقوله: (أحسني تربيتهما كي لا تُساءُ معاملتها)، في إشارة منه إلى أن ما يبدو عليهما من التبرج الفاحش مدعاةٌ للتحرش، حتى ارتفعت وتيرة انفعالها عليه أكثر فأكثر مطالبة إياه بالتقيُّد بأوامر ونواهي الشَّرع الإسلامي المُطهَّر، فإذا هي تلقِّنه -بسرعة بديهة وبثقافة الفقيهة- الكثير من نصوص الكتاب والسنة الحاضَّة على غضِّ البصر، من تلك النصوص -على ما أتذكَّر- قول الله -عزَّ وجل-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) سورة النور الآية رقم: (30)، وقول الرسول الأعظم -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ».
والعجيب أن الشاب بعد إنصاته إلى كلِّ ما ألقت على مسامعه ممَّا يشبه المحاضرة طلب منها الإنصات إليه كما أنصت إليها هو، كما لو كانا يخوضان مناظرة، وإذا به -في معرض تأنيبها على تبرج البنات- يطرح عليها هذه التساؤلات:
- ألا تلاحظين ما هما عليه من التبرُّج؟
- ألا ترين أنهما تضعانك -بتبرُّجهما هذا- في موقف مُحرِج؟
- ألا تعلمين أن التبرُّج والسفور منهيٌّ عنهما في محكم آيات الكتاب وفي صحيح أحاديث السُّنة؟
ثمَّ ما لبث يسرد على مسامعها الكثير من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تنهى نساء المجتمع الإسلامي عن التبرُّج وعن إظهار زينتهن أمام الرجل الأجنبي، ولم تُستثنَ من ذلك النهي حتى أزواج النبي حتى بعد أن ثبت -وبنصٍّ قرآني قطعي مُبين- أنهنَّ أمهات المؤمنين، من تلك النصوص التي أوردها الفتى قول الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) سورة الأحزاب الآية رقم: (59)، وقوله -جلَّ وعلا-: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) سورة الأحزاب الآيتان: (32 و 33).
وقول الرسول الأكرم -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «أَيُّمَا امْرَأةٍ اسْتَعْطَرَتْ فمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيْحَها فَهِيَ زَانِيَةٌ، وكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ» رواه ابن حِبَّان من حديث أبي موسى الأشعري عبدالله بن قيس.
فهالني ما تمتَّع بهِ كلٍّ منهما -إزاء القواعد الفقهية- من إلمام، كما لو كانا فقيهين بيد أن تفريطهما التام، وعدم تمتُّع أيٍّ منهما بالحدِّ الأدنى من مظاهر التطبيق والالتزام حملني على اعتبارهما سفيهين، فإذا بي أشعر -إزاء ما كشفه لي الموقف العارض من انطواء شخصيتيهما على كلِّ هذا التناقُض- أنني بين يدي فقيهين سفيهين، علما، فلم يعملا، وفقهاء، فلم يُطبِّقا، هُنا مكمن الخطر لأنَّ (الْعِلْمُ بِلا عَمَل كَالشَّجَرِ بِلا ثَمَر).
آمل أن يكون لهما ولأمثالهما في مدرسة الصوم مندوحة للانتقال بواقعهما السلوكي والممارساتي إلى مستوى ما يفقهانه من نصوصٍ شرعية مستحضرين ما تختزنه الذاكرة المجتمعية اليمنية العربية من أعراف مرعية.

عاجل :
أسوشيتد برس: اختفاء ناقلة نفط إماراتية قبل يومين في مياه الخليج