الثلاثاء 25-06-2019 00:56:25 ص
بوح اليراع: طبول حرب أمريكية بكلفة خليجية
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهر و 6 أيام
الأحد 19 مايو 2019 01:04 ص

ما لا ينفيه أيُّ إنسان ولا يختلف حوله اثنان أن أمريكا وإيران في حالة عداء مزمنة منذ انتصار ثورة الخميني على نظام محمد رضا بهلوي في أواخر سبعينات القرن الماضي وإلى الآن، وهو عداء ترافق -على طول مدته- بصدور تهديدات من جانب الأمريكان -من آن إلى آن- بإمكانية شنِّ الحرب على إيران، ويجدر بنا التذكير بأن أول تلك التهديدات قد صدر صبيحة انتصار الثورة الإسلامية الخمينية وكان قد جاء بمثابة ردِّ فعلٍ انتقامي من أمريكا على ما حدث من قبل مجموعة شباب إيرانيين من تسوُّر واقتحام سفارتها في طهران والانقضاض على بعثتها الدبلوماسية وبما يؤكد قناعاتهم بما تكنه امريكا لأمتهم من عداوة اساسية.
وبالرغم من توالي تلك التهديدات التي كانت تدفع أنظمة الخليج -بطبيعة الحال- ثمنها عشرات أو مئات المليارات، فقد أثبتت عدم جديَّتها في ما لوحظ بين العدوَّين الحميمين من تفاهُم تام كاد أن يبلغ درجة من الانسجام في تقاسُم مقدرات العراق عقب سقوط نظام صدام.
والملاحظ أن الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين على البيت الأبيض ظلوا يتخِّذون من إيران فزَّاعة ضد الأنظمة الخليجية المرتاعة بهدف حملها -من وقت إلى آخر- على دفع ما ينبغي عليها من مبلغٍ ماليٍّ طائل، وكانوا يبلغون غاياتهم بعدة وسائل، منها -على سبيل المثال:
1- فاتورة أسلحة ومعدات عسكرية: إذ أنَّ أمريكا قد احتكرت السوق الجليجية -لا سيما في الجوانب التسليحية- بصورة شبه حصريَّة، إلى درجة إرغام تلك الأنظمة -بصفة شبه دائمة- على شراء القليل ممَّا قد تستخدمه في مقابل شراء الكثير ممَّا لا ولن تستخدمه وبأسعار شرائية قياسية بل وخيالية.
2- نسب تخفيضية في مشترياتها النفطية: فالشائع أن الولايات المتحدة الأميركية تحظى -من تحت الطاولة- بتخفيضات سعرية هائلة عند شرائها النفط الجليجي على سبيل التودد والمجاملة، على أن نسب تلك التخفيضات تتناسب -في بعض الأحيان- تناسُبًا طرديًّا مع مستوى وهم تهديد إيران.
3- إتاوات وعطايا على هيئة هدايا: وقد ظلَّ هذا الصِّنف من العطايا أمرًا سرِّيًّا حتى افتضح أمره أثناء زيارة ترامب المهبول لمملكة آل سلول الذي لم يكن -بسبب فرط تهوره وغبائه- أهلاً لحفظ سرِّ حلفائه، فقد أثبتت التسريبات شبه المؤكدة أن إجمالي ما قُدم لهُ ولابنته ولأعضاء وفده المرافق من إتاوات ماليَّة وهدايا تذكارية نفيسة يكاد يُطابق قيمة عقود الصفقات التجارية كل التطابُق.
ولأن ترامب -كما نسمع ونرى- أكثر تهورًا وأكثر نهمًا وتعطشًا ممَّن سبقه من رؤساء أمريكا للمال الخليجي الذي يتحكم فيه حكام ضعفاء، فإن خطاباته جمعيها -وبلا استثناء- لا تخلو من مطالبة أنظمة الخليج علنًا -وفي مقدمتها نظام مملكة آل سعود- بدفع المُقابِل المجزي عمَّا تبذله أمريكا في سبيل الدفاع عنهم- إزاء التهديد الإيراني المزعوم- من جهود، وقد حمله فرط نهمه لتلك الأموال -كونه رجُل مال- على نقض ما كان قد أبرمه سلفه (أوباما) من اتفاق نووي مع إيران بدون مبرر منطقي سوى ما افترضه من تسويغ ومن ترويج يعطيه المبرر للاستحواذ على مئات المليارات من عائدات نفط دول الخليج.
على أن ما كان من إدارة ترامب من نقض ذلك الاتفاق النووي الذي مثَّل خطوة متقدمة لصنع واقع الاستقرار على المستوى الإقليمي والعالمي لم يكن إلاَّ تمهيدًا لخطوَة أكثر تهديدًا تقتضي القيام بتحركات عسكرية صورية واسعة النطاق وتتطلَّب من الكلفة المالية ما لا يُطاق ومن شأنها الوصول بالخزينة الخليجية إلى حدِّ الإرهاق.
وإذا كانت هذه الإجراءات ستظل -كما نتوقع بل كما نجزم- مجرَّد تهديد روتيني مدفوع الثمن، فإن الجديد في الأمر هذه المرَّة أن مجيء مزيد من القوات والقطع البحرية والقواعد الجويَّة الأمريكية العائمة قد تمَّ بنيَّة الإقامة الدائمة، وسيترتب على ذلك مضاعفة النفقات المالية بدرجة مهولة على حساب حاضر المجتمع العربي الخليجي ومستقبل أجياله.
وبقدر ما تبقى طبول الحرب الأمريكية تُقْرَع ستظل الأنظمة الخليجية تدفع وتدفع وتدفع، وفي ذلك دلالة قاطعة على ما تعتمده الإدارة الأمريكية من أساليب تكتيكية لاستنزاف ثروات الخليج بالتدريج.
وستثبت الأيام القادمة أن تحليلات وتكهنات المحللين العسكريين الذين كانوا يؤكدون وشوك نشوب الحرب كانت مجرد تزييف مقصود للوعي المجتمعي بشكلٍ جزئيٍّ أو كامل، وأنهم يتقاضون من المقابل بقدر تفننهم في حبك المسائل وعلى مستوى قدرتهم على الإقناع بكارثية ما سيؤول إليه تفاقُم هذا النزاع.