الإثنين 16-12-2019 16:23:51 م
بوح اليراع: امرؤ القيس والمثنى بن حارثة فرسان في الميزان
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 5 أشهر و 28 يوماً
الثلاثاء 18 يونيو-حزيران 2019 10:51 م

امرؤ القيس هو جندح بن حُجر بن الحارث الكندي وهو شاعر وفارس وسيِّد قبيلة كندة المشهورة، خاض كبرى معاركه بدافع الأنانية لغايات أسريَّة، وقد حملته رغبته في الثأر لأبيه وأسرته إلى الاستعانة بقيصر الروم الذي لم يحظ منه إلا بحلة مسمومة أهداها إليه، فلم تلبث أن تسببت في القضاء عليه.
أما المثنى بن حارثة الشيباني فهو المُثَنَّى بنُ حَارثة بن سَلَمَة بن ضَمْضَم بن سعد بن مرَّة بن ذُهْل بن شيبان، وهو أشهر قادة معركة القادسية التي صنفت أهم معارك الفتوح الإسلامية، خاض معركته بدافع الحميَّة للدين، وقد دفعه تبادُل الإيثار هو ومن معه في التضحية في خوض وطيس تلك المعمعة إلى الاستشهاد مع أولاده الأربعة.
وقد خطرت لي فكرة وضع الرجلين -على شهرتهما- أمام معيار غاية في الدقَّة والرِقَّة وهو معيار إحساس المرأة، فهي -بما تنفرد به من رقَّة المشاعر ورهافة الأحاسيس- الأمهر في سبر أغوار الرجل المقيس، وهي -بقليل من العشرة- الأقدر على كشف ما فوق ركابه وما خلف إهابه من معدن نفيس أو رخيص.
امرؤ القيس الخسارة المؤلمة أمام علقمة
بالرغم من أنَّ امرأ القيس وعلقمة بن عبده كلاهما من مشاهير شعراء العصر الجاهلي، إلاَّ أن علقمة لا يقارن بامرئ القيس المتربع في المرتبة الأولى بين شعراء المعلقات التي حظيت باهتمام العرب إلى حد أن تكتب -بحسب روايات تاريخية- بماء الذهب، وبركونه إلى هذا الترتيب، فقد اعتبر نفسه أشعر من أيِّ شاعر وأبلغ من أيِّ خطيب.
وقد رُوي أن الشاعرين كلاهما أقدما -في مجلس ضمَّهما- على خوض غِمار التنافس في مضمار الشاعريَّة، وقد أخذت حدَّة التنافُس في التفاقُم حتى لجأ إلى التحاكُم، ومن سوء الطالع أن كانت ثالثتهما في المجلس (أُمُّ جُنْدَبِ) زوج امرئ القيس التي كانت تتميَّز بذائقة أدبية وحسٍّ نقديٍّ راقيين جعلاها أهلاً للاقتران بحفل الشعراء الجاهليين وأنالاها ثقة الشاعرين المتشاعرين، فاحتكما إليها مُعَوِّلَين في اكتشاف مواطن إجادتهما وإخفاقهما عليها، وبعد أن أنشداها نصيهما موضع التسابُق وأنصتا إلى حُكْم المحكمة المرموقة مُرهفين سمعهما إلى منطوقه، فكانت المفاجأة المؤلمة أن صدر حكمها -من حيث لم يتوقعه امرؤ القيس أو يتفهَّمه- لصالح علقمة، فما كان من امرئ القيس -لحظة ما تحكمت بقراره نفسية موتورة كون حُكْم حليلته الذي أخرجه عن طوره لم يأتِ متناغمًا مع كبريائه وغروره- إلاَّ أن طلَّقها من فوره، فإذا هي -بالموقف ذاته- لم تعُدْ لهُ بأهل، فسارع خصمه علقمة -في ضوء ما كان يسود العصر من شرائع وأنظمة- إلى الاقتران بها، وذلك الأصل في ما لازم علقمة من تسمية (علقمة الفحل) للدلالة على أنه -في مجلسه وحتى قبل خروجه- قد غلب امرأ القيس على شاعريته ومكانته وزوجه.
والنتيجة التأريخية المذهلة أنَّ امرأ القيس -بعكس ما سنرى في قصة المثنى-خسر -في لحظة تسرعٍ لم تدع لحلمه مهلة- تأريخه ومكانته وسمعته وأهله.
غيرة سعد متسنمًا القيادة من المثنى بعد نيل الشهادة
لقد جرت العادة أن يخلف القادة المسلمون إخوانهم القادة الذين يسبقونهم في الفوز بالشهادة حتى في أهلهم، فأصبح زواج القائد الجديد بأرملة سلفه الشهيد -بعد انقضاء العدة الشرعية- من الأعراف المرعية، ولعل ذلك كان يتم بهدف الإعالة والحفاظ على إبقاء أسر الشهداء في مستوى ما اعتادوه من حالة.
ولأن المثنى قد استشهد هو وأولاده الأربعة في موقعة القادسية على تخوم الإمبراطورية الفارسية، فقد اختير خلفًا له في القيادة وإتمام المهمة العظيمة من بعده الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، وما إن أكملت (سلمى بنت جعفر بن ثقيف) أرملة القائد الشهيد مدة العدَّة من يوم استشهاده حتى سارع سعد إلى الاقتران بها بيسرٍ وبسهوله على سنة الله ورسوله.
ولكن لسوء حظ سعد فقد نشبت أولى المعارك -إبَّان قياته- وهو مصاب بالجرب الذي أعاقه عن إدارة المعركة والاشتراك الفعال في القتال، فانحصرت مهمته في مراقبة سير القتال وإلقاء توجيهات من فوق شرفة مطلة، وكانت عروسه الجديدة -أرملة المثنى- تُشاطره المراقبة والتفاعُل مع ذلك الصدام بذات القدر من الاهتمام.
وفي لحظة من لحظات احتدام المعركة لاحظت سلمى تراجع قليل من الممتطين صهوات الخيل، فإذا بها رُغمًا عنها -وفي حالة شرود منها- تستغيث بفقيدها الذي كان حبه ما يزال يسري في وريدها قائلة: (وا مُثنياه، ولا مثني للخيل اليوم). وهي -لعمري- استغاثة ترتج لها جنبات المكان مثلما ستظل مدوية في متتاليات الزمان.
وإذا كان وقع تلك العبارة على مسمع سعد قد حمله على صفعها، فإنه سرعان ما أظهر الندم على ذلك الصنيع مقدِّرًا لها ما تكِنُّه لفقيدها من مشاعر الوفاء ومبديًا شدة إعجابه بما تحلى به شهيدها من شجاعة وإقدام ومعبرًا عن كبير انبهاره بتضحياته الجسام في سبيل نصرة الإسلام.
وبهذا يكون الشهيد القائد المثنى بن حارثة -على العكس من امرئ القيس- قد تخلد في ذاكرة الأنام مثلما تخلد بالشهادة التي هي حياة أبدية عند الملك العلام.