الخميس 22-08-2019 16:42:30 م
بوح اليراع: من «صفقة القرن» إلى «صفعة القرن»
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهر و 23 يوماً
السبت 29 يونيو-حزيران 2019 10:07 م

لقد بات من المعلوم أن «صفقة القرن» -كما أشرت في طيات مقال سابق- تجسيدٌ عمليٌّ للحلم الصهيوني الأزلي(حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل)، وإذا كانت هذه الصفقة اللا أخلاقية والتي لا تستند إلى أيٍّ من معايير الواقعية قد حظيت بمشروع دعائي ترويجي صهيوني أمريكي مصري خليجي كلف الخزينة السعودية الإماراتية من الأموال ما يفوق الخيال وكانت أحدث فعالياته وأولى منطلقاته العملية ورشة الخزي والحسرة والندامة التي أقيمت في العاصمة البحرينية المنامة، فإن التفاعل مع تلك الورشة قد جاء -على أية حال- مخيبًا لما كان يعشعش في أذهان واضعي أسسها من الآمال.
عوائق حقَّة في طريق الصفقة
القضية الفلسطينية من أهم القضايا المعاصرة، ولعلها -بالنظر إلى طول المدة- أكثر القضايا تداولاً في أروقة الأمم المتحدة التي أصدرت بشأنها قرارات عدة عكست في مضامينها إجماعًا دوليًّا على ضرورة قيام دولتين متجاورتين، ولأن نظام آل صهيون العنصري يجد له -في كل زمان- قوة دولية تعينه على التعاطي مع قرارات الشرعية الدولية بالاستخفاف والاستهجان كما هو اليوم حال الأمريكان، فقد أغراه الصمت الدولي على ما يمارسه من استخفاف مزرٍ -بالإضافة إلى ما يشهده الواقع العربي من حالة التشظي- بالتفكير الجدي في تحقيق الحلم الصهيوني الأزلي، فسارع قادة الصهاينة -بدعم سخي من اللوبي الصهيوني المتغلغل في أوساط المجتمع الغربي وبتواطؤ من التيار الصهيوني العربي إلى محاولة استلاب حقوق غير مستحقة من خلال هذه الصفقة التي تُجابه بعوائق موضوعية قوية أهمها:
1- الاستفاقة العربية في وجه الصفقة الترامبية:
فإذا كانت خيبة أمل الجماهير العربية بثوراتها التحررية التي أفرزت أنظمة ديكتاتورية فاقت بمثالبها القوى الاستعمارية، فإن 7 عقود من القهر والطغيان والاستكبار قد بلغت بها مرحلة الانفجار التي ما تزال تترجم -سواء بتفكير نخبوي أو بتفكير شعبوي فوضوي- في ما تشهده من أحداث الربيع العربي الذي نؤمل أن يفضي بالأمة -بعد تحقق ما نصبو إليه من اكتمال انتصارها- إلى امتلاك قرارها الذي يمكنها من التعاطي الإيجابي مع قضاياها المصيرية وفي مقدمتها قضية فلسطين ( قضية جميع العرب والمسلمين)، فهي قضية لا تقبل المساومة، ولا يتناسب معها خيار سوى خيار المقاومة.
وإذا كانت القبضة الأمنية الحديدية للأنظمة التي ما تزال تتحكم بقرار الأمة قد حالت دون خروج المسيرات الجماهيرية العربية العارمة تعبيرًا عن الرفض العربي القاطع لانعقاد ومخرجات ورشة المنامة، فإن مواقع التواصل الاجتماعي قد عكست ما قُوبلت به تلك الورشة من رفض جماهيري عربي جماعي بشكل واعٍ.
2- عدم الاكتراث بها عالميًّا:
إن سكوت معظم دول العالم على ما وقع في حق الشعب العربي الفلسطيني -لأكثر من سبعة عقود زمنية- من مظالم قد عَشَّمَ دولة الكيان الصهيوني المأزومة وشركاءها في الصفقة المشؤومة بأن تلك الأنظمة -في ضوء ما تضمنته ورشة المنامة من إغراءات للاستثمار في فلسطين التي لحق بها الكثير من الدمار- ستُسارع إلى اقتناص هذه الفرصة السانحة التي تعتبر -بالإضافة إلى كونها صفقة رابحة- فرصة نادرة لتعزيز علاقاتها الثنائية بأنظمة الخليج ذات المواقف الفاضحة، باعتبارها الممولة والمانحة.
ففي الوقت الذي كان يتوقع مهندسو هذه الصفقة من الصين والهند وروسيا وغيرها من دول آسيا وأفريقيا إقبال مئات المستثمرين على هذا الصيد الاستثماري الثمين، نجد أن هذه الدول ذات الثقل الاقتصادي الجدير بالاحترام قد قاطعت تلك الورشة ولم تُلقِ لها الحدَّ الأدنى من الاهتمام، وفي ذلك دلالة قوية على أن الصهاينة وحليفهم ترامب وحلفاءه من صهاينة العرب يُغردون بصفقتهم خارج السرب.
3- المناهضة الأوروبية لأسباب منطقية:
إذا كانت الأنظمة الآسيوية والأفريقية البعيدة جغرافيًّا عن مسرح صفقة القرن المحكمة الآليات لم تتحمس للمشاركة في ما يُمهَّد به لإتمامها من فعاليات، ولم تستند في خُذلانها لتلك الصفقة إلى أسباب ذات تأثير مباشر على أمنها واستقرارها، فإن دول أوروبا -بسبب إطلالها على الضفة الشمالية للبحر المتوسط- تستحضر -في مناهضتها صفقة استلاب آخر حق فلسطيني- الهاجس الأمني، لأن العقلاء من ساستها ونُخبها والمُنصفين من عامة شعوبها يرون أن أية رؤية لحل هذه القضية أساسها تجاهُل قرارات الشرعية الدولية ولا تأبه بالحقوق الفلسطينية المشروعة المتمثلة في إقامة دولة فلسطينية -إلى جوار الدولة الصهيونية- على حدود 1967م، بالإضافة عودة ملايين اللاجئين لا تتعدى كونها قنبلة موقوتة في خاصرة القارة الطاعنة في السن التي باتت أكثر ميلاً إلى العيش المستقر والآمن.
كل هذه الأسباب وغيرها ممَّا لا يستنبطه سوى أهل الألباب توشك أن تحول دون إتمام هذه الصفقة الظالمة، فلا تلبث -بإذن الله- أن تتحول من صفقة يتباهى عرابوها بإتمامها إلى صفعة على وجوههم يظلون يتجرعون -على مدى العقود القادمة- مراراتها وآلامها.