السبت 19-10-2019 19:00:36 م
بوح اليراع: ما بين الأصالة و العمالة
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهرين و 29 يوماً
السبت 20 يوليو-تموز 2019 11:08 م

الأصل هو المنبت الذي تنفلق فيه النوى عن برعم النبتة التي لا تبرح تستمد منه ثباتها مطلقة العنان لفروعها وأغصانها وأورقها للتمدد في الهواء، وهو -من ناحية أخرى- مسقط الرأس وأرحب مراتع الطفولة والصبا، وهو المكان الذي نتوارث سكناه عن الآباء والجدود، ونحيا فيه حياة ممزوجة بمشاعر الفخر والإباء ولا نرى لهُ نظيرًا في الوجود.

ماهية الأصالة وأرومة الأصلاء
ومن هذا المنطلق فإن الأصالة هي ذلك الشعور بقوة الانتماء إلى مكان ما، كما لو كان دون سواه هو خير ما يقع من الأماكن تحت السماء، وإذا فُرض على المرء الارتحال منه رغمًا عنه، فلا يبرح يحن إليه مليًّا، ويتحسر عليه ما دام حيًّا، وحسبنا في هذا المقام تدليلاً على ما نسوقه من كلاما هو ثابت تأريخيًّا عن تلهف خير الأنام -عليه أفضل الصلاة والسلام- إلى مكة (البلد الحرام) وقوله -وبما يدل أنه أخرج منه على سبيل الإرغام-: «مَا أَطْيَبَكِ من بَلَدٍ، وَما أَحَبَّكِ إليَّ! وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ؛ ما خَرَجْتُ» رواه الترمذي.
وإنَّ التراث الإنساني زاخر بالمواقف والنصوص المجسدة لهذه المعاني وما يحصل في سبيل الأوطان من تفان، ولنا في تراثنا العربي الإسلامي ما لا نتمكن من إحصائه ويعجز الدهر عن إفنائه من المواقف والشواهد على شدة تشبُّث الإنسان العربي بموطنه الأصلي بجنون وتعطُّفه عليه تعطُّف الأم الحنون، ومن أهم تلك النماذج ما أبداه أبو الأحرار محمد محمود الزبيري إلى وطنه من تشوق محموم ولو حلَّ في رُبُوع النجوم في قوله:

ولو أني حللت ربوع نجـــمٍ
هممت بهِ إلى الوطن الوثوبا
وهذا سيذهب بنا إلى أن الشخص الأصيل يقدر موطنه حق قدره وأنه شغوف به في سره وجهره، وأنه من المستحيل أن يعدله بثمن أو يرضى عنه أيَّ بديل، ولا يمكن أن تؤثر على موقفه الإغراءات مهما اشتدت حاجته وفقره.
ووفق هذه المعطيات فإن الأصيل خير مؤتمن على حاضر ومستقبل البلاد وأفضل مستأمن على صون مصالح أعراض العباد لأن حب الوطن العامرة به نفسيته يأبى عليه التفريط –في سبيل المصالح الدنيوية الفائتة- بالحدِّ الأدنى من مصالح الوطن الثابتة التي يترتب عليها تطويع دنياه لآخرته.

كنه العمالة ومعدن العملاء
أما العمالة فهي ما جبلت عليه بعض النفوس البشرية من استعداد مسبق لتسخير أنفسهم –بشكل نسبي أو مطلق- لأيَّة قوى أجنبية تتربَّص ببلدانهم الدوائر، وهي قابليتهم السريعة لجعل أنفسهم أدوات مطيعة في أيدي تلك القوى لتنفِّذ -عبرهم أو بما يقدمونه من تسهيلات ضد شعوبهم- ما تريده من أعمال عدوانية فظيعة ترقى -في كثير من الأثناء- إلى مستوى الجرائم الشنعاء نظير فتات من المال المدنس بتبعات ونتائج ارتهانهم العمالي المسيَّس.
ولا يمنكن أن ترتهن نفسها لأعداء أوطانها إلى فئة مجتمعية غاية في الضعة ولا تجد نفسها إلا إذا كانت تابعة، ولا تبرح تتزلف إلى أولئك الأعداء بما يطلبونه منها من خدمات عمالية، وربما انخرطوا في صفوفهم للمشاركة في أعمال قتالية.
ولأن العميل –نتيجة لرخص معدنه- مجبول على التفريط بحق وطنه وأرومته وعلى الغدر بشعبه وأمته، فمن غير المعقول أن يعيش بين ظهرانيهما مظهرا قبح سجاياه وكاشفًا سوء نواياه، لأنه إن فعل فقد استعجل دنو الأجل، بل إن طبيعة عمل العملاء تتطلب منهم التملق بالنفاق بشكل متقن يمكنهم من التمظهر -في أوساط مجتمعهم- بحب الوطن والتفاني في خدمته متصنعين –وبشعور مفترى- ديمومة الانبراء لتلبية مطالبه والدفاع عن مكاسبه والذود عن حياضه والاجتهاد في تنميته وإنهاضه.لكنهم لا يفترون -في الخفاء- عن العمل صباح مساء من أجل إبلاغ غايات العداء أبعد مدى يُرجى مفرطين –بقدر كبير من الرضا- بالمصالح الوطنية العليا بكل ما يترتب على ذلك من نسف طموحات الأمة وآمالها وتدمير حاضرها ومستقبل أجيالها.

سوء مآل العملاء
ما من شك أن العميل يظل –مهما عمل- موضع شك واحتقار المُستعمِل، على اعتبار أن المفرط بمصالح وطنه أقرب ما يكون إلى التفريط بمصلحة مُؤتمنِه.
لذلك يتعامل المستعملون مع العملاء بحذر شديد ولا يقبلون منهم أية معلومة إلاَّ بعد أن تتأكد بأكثر من وسيلة تأكيد، ولا يترددون عن التعامل معهم بانتقاص لا يُحتمل، وغالبًا ما يرمون لهم المقابل المالي عن دورهم العمالي المرتذل أولاً بأول.
ومتى ما استنزفوا طاقاتهم الخدماتية تخلَّوا عنهم غير مأسوف عليهم، وربما عملوا –بصورة غير مباشرة- على كشف حقيقتهم وسهلوا لأجهزة استخبارات بلدانهم طرق الوصول إليهم فنالوا ما يستحقونه من الخزي والعقوبة الدنيوية، فضلاً عمَّا ينتظرهم من عقوبة أخروية.