الأربعاء 13-11-2019 17:21:55 م
بوح اليراع: قاض يحوجه الضعف لگلب أصحاب الكهف
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 4 أسابيع و 20 ساعة
الثلاثاء 15 أكتوبر-تشرين الأول 2019 09:16 م

لعل معظم المشاكل الحياتية الأكثر تعكيراً لصفو الحياة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية مرتبط بفساد القضاء والقُضاة بدرجة أساسية، فبسبب فساد القضاء تسود المجتمعات مظاهر الحقد والبغضاء، إذ أن ابتلاء رجال القضاء بداء الارتشاء -بما يترتب عليه من انحياز أجهزة القضاء إلى الأقوياء ضد الضعفاء ومن ذهاب الحقوق إلى غير أصحابها- يؤسس لعلاقات مجتمعية قائمة على العداء التام الذي تتولد عنه - مع مرور الأيام- رغبة شديدة في الانتقام.
فما أكثر ما سمعنا -في واقعنا- عن استحواذ متقاضٍ -بحكم محكمة- على حقٍّ كان مُستحقًّالخصمه، نتيجة ضعف نفسية القاضي التي أشرف على إجراءات وجلسات التقاضي الذي أصدر -تحت تأثير ما عملية الارتشاء- حكمًا قضائيًّا جائرا مُحدثًا بارتكابه ذلك الجُرم المُستقبح المزدرى -في جسد مجتمعه- جُرحًا غائرا، فاتسعت -بسبب انزلاقه الأبشع في مستنقع الطمع- رقعة الخصومة المذمومة في أوساط المجتمع.
وما أكثر ما تسبب ضعف نفوس القضاة الميتي الضمائر القليلي المروءة بإفساد ما بين أبناء الأسرة الواحدة من الأجواء الأسرية وأجواء المحبة والأخوة، فلم تلبث أن تحولت بينهم أواصر القربى إلى حالةٍ من العداء.ولأن السلطة القضائية هي السلطة الحاكمة التي يتمتع منتسبوها بحصانة دائمة، فإن فسادها يتجاوز الإضرار بالحقوق الشخصية والمصالح الخاصة إلى الإضرار بالمصالح العامة، فقد ثبت في عدة حالات تواطؤ بعض القضاة الموكَّلين بحماية أملاك الدولة من جشع بعض المنتفعين بها انتفاعًا مؤقتًا مع متنفذين اشتروا ضمائرهم بفتات الفتات، ففرطوا لهم بما قد كان سيرفد خزينة الدولة بمبالغ مالية مهولة، بل إن فساد القضاء وموت ضمائر القضاة ليبلغ في بعض الحالات مستويات فظيعة ترقى إلى تعطيل بعض أحكام الشريعة، ولم يكن مبتدأ مشوار هذا الداء مثلما لن يكون آخره محتوى هذه القصة الساخرة:
يحكى أن رجلاً من المستخفين بشعائر الدين المتطاولين على مشاعر المتدينين دفن كلبا في مقبرة من مقابر المسلمين.
فشكاه الناس إلى القاضي آملين الإنصاف وإيقاف هذا المارق عن التعامل مع شعائرهم ومشاعرهم بذلك القدر من الاستخفاف.
فاستدعاه القاضي وسأله عن حقيقة ما نسب إليه من منكر.
فقال الرجل: نعم لقد أوصاني الكلب بذلك فنفذت وصيته.
فقال القاضي: ويحك يا هذا، أبلغت بك الجرأة حدَّ الاستهزاء بنا والاستخفاف بهيبة القضاء.
فقال الرجل: كلا يا فضيلة القاضي كلا، بل لقد أوصاني الكلب أيضًا أن أعطي 10000 دينار ذهبي من مخلفه المالي للقاضي.
فسارع القاضي -على الفور- إلى ترديد: رحم الله الكلب الفقيد، رحم الله الكلب الفقيد، رحم الله الكلب الفقيد.فتعجب الناس من تغيُّر الحال ومن فظاعة ضعف القاضي أمام سلطان المال.
فقال لهم القاضي: لا تتعجبوا؛ فقد بحثت وتأملت في أمر هذا الكلب الصالح، فوجدته من نسل كلب أصحاب الكهف.وإذ كان فساد القضاء في معظم الأقطار الإسلامية أمرٌ شائع وشأنٌ مجتمعي مطروق، فإن شيوعه في بلادنا شيوعٌ غير مسبوق وربما غير ملحوق، إذ لم يعُد فساده مقصورًا على ضياع الممتلكات والحقوق المادية، بل لقد تجاوزها إلى ضياع الجوارح والأنفس البشرية، ولم يعُد بمستغربٍ ما نسمع عن قضاة حملهم إدمان الارتشاء على التعاطي مع ما تولوه من قضايا القتل والاعتداء تعاطيًّا أسفر عن إضاعة دماء القتلى والجرحى وتبرئة القتلة والجُناة مُعطلين -بسيرهم في ذلك الاتجاه- حكم القِصاص الذي هو –كما جاء في كتاب الله- حياة.