الأربعاء 13-11-2019 03:33:24 ص
حروف تبحث عن نقاط:المناعة ضد تأنيب الضمير
بقلم/ استاذ/عباس الديلمي
نشر منذ: أسبوعين و ساعتين
الأربعاء 30 أكتوبر-تشرين الأول 2019 12:58 ص

ما نعرفه وفقاً لما توصل إليه علماء الطب وجسم الإنسان أو “الفسيولوجيا” إن جسم الإنسان يمتلك جهازاً مناعياً يحميه من هجمات أو غزوات الأجسام الغريبة ويساعده على مقاومة أمراض قد تنجم عن تلكم الأجسام، ولهذا يقال: فلان لديه مقاومة قوية، وفلان عكس ذلك..
وما يجهله الكثيرون من العامة ومن غير العامة أو العوام، هو أن في الإنسان قوة مناعية تساعده على مقاومة الشعور بالخطأ أو وخز الضمير أو الشعور بالذنب عندما يقدم على أعمال منافية للقيم الأخلاقية أو النبيلة والحميدة بما فيها القيم الدينية، وتساعده هذه القوة المناعية ليس على عدم الشعور بالذنب وحسب، بل وعلى الانسجام مع نفسه والاستمرار في ارتكاب الأخطاء بعيداً عما نسميه بوخز الضمير..
سؤال: ماهي هذه القوة المناعية المقاومة للشعور بالخطأ، المسكنة أو المخدرة لتأنيب الضمير؟!! والإجابة باختصار نقول: إنها مقدرة دفاعية أو كما يسميها العلماء “الميكانزمات” الدفاعية ويمكن أن نسميها بالقدرة الدفاعية أو جهاز المقاومة النفسي الذي يوفر الحماية للإنسان من الإحساس بالخطأ والشعور بالقلق إذا ما أقدم على تصرفات لا إنسانية.. أو لا أخلاقية، وتتمثل هذه القوة في المقدرة على التبرير و”عقلنة” الفعل المشين الذي أقدم عليه مرتكبه..
نعم إنها مقدرة الإنسان على أن يبرر لنفسه ما يرتكبه من أخطاء خاصة في حق غيره، وفي حق نفسه أيضاً.. ولتوضيح ذلك وتبسيطه أكثر نضرب مثلاً مفاده إن “ع” من الناس يقدم على إلحاق الأذى بـ”س” من الناس أيضاً سواءً كان ذلكم الأذى في عمله أو رزقه أو سمعته أو استقرار معيشته، أو في حق من حقوقه بما في ذلك الحق في الحياة.. وفي هذه الحالة نجد أن من يقدم على ذلك لا يشعر بالخطأ أو الذنب أو بشيء من تأنيب الضمير، أو بأي شعور يبعث على القلق من ذنب ما أقدم عليه في حق غيره، بما في ذلك القلق الديني خشية من الله، بل يشعر بلذة الانتقام والمقدرة على الإيذاء، وما يراه تأديباً لمن لا يرضى عنه.. ويأتيه الشعور هذا مما أشرنا إليه وهي المقدرة على أن يبرر لنفسه بشاعة ما يقدم على ارتكابه.. ويخلق لها الأعذار والمبررات التي لا توفر له الانسجام مع نفسه واستمتاعه بما يقدم عليه وحسب، بل وتخلق لديه وهم امتلاك الرؤية الصائبة وأن ما أقدم عليه ليس فعلاً حراماً بل يخدم القيم والمبادئ التي يؤمن بها.. شأنه شأن ذلك الذي يمنع الصدقة عن محتاج، أو يحرم صاحب فاقة، إذا ما سأله إحساناً بحجة أنه لا يستحق وأن هناك من هو أحق منه ولكنه لا يسأل أو متعفف، مع أنه لا أعطى السائل ولا واصل المتعفف، بل أقنع نفسه بتبرير جعله يشعر بعدم تأنيب الضمير..
وهذه القوة المناعية النفسية لتبرير ماهو خطأ ومشين لا تنحصر على من يقدمون على إيذاء غيرهم، ولكنها تمتد الى كل من يمارس عملاً خطأ وجرماً يحاسب عليه العدل والدين، مثل ذلك الذي يخون وطنه، أو ينزلق الى العمالة أو الفساد بكل أنواعه، والجرائم الاقتصادية بكل أشكالها، إذ نجدهم يبررون لأنفسهم ما يقدمون عليه وما أجرموا فيه، حتى ينسجموا مع أنفسهم بعيداً عن الإحساس بالقلق، بل أن هناك من يأتون بمن يساعدهم على تلكم التبريرات.. وعقلنة ما يرتكبونه من أخطاء وجرائم في حق الغير، ولتأكيد ذلك ما علينا إلا التأمل في ممارسات بعض الساسة، وهراء من يتم استجلابهم كمحللين ينطبق عليهم القول: “لعن الله المحلل والمحلل له”..
والخلاصة أنها القوة المناعية لمقاومة الشعور بالذنوب والأخطاء، وما عليكم إلا أن تسألوا فاسداً أو عاجزاً فاشلاً، أو مؤذياً، أو حتى قاتلاً، ومن إجاباتهم ستتأكدون من صوابية ما تناولته على عجالة أو بالإشارة التي يكتفي الحليم بها، ولولا هذه القوة المناعية النفسية لما استمرت الممارسات والأفعال المشينة في حياة البشرية.