الثلاثاء 21-01-2020 18:08:48 م
بوح اليراع: أعجوبة العصر تجريم رفع العلم الفلسطيني في مصر
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهر و 25 يوماً
الثلاثاء 26 نوفمبر-تشرين الثاني 2019 07:07 م

منذ خمسينات القرن الماضي وما تلاه من عقود ومصر تمثل مهوى أفئدة الشخصيات العربية الإسلامية التي تحمل أفكارًا تنويرية تحررية، بل إنها حملت على عاتقها -منذ قيام ثورة 23يوليو فيها- مهمة دعم الحركات العربية التحررية ما وسعها المجال مضحيةً في سبيل ذلك الهدف القومي الإنساني السامي بالكثير من الأموال وبعشرات الآلاف من الرجال، إذ لم يُبارح -بعد- أذهاننا نحن اليمنيين ما حظيت به ثورتا (26سبتمبر و14اكتوبر) المجيدتين في ستينات القرن العشرين من دعمٍ مُبين، فضلاً عن اضطلاعها بدور إعلامي عربي تحرري في مضامينه ومظاهره تصدَّرته إذاعة (صوت العرب) من القاهرة.
ولم تكن عروبة مصر في يوم من الأيام موضع خلاف بقدر ما كانت موضع إجماع مختلف الأطراف، وليس أدلُّ على ذلك من أن (جامعة الدول العربية) الأقدم نشأةً من هيئة الأمم المتحدة(عُصبة الأمم) قد تخلَّقت بين ظهراني مصر المظفر قطز وترعرعت في أحضان قاهرة المعز.
وليس من قبيل الصدفة أن تجد مصر العروبةً نفسها ملزمة بالدفاع عن مختلف قضايا الأمة العربية المسلمة، وفي المقدمة منها القضية المركزية للعرب والمسلمين(قضية فلسطين) التي كان الشعب المصري ولا يزال يعتبرها قضيته الأولى وأنها أحقُّ بتضحياته وأولى، فشعوره بما يجمعه بشقيقه الشعب الفلسطيني من أخوَّة الدم والدين ورابطة الجوار يجعله أكثر إحساسًا بمعاناة شعب فلسطين الواقع -منذ عشرات السنين- بين براثن احتلال الصهاينة الغاصبين، فلا يلبث أن ينبري لمشاركتهم نضالهم التحرري بكل الوسائل المتاحة، مقدمًا له كافة أشكال الدعم الذي يعينه على البقاء والثبات بوجه الأعداء في أرض الإسراء، ولولا تقييد حريته وحركته من قبل الحكومات المكبلة -دومًا وأبدا- بشروط أمريكا، لما تردد هذا الشعب المِعطاء عن دعم المقاومة الفلسطينية في كفاحها المسلح بالأرواح والدماء.
وإذا كان دور مصر القومي والإسلامي قد تراجع -على المستوى الرسمي- في عهد السادات ومبارك عمَّا كان عليه في عهد سلفهما عبدالناصر بدءًا بتوقيع معاهدة (كامب ديفيد) مرورًا بتبادُل التمثيل الدبلوماسي وتحييد أو حرمان الجيش العربي المصري من دعم المقاومة العربية الفلسطينية المتعرضة لفتك الماكينة العسكرية الصهيونية، ومن ثم التبادل التجاري الذي عاد على الاقتصاد المصري بالكثير من الضرر بيمنا كان العدو الصهيوني هو الرابح الأكبر، وصولاً إلى التنسيق الدقيق مع الكيان الصهيوني لإغلاق معبر رفح في وجه الفلسطينيين إسهامًا في مضاعفة ما يلحق بهم من أضرار جراء ما يفرضه عليهم الصهاينة من حصار، فقد ظل يُحسب لهذه الحقبة -في المقابل- ما بقي متاحًا لجمهور الشعب المصري من هامش حرية نسبي يسمح للمصريين بالتعبير عن تضامنهم مع إخوانهم الفلسطينيين المرابطين في أرض الإسراء والتعبير عن مناهضتهم للاحتلال الصهيوني سرًّا وجهرا.
ولم يكن يخطر على بال أحد أن مصر ستبتلى يومًا بسلطة تجاهر للصهاينة بالمودة والولاء والفلسطينيين بالعداوة والبغضاء، وما كان لنا أن نتوقع حدوث ذلك مطلقا، لولا أنه أصبح في عهد السيسي واقعًا مُتحققا، فمنذ أن نفذ السيسي -بدعم سعودي إماراتي- انقلابه على أول سلطة سياسية منتخبة في تأريخ مصر العروبة في الـ30من يونيو 2013م أدارت مصر ظهرها للقضايا العربية والإسلامية بشكل كامل، مقبلة بوجهها -بالمقابل- على سلطات الكيان الصهيوني بشغف جنوني، ومنذ ذلك التأريخ تتعامل السلطة السيسيَّة الانقلابية مع كافة شرائح المجتمع العربي المصري وقواه السياسيَّة الفاعلة والحيَّة من منطلق الرعاية التامة لمصالح الدولة العبرية حريصة كل الحرص على مراعاة مشاعر مسؤوليها مبالغةً -في الوقت ذاته- في قمع أيِّ تصرف جماعي أو فردي يعكر صفو العلاقات السيسيَّة مع الكيان الصهيوني اليهودي.
ولعلَّ أغرب وأحدث حدث أحدثه نظام السيسي ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام عن قيام أجهزة الأمن المصرية بإلقاء القبض على مشجع مصري رفع العلم الفلسطيني ابتهاجًا بفوز منتخب مصر الأولمبي على نظيره الجنوب أفريقي واقتياده بعنف من مدرجات ملعب القاهرة إلى جهة غير معلومة، كما لو كان الشاب قد ارتكب برفعه العلم الفلسطيني جريمة جسيمة.
والسؤال الذي يُلحُّ الآن على الأذهان هو: هل بلغ مستوى ولاء نظام مصر للصهاينة في اللحظة الراهنة حدَّ تجريم كلِّ من يبدي تعاطفًا مع القضية الفلسطينية أو يرفع عَلَمَ فلسطين على أية بقعة من أرض الكنانة وتعريضه للاعتقال والتعذيب والإهانة؟!