الثلاثاء 10-12-2019 11:08:21 ص
بوح اليراع:حقبة سعوديَّة أكثر جاسوسيَّة
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: أسبوع و يومين و 15 ساعة
السبت 30 نوفمبر-تشرين الثاني 2019 08:06 م

ما من شك أن معظم أنظمة الحكم القمعية لا سيما تلك المحكومة بأنظمة أسرية تعتمد -في الحفاظ على عروشها من السقوط- على الأنشطة الجاسوسية، لكن هذه الأنشطة اللا أخلاقية كانت تمارس -في ما مضى- بمنتهى السرية، وغالبًا ما كانت تنحصر في أضيق الأطر، وما أكثر ما كان افتضاح أمر أيِّ نشاط تجسسي يضع النظام المتبني له في موقف محرج، على اعتبار أن في لجوء أيِّ نظام إلى تفعيل ذلك النشاط اللا أخلاقي دليل دامغ على افتقار ذلك النظام إلى الحدِّ الأدنى من الجماهيرية والشعبية، وبما يؤكد لخواص المجتمع ولعوام الرعية أنه نظام فاقد -تمامًا- للشرعية.
أما في عصرنا الراهن الذي تقلَّص فيه دور الناصح الأمين وعلا فيه شأن المنافق والمرائي والمتزلف والمداهن، فقد أصبح الاعتماد على الأنشطة الجاسوسية بصفة عامة مناط افتخار واعتزاز كثير من الأنظمة، وبخاصةٍ الأنظمة العربية المتأسلمة التي تدَّعي الانتماء إلى دين الإسلام ودين الإسلام منها براء، لا سيما وأنَّ كافة أفعالها وعلاقاتها وارتباطاتها تعكس -بجلاء- أنها أكثر من يُناصب الإسلام العداء، وفي صدارة تلك الأنظمة التي تعتمد على الجاسوسية بشكلٍ زائد نظام آل سعود ونظام أولاد زايد.
وإذا كانت الأسرة الحاكمة السعودية التي تمكنت من السيطرة على معظم جغرافية شبه الجزيرة العربية بمساندة غربية قد اعتمدت -إلى حدٍّ ما- على النشاط الجاسوسي -منذ العقود بل منذ الأعوام الأولى لتأسيس مملكتها- بهدف الحدِّ من نفوذ الأسر التي كانت ما تزال صاحبة حق في مناوءتها، فإنها باتت تعتمد على هذه الأنشطة الجاسوسية ذات الدلالات الإفلاسية -في عهد سلمان وابن سلمان- بدرجة أساسية راصدة لتفعيلها ميزانيات مالية ذات أرقام قياسية، وليس أدل على أساسية اعتمادها عليها من أن تصبح هذه الأيام مثار اهتمام ومعبث تبرُّم وزارة عدل أقرب حلفائها إليها وأكثرها حظوةً لديها، فقد (اتهمت وزارة العدل الأمريكية -بحسب صحيفة «واشنطن بوست» الرسمية- اثنين من موظفي تويتر السابقين بالتجسس لصالح المملكة العربية السعودية من خلال الوصول إلى معلومات الشركة عن المعارضين الذين يستخدمون المنصة، وهي المرة الأولى التي يتهم فيها المدعون العامون الفيدراليون السعودية بإدارة وكلاء في الولايات المتحدة).
وما كان لهذه الأنشطة التي لا تلجأ إليها –عادةً- سوى الأنظمة المستبدة أن تُمارس من قِبَلِ السلطات السعودية بهذا الاتساع، وبهذه الحدَّة لولا حرص الملك العجوز على إصمات كل الأصوات التي قد تسبب قلقًا حاليًا أو مستقبليًّا لخلفه ”ولي عهده“ وإصراره -باختياره أو بدون اختياره- على كبح جماح كل شخص أو فئة تُفكر بمناوءته أو انتقاد القادم من سياسته أو الوقوف ضدَّه، فقد ذكرت وكالات أنباء عالمية -منذ شهر مضى- (أنَّ واحدًا من المتورطين في هذا المخطط -وفقًا لوثائق المحكمة- هو أحد الأصدقاء المقربين لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي خلصت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى أنه وجَّه -على الأرجح- باغتيال الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول العام الماضي).
ولأن عهد محمد بن سلمان المرتقب سيكون -بالنظر إلى ما يتبنى من فعاليات ويرعى- عهدًا انحلاليًّا ولا دينيًّا بكل ما يحمله اللفظ من معنى، فإن جهد هذا النشاط اللا أخلاقي سيتركز ضدَّ المتدينين بالدرجة الأولى، وفي مقدمتهم الدعاة والعلماء الذين لن يقفوا -بكل تأكيد- شياطين خُرْسا أمام ما قد يسود فترة حكم هذا الأقرب إلى طباع النساء الأطوع في تنفيذ استراتيجية الأعداء من مظاهر المجون والفجور والخنا.كيف لا وقد استُهدِفَ العلماء والدعاة والمعهود عنهم التدين والالتزام بشكل عام بالتزامن مع استحواذه على ولاية العهد قبل عدة أعوام؟
بل إن علماء البلد الحرام ما يزالون بالعشرات وربما بالمئات مُغيَّبين في ظلمات المعتقلات أتذكَّر منهم -على سبيل المثال- الشيخ سلمان العودة الداعية الأشهر المعتقل في ظروف غاية في السوء، ويتعرض لألوان من التعذيب فوق احتمال جنس البشر على ذمة اتهامه بموالاة عدوَّتهم اللدودة قطر التي تُعَدُّ -من وجهة نظر السلطات السعودية- جريمة لا تغتفر وعلى ذمة اتهامه -من جانب آخر- بالوقوف ضد ما يسمونه استراتيجية التحديث التي يتولى كبرها ولي العهد المتمتع بتدليل الأبِ والأمَ وترتكز على الاستهداف الممنهج والمنظم لمقومات شخصية الفرد المسلم، ونسف كل ما تربَّى عليه من أخلاقيات ومُثل وقيم.
ولأن الداعية سلمان العودة سريع وعميق التأثير في الجماهير، فقد ضربت السلطات السعودية بسوء معاملته أسوأ مَثَل، ليعتبر به غيره، ويرتدع كل الذين ما يزالون يفكرون أن يسيروا سيره، ولنا في ما يُصاحب النطق بالحكم عليه بالإعدام من تأجيل يعقبهُ تأجيل منذ وقت طويل خير دليل على إرهاب الدعاة الشباب ممن هم سائرون في ذان السبيل بما ينتظرهم من صور التنكيل.