الخميس 20-02-2020 10:26:42 ص
بوح اليراع: لحظة تشييع الجزائر رئيس أركانها الثائر
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهر و 23 يوماً
السبت 28 ديسمبر-كانون الأول 2019 10:07 م

لقد كانت الثورة العربية الجزائرية أكثر الثورات تقديمًا للتضحيات، وحسبها استحقاقًا للثناء والتمجيد تسميتها (ثورة المليوني شهيد)، وما من شك أن اكتسابها هذه الشهرة العابرة للأجيال يرجع إلى ما أبداه ثوار الجزائر من صور الاستبسال في كافة محطات النضال حتى انتزعوا لأمتهم ما ظلت تحلم به من استقلال.وإذا كانت تلك الثورة الكبرى التي لا تضاهيها أية ثورة أخرى قد ارتوت بدماء ملايين الرجال، فقد لعب بعض من كتبت لهم النجاة أدوارًا بارزة في تحريك دفة الحياة، وبخاصة جوانبها العسكرية في ما اختطوه من خارطة طريق ثورية، ومنهم أبرز أولئك الثوار الذين أسهموا في رسم ما تتطلبه النهضة التنموية من مسار الراحل للتو الفريق أحمد قايد صالح رئيس الأركان.
ماضي أحمد قايد صالح النضالي
كون الثورة الجزائرية أعظم ثورة في الوجود، فقد احتاجت الكثير من الوقود، ووقود الثورات -على كل حال- دماء وجماجم الرجال، فقد انخرط الراحل في صفوف النضال -شأنه شأن الكثير من الشبَّان الجزائريين- دون سن العشرين.
وبعد أن انتصرت إرادة الشعب بانتصار ثورته استمر الراحل في السلك العسكري واشترك في خوض معارك الاستنزاف في مصر عام 1968م وكل همه الذود عن حياض الأمة.
وهكذا ظل يتدرج في المناصب الدفاعية متفانيًا في تنفيذ مهامه أيَّما تفان، حتى تبوأ عام 2004 منصب رئيس الأركان، ليعمل على ضبط إيقاع المؤسسة العسكرية الجزائرية وفق ما تقتضيه واجباتها الدستورية.
ويكفيه عرفانًا من الشعب الجزائري بدوره النضالي التحرري أنه حظي بتشييع جنائزي مهيب لم يحظ بمثله عسكري جزائري.
والأهم من كل ما تقدم مطالبة آلاف المتظاهرين -في فعالية التشييع- (السفير الفرنسي) بالانصراف السريع مبدين عدم رغبتهم باشتراكه في مراسم التشييع، على اعتبار أنه تمثيل رمزي لحقبة الاستعمار.
فلم يجد المسؤول الفرنسي من خيار أمام تلك الضغوط الجماهيرية الهادرة سوى خيار المغادرة.
الشرطي الحامي للمسار الديمقراطي
لقد عكس الراحل صورة مشرقة عن العسكرية العربية المعاصرة، إذ لم ينتهز فرصة انشغال جماهير الشعب والنخب السياسية ورموز النظام التي أصبحت في ورطة للانقضاض على السلطة، بل لقد كان -بمؤسسته العسكرية- الحارس على العملية السياسية والعامل على ضبط إيقاعها وفق ما تقتضيه مصلحة كافة الجزائريين.
فبقدر ما أحرج بموقفه هذا نُظراءه في المؤسستين العسكريتين المصرية والسودانية وعرَّى ما تختزنه نفوسهم من دناءة وأنانية، بذر في نفوسنا الأمل بإمكانية عودة العسكرية العربية إلى الاتسام بما اتسم به فرسان العصور الأُوَل أمرٌ محتمل.
اعترافات بجميله في يوم رحيله
بالرغم من الخروج الشعبي الكبير ضد النظام الذي كان الراحل ومؤسسته يُحسبان عليه، فلم تأخذه العزة بالإثم إلى قمع المتظاهرين تحيُّزًا للسلطة، بل لقد عملت المؤسسة العسكرية -نزولاً عند توجيهاته- جاهدة على الوقوف على مسافة واحدة من السلطة والجماهير المحتشدة، فضمن بذلك سلمية التظاهر، وضغط على السلطة لتنزل عند رغبة الجماهير الطامحة إلى الإسهام الفاعل في رسم مشهد سياسي قابل للتغيير.
وقد كان موقفه الحاقن للدماء مناط الكثير من الإشادات التي نكتفي منها بما هو آت:
1- كريم بوسالم، إعلامي ومقدم برامج في التلفزيون الجزائري سابقا، أشاد به -في صفحته على»تويتر»- قائلاً: «سيذكر التاريخ أنك كنت للبلاد وفيًا، وأنك صُنت الأمانة وحفظت العهد والوعد».
2- الكاتبة أحلام مستغانمي أشادت به في تغريدة لها على «تويتر» قائلةً: «رحم الله أحمد قايد صالح، سيذكر التاريخ أنّه حكم الجزائر في أصعب مراحلها، من دون أن يريق قطرة دم».
3- أحمد سكندر، مغرد جزائري استحسن خاتمة الطيبة قائلاً: «ختم حياته في خدمة الوطن أقسم أن لا تراق قطرة دم. الرجل وقف على رجليه لآخر دقيقة إلى أن وضع الجزائر على السكة الصحيحة».
4- المُغرِّد قادة بن عمار ثمن اتزان موقفه بالقول: «سيختلف الناس حول قرارات الفريق قايد صالح أو يتفقون معه، لكن الأكيد أن الرجل قرر عكس ما رأته العصابة في لحظة عصيبة عاشها الوطن وساهم مع الحراك في إبقاء الأمور سلمية إلى أبعد الحدود».
وحسبه فخرًا أنَّه قضى خمسة عقود من الزمن ملازمًا ملازمة الروح للبدن بِزَّتَه العسكرية التي يعتبرها أيُّ عسكريٍّ مخلصٍ للوطن بديلاً محتملاً عن الكفن.