الخميس 20-02-2020 10:27:20 ص
بوح اليراع: لا تقدُّمَ لليمن والمُعَلِّمُ ممتهن
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: شهر و 16 يوماً
السبت 04 يناير-كانون الثاني 2020 08:20 م

لا يمكن أن يعرف حجم ما يتكبَّده المعلم من مشاق أكثر من الذين اجترحوا عملية التعليم، وقد تشرفت -بدوري- بامتهان هذه المهنة التي تتقرح من كثرة الإمساك بطباشيرها الأنامل لمدة عقد زمني كامل.
فهو -لأهمية دوره- موقر ومحترم لدى معظم الأمم، باعتباره رمز عزَّة الأمة وعنوان نهضتها ورقيها وتقدمها، وكون اهتمام المواطن بالمعلم هو الطريق إلى تحقيق ما يصبو إليه من رفاهٍ وتقدم، على اعتبار أن الكوادر التي يعوَّل عليها في بناء وتطوير بلده تتخرج من تحت يده، وما أكثر ما نسمع ونقرأ أن المعلمين يُمنحون في أكثر بلدان العالم من المزايا المادية والمعنوية أكثر ممَّا يمنحه الوزراء.
أما في بلادنا فقد عرفنا المعلم -منذ نعومة أظافرنا- مجرد موظف هامشي يعيش في أدنى مستويات السُّلَّم المعيشي تنظر إليه أقلية العقلاء بشيء من الإشفاق، وتتعامل معه أغلبية الجهلاء باستخفاف لا يُطاق، بل إن من شُرِّفوا بامتهان مهنة الأنبياء هم -في مجتمعنا- أكثر شرائح الموظفين تعرُّضًا للإيذاء الذي غالبًا ما يتطور إلى حالة من الاعتداء التي تعكس ما يغلب على معظم أفراده من نمطٍ سلوكي منحرف كان وما زال أبرز عناوين واقعنا المُتخلِّف.

كيف نَقتُل خلائف الرسل؟!
من الإنصاف للمعلم الإشارة إلى أن أمير الشعراء لم يُبالغ ولم يجامل حين اعتبره أقرب إلى منازل الرسل، فكلاهما ينشر أنوار العلم الذي من شأنه الارتقاء بواقع المجتمعات الإنسانية إلى مستوى الاستفادة -على بصيرة- ممَّا أودعه في الكون لعباده من أسباب السعادة.
وبالتالي فإن الذين يتعرَّضون للمعلمين بالقتل أو بأيِّ مستوى من مستويات الإيذاء متشبهون باليهود قتلة الأنبياء، فهل بلغَ ببعض اليمنيين بُعدُهم عن ديننا الإسلامي الحنيف الذي يحضُّ على التحلي بالحلم حدَّ تقمُّص تأريخيَّة اليهود في إزهاق أرواح حملة مشاعل العلم؟!
وإذا كان المعلم لم ينل في يمن الحكمة والإيمان -على مدى عقود من الزمان- ما يستحقه من مكانة، فإن زمن العدوان الإماراتي السعودي المُتسبب في انقطاع الرواتب والساعي جاهدًا إلى توسيع بؤر التحَارُب قد جعل المعلمين الآن -كونهم جزءًا من شريحة الموظفين- أكثر عُرضةً للامتهان، لا سيما بعد أن دفعهم سوء أوضاعهم المالية إلى الاتجاه صوب المدارس الأهلية التي غالبًا ما تتحامل على المعلم وتخطُب -في المُقابل- ودَّ الطالب كونه مصدر ما يتقاضاه المعلم من راتب الذي يعود عليها جهده بالوفير من المكاسب.
وقد بلغ الاستخفاف بالمعلم مداه بإقدام ولي أمر الطالب -مستقويًا بما يملكْه من مالٍ وجاه- على ضرب المعلم بقسوة لا يلبث أن يُفارق -على إثرها- الحياة، فليس عنَّا ببعيد ما كان -قبل عدة أيام- من إقدام رجل المال والأعمال المدعو مراد ناصر جبران الفقيه -في الحرم المدرسي لـ(مدارس كيان الأهلية)- على الاعتداء على المعلم فيصل سعد الريمي، فلم تمضِ عليه سوى سويعات حتى انتقل -مغلوبًا على أمره- إلى عالم الأموات تاركًا جُرحًا غائرًا في جسَد العملية التعليمية يشهد بخلو بعض الشخصيات اليمنية -بصورة نهائيَّة- من كل القيم الآدمية.

معلمة فيزياء تفترش (الرصيفيا)
من ناحية أخرى فإن حِرمان مجتمعنا -جزئيًّا- للمعلم من المكانة المستحقة التي حُرِم منها في ظل العدوان السعودي الإماراتي- بصورة مطلقة قد دفع المُعلمين الذين لم يحظوا بفُرص عمل في المدارس الأهلية- إلى امتهان مهنٍ يدويَّة يتطلب القيام بها صحةً بدنيَّة، بيد أن البعض ممن لم يظفروا بفرصة القبول بأيٍّ من تلك المدارس التي تحرص -في الأكثر- على المظهر أشدَّ من حرصها على الجوهر، ولم يؤهلهم جنسهم أو تقدمهم في السن لامتهان تلك المهن، فقد اضطرَّوا على وقع شدة احتياج أسرهم إلى ما يقيم الأوَدَ من المشرب والمأكل -بالرغم من نوعية ما يحملونه من مؤهل- إلى تخطي حاجز الخجل وافتراش الأرصفة مُتجرِّعين مرارة ذُلِّ التسوُّل، ومن أبرز النماذج المنتمية إلى ذلك الصنف المتعفِّف الذي دفعته الحاجة إلى ما بات عليه من التكفُّف معلمة حاصلة على(ماجستير فيزياء) منعها الحياء من الكشف عن شخصيتها، فقد تداولت مواقع إخبارية صورة لامرأة يوحي منظرها بأنها في منتصف عمرها وهي تفترش الرصيف بهدف توفير ما تحتاجه أطفالها من الرغيف.
وفي ذات الأثناء فقد نوهَّت المواقع إلى أن مدارس أهلية كثيرة رفضت التعاقُد مع تلك المعلمة القديرة وأعرضت عنها مُتذرِّعَةً بما تزعمه من كبر سنها.
ولأن المُعَلِّمَ هو حجر زاوية التغيير لإحداث أيِّ تطوير، فلا يمكن أن يتقدَّم اليمن والمعلم فيه ممتهن، وأيُّ أذًى يلحق بالعلم، فإنَّ المجتمع يدفع الثمن.