الإثنين 27-01-2020 17:54:27 م
نافذة على الاحداث: نحن الملومون
بقلم/ كاتب/احمد ناصر الشريف
نشر منذ: أسبوعين و 6 أيام و 19 ساعة
الإثنين 06 يناير-كانون الثاني 2020 10:28 م

ليس هناك أخطر على الشعوب والأوطان من العداوة والبغضاء والحقد الذي يكنّه المواطن ضد أخيه الإنسان تحت أية ذريعة كانت.. وليس هناك أخطر على المسئوولين من البطانات الفاسدة والسيئة التي ترشدهم إلى سلوك طريق مسدود يفصلهم عن مواطنيهم ويحجب عنهم الحقائق .. ونؤكد هنا أن كلتا الحالتين موجودتان عندنا في اليمن ..
ولما لهما من تأثير سلبي عكس نفسه على حياة الناس وعلى وحدتهم الوطنية والفكرية والعقدية فقد تفرّق اليمنيون إلى شيع وأحزاب وانشغل بعضهم بالبعض الآخر على حساب بناء دولتهم وتقويتها التي لم يعد موجوداً منها على أرض الواقع سوى اسمها كشعار نتغنّى به، فأضعفنا أنفسنا وفتحنا الأبواب على مصاريعها أمام الآخرين ليتدخّلوا في شؤوننا ويرسموا لنا الطريق الذي نسير فيه بحجة مساعدتنا وشفقة منهم علينا .
وإن كان ما يجري في بلدنا اليمن ليس وليد الصدفة أو أنه ظاهرة عارضة يمكن أن تختفي وتزول وإنما له جذوره الممتدة إلى أكثر من خمسة عقودً وتحديدا منذ قيام ثورة 26سبتمبر عام 1962م التي حملت للشعب اليمني في ظاهرها الرحمة ولكن مع الأسف وُجد نفر من الناس حوّلوا هذه الرحمة إلى عذاب وجعلوا من الثورة وكأنها قامت من أجل الانتقام وتصفية الحسابات لا من أجل نقل الشعب اليمني إلى وضع أفضل لا سيما بعد أن تم تسليمها إلى ثوار ما بعد الثورة، وإزاحة المناضلين الحقيقيين ليتم إفراغها من مضمونها الذي تجسد في أهدافها الستة ولم تر النور على الواقع كترجمة عملية إلى وقتنا الحاضر .. وإنما ظلت مصلوبة في وثائقنا ووسائل إعلامنا للتفرّج عليها.
ومن يرجع للتأمل في مذكّرات عدد من الذين كان لهم باع طويل في النضال الوطني وعلى رأسهم حكيم اليمن القاضي عبدالرحمن الإرياني، رئيس المجلس الجمهوري الأسبق وأستاذ اليمن أحمد محمد نعمان، رحمهما الله، والأستاذ محسن أحمد العيني، والدكتور حسن محمد مكي رحمه الله ، والأخيران من الذين كُتب عليهما تحمل مسؤولية تشكيل حكومات سابقة في عهد ما كان يسمّى بالجمهورية العربية اليمنية، سيجد فيها العجب العجاب وكيف أن الثورة بدأت تأكل أبناءها منذ يومها الأول وزادت حدة الخلافات بين الثوّار بعد وصول طلائع القوات العربية المصرية إلى اليمن بحجة الدفاع عن الثورة وحمايتها من الرجعية والاستعمار وهنا تسلّم الأشقاء في مصر زمام الأمور وسلموها إلى غير أصحابها، فتحولت الساحة اليمنية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية دفع اليمنيون ثمنها غالياً، ولم يتوقف هذا الصراع الدامي والمرير الذي انقسم اليمنيون في ظله إلى معسكرين جمهوري وملكي إلا في يوليو عام 1970م عندما تحققت المصالحة الوطنية بين المعسكرين عبر وساطة خارجية، وتم تشكيل مجلس جمهوري وحكومة ومجلس شورى من الجانبين المختلفين مع الحفاظ على النظام الجمهوري كمسمى سياسي بينما في الواقع أن الذي كان يتحكّم في مصدر القرار بطريقة بدائية هم المشايخ والنافذون الذين حلّوا محل نظام ما قبل الثورة وإن تعددت وجهاتهم وشكّلوا دولاً داخل الدولة ورهنوا اليمن للخارج وهو ما يؤكد ما قاله القاضي عبدالرحمن الإرياني في مذكراته رحمه الله : إننا قمنا بثورة على إمام واحد وأتينا بأربعين أماماً، أي أننا صرفناه مثل الريال الفرنصي إلى أربعين بقشة .. وقد ظل هذا الوضع هو السائد طيلة العقود الماضية وإن كان الوضع الأخطر والأكثر سوءاً الذي تسبّب في تدمير الدولة هو ذلك الوضع الذي أوجده التحالف الثلاثي بعد تسلمه الحكم في 17 يوليو عام 1978م على انقاض المشروع التحديثي الذي حاول أن يرسيه الشهيد إبراهيم محمد الحمدي، رحمه الله فأسّس هذا التحالف الثلاثي للتقاسم والمحاصصة في السلطة والقفز فوق الأنظمة والقوانين، بل وشرعن للفساد والإفساد حتى أن ثقافة الفيد المادي والتسلطي قد طغت على كل شيء وأصبح منذ ذلك الوقت كل مسؤول ينظر للسلطة على أساس أنها مغنم وليست مغرماً .
ولأن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده في اليمن فقد شاء إلا أن ينهار هذا التحالف الثلاثي من خلال تخلخله من الداخل بدءاً بفقد الثقة فيما بين أعضائه ومروراً بالخلافات التي عصفت به وانتهاء بالتآمر على بعضه لينتهي ويتلاشى بتساقط رموزه التي أفسدت الحياة السياسية في اليمن وإن بقي لها جذور .. وهذه رحمة من الله باليمن وشعبها، فلو بقي هذا التحالف على وفاق فلن يستطيع الشعب اليمني أن يتخلص منه وهو جامع كل خيوط السلطة في يده مستمدا قوته من الخارج مهما تمرد عليه الشعب وتذمر وثار وقد يستمر مسيطراً على الحكم في اليمن إلى ما لانهاية، ولكن كان مشروع التوريث الذي بدأ الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح يعد له أول مسمار يدق في نعشه .. ولأن اليمنيين قد ذاقوا الأمرّين في ظل حكم هذا التحالف الثلاثي وما ورثه من فساد وإفساد ترسخ في عقول الغالبية العظمى من المسؤولين كثقافة عامة للناس .. ولذلك فإن المطلوب إقصاء هذا الغول الذي جثم على صدور اليمنيين مايقارب اربعة عقود وأن تستفيد السلطة القائمة من أخطاء من سبقها تجنباً لتكرار الأخطاء .. وأن يتم تقييم اداء المسؤولين طالما وأن الشعب اليمني قد بات ولأول مرة يمثل رقماً صعباً في المعادلة السياسية الجديدة وكلمته أصبحت مسموعة .. خاصة أن السلطة لم تعد مغرية للبعض والتهافت عليها كما كان حالها في السابق، حيث اليوم أصبح في حلالها حساباً وفي حرامها عقاباً كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه وان كان يقصد الدنيا.
والشيء الذي لا نشك فيه إطلاقاً هو أن اليمنيين ماضون في طريقهم إلى النهاية وصولاً إلى صنع مستقبلهم المشرق وبناء دولتهم القوية والعادلة دون وصاية خارجية وهزيمة العدوان على بلدهم والإنتصار عليه ولن يتراجعوا إلى الوراء أبداً بإذن الله تعالى .