الخميس 20-02-2020 01:09:07 ص
بوح اليراع: إعلانُ الحرب بوجه ترمب أنفى للحرب
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 4 أسابيع و يوم واحد و 6 ساعات
الثلاثاء 21 يناير-كانون الثاني 2020 06:52 م

منذ أن ولج المعتوه ترمب البيت الأبيض الأمريكي أوائل عام 2016م الفائت وتنصُّله عن الإيفاء بكل ما أبرمه والتزم به سلفه أوباما من اتفاقيات دولية، بما في ذلك التنصُّل من تنفيذ بنود الاتفاق الخاص بالملف النووي الإيراني، منذ ذلك الحين وهو يقوم بتفويج القوات الأمريكية إلى الخليج راميًا من وراء ذلك إلى تحقيق هدفين، أولهما مضاعفة ما تستنزفه القوات الأمريكية من خزائن الأنظمة الخليجية، وثانيهما تهديد إيران بإمكانية شنِّ حربٍ شاملة ضدَّها ما لم تقف -بحسب خطابه الأرعن المدفوع الثمن- عند حدِّها.
وبالرغم من أن تراجع الأمريكان عن الإيفاء بالتزاماتهم تجاه الاتفاق الخاص بالملف النووي الإيراني لم يتجاوز -إلى حدِّ الآن- إعادة ما كان مفروضًا من عقوبات اقتصادية أمريكية ضِدَّ طهران، فلم يخلُ أيُّ خطاب من خطابات ذلك الـ(ترمب) من التلويح للمسؤولين الإيرانيين بإمكانية شنِّ الحرب، وهو تلويح ينطوي -عادةً- على تنبيه أنظمة الخليج إلى المسارعة في دفع كلفتها المالية المهولة مُقدمًا، فلا تجِد تلك الأنظمة -من جانبها- بُدًّا من الالتفات المتكرر إلى تنبيهاته وامتثال أوامره وتوجيهاته، فلا تلبث الخزينة الأمريكية أن تُرفد -في مقابل تلك التلويحات ولعدَّة مرات- بعشرات وربَّما مئات المليارات.
بيد أن ما كان يصدر عن ذلك المعتوه من تهديد أو تلويح كان يذهب في مهبِّ الريح، لا سيما في ظل ما كان يلمس من ردود أفعال إيرانية قوية أمام كل الأعمال الأمريكية الاستفزازية، وقد تمثَّل أهم ردِّ فعل إيراني معلن في إسقاط تلك الطائرة الأمريكية التجسسية الباهظة الثمن.
لكن لعل توهُّمَ ترمب بأن إيران باتت تمرُّ -بفعل الحصار الاقتصادي المفروض عليها- بضائقة اقتصادية افتراضية قد أغراه بالقيام بعملية عسكرية أمريكية استعراضية، على أمل أن يستنقذ بها ما تبقى من سمعته المتهاوية ويُعزز بنتائجها موقفه لما من شأنه مضاعفة فرصه لخوض معترك الانتخابات الرئاسية بعد تضاؤل الآمال إلى درجة الاضمحلال من إمكانية فوزه بولاية ثانية.
وهكذا دفع ترمب توهُّمُه الكاذب وسوء تقديره للعواقب إلى إصدار توجيهاته الترمبيَّة الانفعاليَّة المخالفة لكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والمجافية لكل مواد وأحكام القانون الدولي الإنساني باغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء (قاسم سليماني) بذريعة تورُّطه -بحسب ما توافر لدى أجهزته الأمنية من معلومات استخباراتية- في التخطيط لشنِّ هجمات إرهابية على القوات الأمريكية المتمركزة في الأراضي العراقية والأراضي السورية.
وأيًّا كانت حظُّ هذه المزاعم الافترائيَّة من المصداقية، فإن المؤكد أن ترمب أصدر توجيهاته بتنفيذ تلك العملية الاغتيالية الإجرامية وهو متوهِّم أن التدهور الاقتصادي الإيراني قد بلغ حدَّ عجز القوات المسلحة الإيرانية عن القيام بأي ردِّ.
وللمزيد من إشهار الاستعلاء والاستكبار، فقد حذَّر البيت الأبيض طهران -عقب عملية الاغتيال الإجرامية- من القيام بأيَّة ردود فعل انتقامية، مؤكدًا أن أية عملية إيرانية من ذلك النوع ستُقابل -أمريكيًّا- بأعلى مستويات الردع، وأن أمريكا على أهبة الاستعداد لاستهداف الأراضي الإيرانية بضربة عسكرية نوعية قوية تطال 52هدفًا ذات أهمية استراتيجية من بينها أهداف ثقافية يمثل استهدافها طمسًا جزئيًّا للهويَّة.
لكن الملاحظ أن ما يتمتَّع به الاقتصاد الإيراني من تعافٍ نسبي وما تتسم به الجبهة الداخلية الإيرانية من تماسُك قد خيب -دون أدنى شك- آمال كل ترمبيٍّ أو متأمرك، فقد تلقَّفت طهران نبأ حدوث تلك الفاجعة بهدوء أعصاب إلى أقصى حد معربةً عن احتفاظها بحقها في القيام بما تراه من ردود عسكرية رادعة، مؤكدةً أن ما أقدم عليه المعتوه ترمب من تهور سينعكس على المنطقة بحلول ناجعة وأن هذا الخطأ الاستراتيجي سيؤدي إلى تطهير المنطقة من رجس التواجد العسكري الأمريكي بشكل نهائي، وما هي إلا خمسة أيام بالعدد حتى جاء الرد لتتلقَّف القاعدتان العسكريتان الأمريكيتان في أربيل والأنبار ما وُعِد به ترمبهما الثرثار من الأخذ بالثأر بكل ما يترتب على ذلك من رمي الكرة في ملعب ترمب الذي توعَّد بإمطار إيران بوابل لا ينضب من اللهب.
وفي الوقت الذي كان مَوَالي ترمب من حكام العرب يتوقَّعون من البنتاغون ردًّا عسكريًّا عاجلاً ومزلزلا، يأتي موقف البيت الأبيض -بالنسبة لهم- ضعيفًا ومُخْجِلا، فبقدر تكتَّمت السلطات الأمريكية -بدبلوماسية تكتيكية- عن الإدلاء بأية معلومات عمَّا كبدتها تلك الهجمات من خسائر في الأرواح والمعدات، أعرب ترمب عن رغبته الكاملة بعدم الدخول في ما أطلق عليه حربٍ شاملة.
وما كان له أن يقف هذا الموقف الذي يُعَدُّ عقلانيًّا بامتياز، لولا تلك الردود الإيرانية الحازمة على كل ما كان يصدر عنه أو عن قواته من استفزاز.