الخميس 20-02-2020 02:58:55 ص
بوح اليراع: دور المعلم في صُنع مستقبلٍ مُشرِقٍ أو مُظلِم
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 4 أسابيع و يوم واحد و 7 ساعات
الثلاثاء 21 يناير-كانون الثاني 2020 07:19 م

ما من شك أن الأبوين كليهما هما المدرسة الأولى للنشء، وبقدر ما يُدركان أهمية وخطورة المسؤولية الملقاة على عاتقهما ينشأ الأبناء نشأة سليمة ويحققون نجاحاتٍ حياتيَّة نموجيَّة.
وإذا ما قُدِّرتْ على أحدهما الوفاة، فإن المسؤولية تتضاعف على من قدر له البقاء منهما على قيد الحياة، وبقدر ما يُدرك -أبًا كان أو أمًّا- حجم المتغيرات التي طرأت على الواقع الحياتي لأسرته التي نتجت عن رحيل شريك حياته يضاعف جهوده ويتحلى بقدر من الصبر والمرونة يمكنانه من إتقان دور الأب والأم في آن، وفي حال جهله ما استجد على واقعه من تضاعف المسؤولية، فلن ينفك -نتيجة سوء التقدير وجهله ما تؤول إليه الأسرة من وضع خطير- يتمادى في التقصير، حينها يُصبح الصغار مفتقرين إلى اهتمام الأبوين على حدٍّ سواء كما قد كانوا قد يُتِّموا منهما معا، فيصبحوا -في ظل ما وصلوا إليه من أوضاع- عُرضة للضياع، وفي هذا الظرف تُصبح الكُرة في ملعب المؤسسة التربوية متمثلة في شخص المعلم الذي قد يسهم -بسوء معاملة التلميذ اليتيم- في رسم ملامح ما ينتظره من مستقبل مُظلم، وقد يؤسس -بمعاملته إياه معاملة حسنة- في وضع الأساس المتين لمستقبله الذي قد يعود بالنفع على مجتمعه بأكمله.
ولعلي بإيرادي ما تحتويه الأسطر التالية من قصة أسهم في وضعَ يد المعلم على ما بين يديه من فُرصة.
(وقفت معلمة الصف الخامس ذات يوم وألقت على تلاميذها جملتها المجاملاتية المعهودة: «إنني أحبكم جميعًا»، وهي تستثني -في نفسها- تلميذًا يدعى «تيدي»!
وقد استندت في حكمها الجائر إلى ما لاحظته عليه خلال ذلك العام الدراسي، فقد كان منطويًا على نفسه، ومهملاً نظافة ملابسه، ومستواه الدراسي متدنٍ جدًّا، ولم يكن يلعب مع الأطفال، وكان كثير الذهاب إلى الحمام، وكان كئيبًا إلى درجة أنها كانت تجد متعة في تصحيح أوراقه بالقلم الأحمر، وهي تضع عليها علامة (x) بخط عريض وتكتب كلمة راسب في صدر الورقة.
وذات يوم طُلب منها مراجعة السجلات الدراسية السابقة لكل تلميذ، وبينما كانت تراجع ملف «تيدي» فوجئت بشيء ما!
فقد كتب عنه معلم الصف الأول: “تيدي” طفل ذكي وموهوب، يؤدي عمله بعناية وبطريقة منظمة”.
وقد كتب عنه معلم الصف الثاني: “«تيدي» تلميذ نجيب ومحبوب لدى زملائه ولكنه منزعج بسبب إصابة والدته بمرض السرطان”.
أما معلم الصف الثالث فقد كتب: “لقد كان لوفاة أمه وقعٌ صعبٌ عليه، فقد بذل أقصى ما يملك من جهود، لكن والده لم يكن مهتمًا به، و إن الحياة في منزله سرعان ما ستؤثر عليه إن لم تتخذ بعض الإجراءات”.
بينما كتب معلم الصف الرابع: “«تيدي» تلميذ منطوٍ على نفسه، لا يُبدي الرغبة في الدراسة، وليس لديه أصدقاء، وينام أثناء الدرس”.
هنا أدركت المعلمه المشكلة، وشعرت بالخجل من نفسها!
وقد تأزم موقفها عندما أحضر لها التلاميذ هدايا عيد الأم ملفوفة بأشرطة جميلة، ما عدا «تيدي» كانت هديته ملفوفة بكيس مأخوذ من أكياس البقالة.
تألمت المعلمة عندما فتحت هدية «تيدي» فضحك التلاميذ على هديته وهي عِقْدٌ مؤلفٌ من ماساتٍ ناقصة الأحجار وقارورة عطر ليس فيها إلا الربع.
لكن التلاميذ كفوا عن الضحك عندما عبَّرت عن إعجابها بجمال العقد وجودة العطر وشكرته بحرارة، وارتدت العقد ورشَّت شيئا من العطر على ملابسها.
يومها لم يذهب «تيدي» بعد الدراسة إلى منزله مباشرة، بل انتظر ليقابل معلمته، ويقول لها: إن رائحتك اليوم مثل رائحة أمي!
عندها انفجرت المعلمة بالبكاء، لأن «تيدي» أحضر لها زجاجة العطر التي كانت والدته تستعملها، ووجد في معلمته رائحة أمه الراحلة.
منذ ذلك اليوم أولته اهتمامًا خاصًّا، فبدأ عقله يستعيد نشاطه، فأصبح قبل نهاية العام الدراسي أكثر تلاميذ الفصل تميُّزًا، ثم وجدت المعلمة مذكرة عند بابها للتلميذ «تيدي» كتب لها فيها: “أنتِ أفضل معلمة قابلتها في حياتي”، فردت عليه: “أنتَ من علمني كيف أكون معلمة جيدة”.
وبعد عدة أعوام فوجئت هذه المعلمة بتوجيه دعوة من كلية الطب لحضور حفل تخرج الدفعة في ذلك العام موقعة باسم: ابنك «تيدي».
فحضرت وهي ترتدي العقد وتفوح منها رائحة العطر اللذين أهداهما إيَّاها.
وها هو اليوم «تيدي ستودارد» -بفضل ما منحته تلك المعلمة من حنان- أشهر طبيب بالعالم ومالك مركز(ستودارد) لعلاج (السرطان).
لا شك أعزائي القراء أنكم صرتم -بعد فراغكم من قراءة السطور- تشاركوني اندهاشي بما طرأ على واقع التلميذ الصغير في غضون شهور من تغيير كبير، بفضل استبدال المعلمة ما كانت تعامله من معاملة ظالمة بمعاملة تحفيزية ملهمة.
فلو كانت استمرت في إهماله، لأصبح واحداً ممَّن تزخر بهم أقطار العالم من المشردين، لكنه أصبح -بفعل ما اجتمع له فيها من اهتمام المعلمة وحنان الأمومة- واحدًا من نوابغ الطب المعدودين.
لذا فليس بوسعي إلاَّ أن اسأل المولى -جلَّ وعلا- أن يتنبَّه معاشر المعلمات والمعلمين إلى ما قد يُمثله بعض التلاميذ المُيَتَّمين والمُعدمين من كنزٍ ثمين، وإلى ما قد يمثله تواضعهم وحسن معاملتهم لتلاميذهم لا سيما الأيتام الذين يحسن بهم أن يختصوهم -دون سواهم- بالمزيد من الاهتمام من الإسهام في صياغة واقع مجتمعي مستقبلي سوي يتحقق -في ظله- كل ما يصبو إليه أبناء مجتمعه من آمال وطموحات وأحلام، وكل ما يحتاجه وطنه من تطور ونهوض ونماء، ما كان لها أن تتحقق لولا تصبُّر المعلم على ما يتخلل العملية التعليمية من عناء.