الخميس 20-02-2020 12:40:11 م
بوح اليراع: جُوْدُ مُتَصَعْلِك بكل ما يملك
بقلم/ عبدالسلام التويتي
نشر منذ: 3 أسابيع و يومين و 19 ساعة
الإثنين 27 يناير-كانون الثاني 2020 05:24 م

ليس بخافٍ على أيِّ مُلمٍّ بموروثنا الأدبي أنَّ مُصطلح (التَصَعْلُكِ) في تراثنا العربي ذو مدلول إيجابي، فهو يعني التشرُّدَ تمرُّدًا واحتجاجًا ضمنيًّا على ما كان يسود المجتمع العربي الجاهلي -شأنه شأن سائر مجتمعات العالم- من مظالِم وامتهان كرامة وإنسانية الإنسان، فقد شُهِر الشعراء الصعاليك أو صعاليك الشعراء -وجميعهم فرسان- بالسطو على قوافل وأموال الأثرياء الذين أصبحوا فاحشي الثراء بمضاعفة ثرواتهم عن طريق الربا، ومن ثَمَّ الجود بجُلِّ ما استلبوه من أموال الأقوياء على سائر الضعفاء، مُحققين بذلك -نسبيًّا- العدالة الاجتماعية التي كانت تتنزَّل بها الشرائع والرسالات السماوية على قلوب المرسلين من الأنبياء، فضلاً عن أنهم بجودهم بكل ما كانوا يضعون أيديهم عليه مع شدَّةِ احتياجهم إليه يتمثَّلون أحسن تمثُّل قيمة الإيثار التي جاء بها القرآن الكريم -بعد ذلك- وأعلى من شأنها في أوساط الأنصار الذين كانوا يؤثرون إخوانهم المهاجرين بما كانوا هم أنفسهم بأمسِّ الحاجة إليه.
وإذا كان هذا اللفظ بفعل ما يطرأ على القِيَم من تدهور -كثمرةٍ سلبيَّةٍ من ثمرات التطوُّر- قد اكتسب مدلولاً آخر أفرغه من كل معاني الخير وصار ينضح بالشر، فما يزال له -في بعض المجتمعات البشرية المعاصرة- قدرًا من التحقُّق على أرض الواقع، فبالرغم من أن المشرد المجتمعي الذي لا يختلف في اتسامه بالخيرية -في رأيي- عن صعلوك جاهليي العرب لا يصل إلى حالة التشرُّد(التصعلُك) إلاّ بفعل نبذ مجتمعه له وازدرائهم إياه نبذًا وازدراءً يُفضي به إلى شدَّةِ العوز والفاقة الكاملة، فتصبح حياته أشبه بحياة الحيوانات الضالة، فهو -بالإضافة إلى افتقاره الحدِّ الأدنى من الاستقرار في مسكن- لا يعتمد في اقتيات طعامه على ما ترميه إليه القلة من الأيادي المحسنة عن بُعد حرصًا على السلامة أو على فُتات موائد الموسرين التي يُفتِّش عنها -عادةً- في أكوام القمامة المتراكمة.
ومع ما يُقاسيه المشرَّدون من هضمٍ مجتمعي، فإن بعضًا منهم يبقى –مع ما يتعرَّض له من دَعِّهِ وإهانته- محتفظًا بإنسانيته التي لا تلبث أن تتجلى واقعًا وحقيقة في بعض المواقف التي تحمله على المبادرة بصورة مهذبةٍ لائقة على مدِّ يد العون أو المساندة لأيِّ من أبناء مُجتمعاتهم حالما يقع في ضائقة.
ولعل أغرب وأعذب حالة تشرُّد أو تصعلك مثالية معبَّرٌ عنها في مضمون القصة التالية:
(تعطلت سيارة فتاة تركية في طريق مقطوع في ولاية أزمير، وأثناء بحثها عن هاتفها حتى تهاتف أيًّا من أقاربها كي يهبَّ لإنقاذها، اكتشفت أنها نسيت حقيبتها التي تحتوي هاتفها ونقودها في المنزل.
فظلت منقطعةً في الطريق لا تعرف كيف تتصرف، إلى أن لاحظ وجودها رجل متشرِّد كان جالسًا قرب حاوية للنفايات، فقام وتقرَّبَ منها وسألها: اتحتاجين شيئآ؟!
فخافت منه كونه متشرِّدًا، وقالت: لا.
فرجع بكل هدوء إلى مكانه، وظل يراقبها دون لفت نظرها، فلمَّا وجدها ما زالت منتظرة، عاد إليها بعد قليل وبادرها قائلاً: أنا متأكد أنك تحتاجين مساعدة ثقي بي، وبعد إلحاحٍ شديدٍ منه وخوف منها قالت له: سيارتي استنفِدَ منها الوقود.
قفال لها: حسنًا انتظري داخل سيارتك، وسأعود بعد قليل.
تواصل الفتاة رواية قصتها مع المشترِّد قائلةً: خوفي منه -بعد ذهابه- تضاعف، وبقيت في قمة الرعب وأنا جالسة في سيارتي وحدي انتظر المجهول.
وبعد نصف ساعة عاد الرجل وبيده دبَّة صغيرة فيها وقود، وفتح خزان سيارتها وقام بتعبئته، كل هذا وهي جالسة في سيارتها.
وبعد أن أكمل تعبئة الكميَّة التي جاد لتوفيرها بكل ما كان يملك، اتجه إليها وقال لها: أنا آسف لم يكن لديَّ سوى 20 دولارًا، لكنني أعتقد أنها كافية لإعادتك إلى أهلك سالمة.
بقيت الفتاة تنظر إليه بُرهة بذهول وأدمعت عيناها تأثُّرًا بموقفه الجواد الذي لم يعد يوجد مثله في البلاد، وطلبت منه أن يركب معها إلى بيت أسرتها كي ترد له النقود.
فقال لها: لا يهم هي لم تكن ملكًا لي من الأساس، فقد أعطانيها شخصٌ لست أعرفه دون أن أطلب منه ذلك!!
ومن الواضح بل من المؤكد أن هذا النمط الفريد من الكرم الذي هو مجرد مغرم لا يُرتجى من ورائه أيَّ مغنم لا يعتمد على ما يمتلكه المرء في جيبيه بقدر ما يعتمد على ما يحمله الإنسان بين جنبيه.