الخميس 20-02-2020 10:38:28 ص
نافذة على الاحداث: شجاعة الاعتراف بالأخطاء
بقلم/ كاتب/احمد ناصر الشريف
نشر منذ: 3 أسابيع و يومين و 17 ساعة
الإثنين 27 يناير-كانون الثاني 2020 05:26 م

ليس عيباً أن يخطئ الإنسان ويتراجع عن أخطائه وإنما العيب أن يستمر في الخطأ ويدافع عنه .. وقد جاء في الأثر : أن خير الخطائين التوابين.. ولذلك يستوجب علينا كيمنيين أن نمتلك شجاعتنا الكاملة ونعترف بأننا أخطأنا في حق أنفسنا وفشلنا منذ أول يوم قمنا فيه بثورة 26سبتمبر عام 1962م في تحقيق ما كنا نتطلع إليه من حياة حرة كريمة وبناء دولة وطنية حديثة مازلنا نطالب بها حتى اليوم ولم تتحقق رغم مرور ما يقارب الستة عقود على قيام ثورة :( 26 سبتمبر و 14 أكتوبر ) ولا شك أن مرد هذا الفشل والعجز يعود إلى أننا لم نكن مهيئين لتنفيذ ما تضمنته أهداف الثورة الستة التي تم الإعلان عنها صبيحة قيام الثورة .
لقد كان أول خطأ ارتكبناه أننا قمنا بثورة لم نستطع الدفاع عنها فاستعنا بغيرنا ليحميها ويدافع عنها فدخلت اليمن في حرب ضروس استمرت ثماني سنوات وتحولت الساحة اليمنية إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية دفع الشعب اليمني ثمنها غاليا ما تزال تداعياتها تلقي بظلالها على الأوضاع في اليمن الى اليوم .. وعندما تحققت المصالحة الوطنية في يوليو عام 1970م بعد الاتفاق الذي تم بين الرئيس جمال عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز واعتقدنا أننا ملكنا زمام أمورنا وجدنا أنفسنا برضانا واختيارنا تحت رحمة التدخلات الخارجية وصار الجيران الأقربون هم من يتحكمون في قرارنا .. وبسبب هذا التدخل دخل الشطريين اليمنيين سابقاً في عدة حروب بهدف زعزعة الأمن والاستقرار فيهما حتى تبقى اليمن ضعيفة وفي حالة صراع دائم ويبقى شعبها محتاجاً لمن يتحكم في مصيره بالطريقة التي يريدون لهذا المصير أن يكون .. وحينما قام الشهيد إبراهيم الحمدي رحمه الله بحركة 13يونيو عام 1974م التي كان هدفها الأساس تصحيح مسار ثورة 26سبتمبر والعمل على تحقيق أهدافها الستة وحاول أن يعمل شيئاً يستعيد اليمنيون من خلاله حريتهم وسيادتهم يعتمدون على أنفسهم تجاه من تعودوا على الارتماء في أحضان الغير وتخلصوا منه بالقتل فاغتالوا فيه أمل اليمنيين المتمثل في مشروع الدولة الوطنية الحديثة الذي كان يحمله الشهيد الحمدي ويبشر به فعادت الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه قبل قيام حركة 13 يونيو التصحيحية ولتبدأ مرحلة التراجع إلى الخلف وبالتحديد إلى ما قبل ثورة 26سبتمبر بفارق أننا كنا قبل الثورة رغم التخلف القائم مستقلين بقرارنا ومعتمدين على أنفسنا .. وإذا ما قارنا أوضاعنا قبل ثورة سبتمبر بأوضاع جيراننا في شبه الجزيرة العربية والخليج فسنجد أننا كنا أفضل منهم حالاً بشهادة كبار السن الذين عايشوا تلك المرحلة.
ومنذ العام 1978م من القرن الماضي دخلت اليمن في مرحلة نستطيع أن نطلق عليها جزافا أنها مرحلة اللادولة استمرت اكثر من ثلاثة عقود عاش اليمنيون في ظلها وهم لا يعرفون من الذي يحكمهم ولا يدرون ماهي طبيعة النظام المفروض عليهم هل هو : جمهوريا أم ملكيا أم مشيخيا أم أن شريعة الغاب هي التي كانت سائدة ؟ بدليل انه تم اقتسام اليمن ببره وبحره بين أصحاب النفوذ وكانت المستوطنات البرية والبحرية تنبئ عن أصحابها من خلال اليافطات التي وضعت عليها للتحذير من الاقتراب منها وأصبح كل شيء ملكاً لهم وكأنهم ورثوه من آبائهم وأجدادهم .. وقد ساهم المواطن اليمني بسلبيته وعدم نضوج وعيه الوطني في وصول اليمن إلى هذا الوضع المؤسف .. ولولا أن احداث عام 2011م التي مهدت لقيام ثورة 21 سبتمبر عام 2014م قد أيقظت الروح النائمة عند المواطنين من خلال كسرها لحاجز الخوف وإسقاطها لمشروع توريث الحكم لكنا دخلنا في غيبوبة أبدية لن نفيق منها أبداً .
ومع ذلك ماتزال تلك الثقافة التي فرضت على اليمنيين خلال العقود الماضية تلقي بظلالها الثقيلة على ما نعتبره وضعاً جديداً لاسيما وأن من وثق فيهم شعبنا لإدارة الفترة الانتقالية التي تشكلت بعد احداث عام 2011م وعلق عليهم أملاً في أن يتم التغيير على أيديهم اتضح انهم متأثرون بتلك الثقافة المقيتة فأدخلوا اليمن وشعبه في دوامة ماكانوا متأثرين به من ثقافة الفيد والفساد التي لم يتخلصوا منها ويعملوا على خروج اليمنيين برؤى موحدة في مؤتمر الحوار الوطني الذي انتهت مخرجاته الى الأدراج وعدم الاتفاق على صياغة دستور جديد يتحدد من خلاله المستقبل السياسي لليمن وكيف تدار دولته وبحيث يجعل من الشعب هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في اختيار حكامه وبحيث يكون المرجعية الشعبية للحكم قطعاً للطريق أمام من تعودوا التحكم في مصيره وتسييره بطريقة تجعله وكأنه قطيع من الماشية ليس من حقها إلا أن تتبع الراعي الذي يقودها غير مدركين أن الشعب اليمني شعب أبي وحر ولن يقبل الظلم على نفسه إلى ما لا نهاية وان مايحدث اليوم من مقاومة وتصدي للعدوان الكوني الذي يشن عليه منذ خمسة اعوام يؤكد ان الشعب اليمني بكل مكوناته باستثناء العملاء والمرتزقة لن يقبل على نفسه حالة الوصاية والتبعية التي كانت مفروضة عليه خلال العقود الماضية .
ومن يقرأ تاريخ الشعب اليمني جيداً سيجده أكثر الشعوب العربية ثورة على ظالميه وقد جاء الوقت المناسب ليمسك بزمام أموره بنفسه ويعيد للوطن اليمني اعتباره ومكانة اليمن الطبيعة التي اشتهرت بها عبر التاريخ كبلد رائد وقائد يمتلك من الخيرات والثروات ما يغني أبناؤه عن طلب مساعدة الغير .. لكن مشكلة اليمنيين أنهم ظلموا في قياداتهم السياسية وبذلك سلط الله عليهم ربما لذنوب ارتكبوها أجهلهم ليتحكموا في رقابهم ولم تأت مرحلة الوعي الوطني الا متأخرة .. كما أن صبر اليمنيون عليهم هذه الفترة الطويلة وقبولهم بتصرفاتهم غير المسؤولة هو نوع من العقاب الذي حل بهم .. وعليه لا نريد أن نحمل عجزنا وفشلنا في تحقيق أهدافنا الوطنية على شماعة الماضي البعيد والقريب كما قال الدكتور عبد الكريم الارياني رحمه الله في محاضرة له برر فيها تخلفنا بأننا في اليمن كنا نعتمد في دولتنا على إرث حل المنازعات المعتمد على الأعراف القبلية والقواعد الشرعية وهو منطق لا يمكن القبول به حاليا خاصة أنه صادر من مرجعية كانت تشكل الشخصية الثانية في النظام السابق حيث شكل الحكومة عدة مرات ولعب دوراً محورياً في لعبة الحكم حينها .. نأمل من الله ألا يسلط علينا من يلتف على أهدافنا الوطنية في المرحلة الحالية التي تكاد تكون مفصلية لإنقاذ اليمن من إرث الماضي والتدخل الخارجي وأن يعمل الجميع على تحقيق كل التطلعات والطموحات في بناء الدولة المدنية الحديثة وترجمتها عملياً على أرض الواقع .