الجمعة 21-02-2020 19:17:37 م
نافذة على الاحداث: المسلمون وواقع الجاهلية الأخرى
بقلم/ كاتب/احمد ناصر الشريف
نشر منذ: 3 أسابيع و 3 أيام
الثلاثاء 28 يناير-كانون الثاني 2020 07:06 م

عندما نقيم واقعنا اليوم كمسلمين نتذكر حديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (ولدت بين جاهليتين أخراهما أعظم من أولاهما) وإذا ما طبقنا مضمون هذا الحديث الشريف على ما يجري اليوم في عالمنا العربي والإسلامي سنجد أنفسنا فعلاً نعيش واقع الجاهلية الأخرى فقد ابتعدنا كثيراً عن تعاليم الإسلام وصرنا نهتم بالقشور على حساب الأساس والجوهر وبتنا مسلمين بالفطرة متوارثين ذلك من الآباء والأجداد كما كان العرب يتوارثون جاهليتهم قبل الإسلام ويتمسكون بها كدين توارثوه عن آبائهم وأجدادهم.. لذلك فان الجمود الفكري الذي يعيشه المسلمون اليوم بحاجة إلى إعادة قراءة لاسيما بعد غروب شمس الحضارة العربية الإسلامية والابتعاد عن الخلط بين الدين والسياسة أو بين الدين والدولة لأننا بحاجة إلى تجديد وتطوير فكر يواكب روح العصر وتحدياته.
مازلت أتذكر بحثاً نشره الباحث والكاتب المعروف قادري أحمد حيدر قبل عدة سنوات على حلقات في صحيفة «26سبتمبر» قال فيه: (إن حلقة الإصلاح الديني الإسلامي بقيت غائبة ومصادرة طيلة قرون من التخلف الاقتصادي السياسي والاجتماعي والثقافي والعلمي هيمن خلالها فكر تقليدي محافظ ارتبط في تبرير أنظمة الاستبداد باسم الدين وهو ما شكل اخطر عوامل تعويق تجديد الفكر المستبد يتصرف فيها كيفما يشاء فكان مصدر كل الشرور والفساد).
ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب وإنما أصبح اليوم الدين يسخر لخدمة السياسة ويستخدم لدغدغة عواطف العامة كسلم للصعود عليه إلى الحكم وما يحدث حالياً في بعض الدول العربية والإسلامية من احتلال مناطق بواسطة مسلحين إسلاميين وتحويلها إلى إمارات إسلامية قد أعطى مبرراً للدول المعادية للإسلام للتدخل بحجة حماية رعاياها كما فعلت فرنسا التي أرسلت جيشاً إلى مالي ودخلت في مواجهات مباشرة مع المسلحين الإسلاميين.. وكذا ما حدث في سورية والعراق وغيرهما بحجة محاربة تنظيم الدولة (داعش) وأيا كانت مبررات هؤلاء وأولئك فان المتضرر الأول والأخير من هذه التصرفات غير المسؤولة هو الدين الإسلامي الحنيف وتحويله في نظر أعدائه من دين اشتهر بعدالته وتسامحه وعاشت في كنف رايته لقرون طويلة مختلف الديانات متحابين ومتوادين إلى دين القتل والإرهاب وهي نظرة قاصرة وظالمة حاول من لا يعرفون تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة جيداً إلصاقها به بسبب تصرفات وضيق أفق بعض المنتمين إليه الذين تمت السيطرة على عقولهم متأثرين بفتاوى بعض علماء السلطة المتشددين فأصبح يكفر بعضهم البعض الآخر لمجرد اختلافهم في الرأي والمذهب ولم يقف الأمر عند هذا الحد من التشدد فحسب وإنما صار هؤلاء يستحلون قتل النفس التي حرم الله قتلها إلاّ بالحق وتوعد قاتلها بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.. أما النبي محمد عليه الصلاة والسلام فقد قال: لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من إراقة دم امرئٍ مسلم أو كما جاء في الحديث.
إذاً فإن واقعنا اليوم كمسلمين ليس بعيداً عن واقع الجاهلية الأخرى التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها ستكون أعظم من الجاهلية الأولى لأن تلك الأخلاق التي كانت تحكم واقع الجاهلية الأولى والتي قال عنها سيد البشرية انه ما جاء إلاَّ متمماً لمكارم الأخلاق قد اختفت نهائياً وصار المسلم- كما أشرنا آنفاً- مسلم بالفطرة أي بالوراثة لا يعرف من تعاليم الدين الإسلامي الحقيقية إلا انه مسلم فقط وما عدا ذلك فتصرفاته كلها تنم عن عداء سافر للإسلام ومخالفة له وهو الأمر الذي جعل أعداء الدين ينظرون إلى الإسلام من خلال ما يصدر من بعض المنتمين إليه من تصرفات شاذة لا يقرها لا شرع ولا قانون ولا عرف ويقيمونه على أساسها ويروجون لها في وسائل إعلامهم بهدف الإساءة إلى الدين الإسلامي الحنيف.
وكم هو مؤسف أن تجد هذه التصرفات غير المسئولة صدى لدى الحكام المستبدين الذين يعملون على تغذيتها والترويج لها من خلال وكلائهم في المجتمعات علماء السلطة بهدف أشغال الرأي العام بها وتقسيم المجتمع شيعاً وأحزاباً وبث ثقافة الحقد والكراهية حتى لا يلتفتون إلى مظالمهم وما يمارسونه من استبداد ضد شعوبهم ونهب ثرواتها والتعامل معها وكأنها ملك من أملاكهم الخاصة.
إضافة إلى تعمدهم تجهيل الشعوب من خلال إضعاف التعليم وفرض على الأجيال الجديدة في مناهج التربية والتعليم رؤىً وأفكاراً تخدم نهجهم السياسي تساعدهم على إطالة فترة حكمهم وتخلق وتؤسس لهم قواعد تبني أيديولوجية خاصة تخدم تطلعاتهم وتحافظ على بقائهم في السلطة وتتوسع هذه القواعد حتى تصبح نمطاً سياسياً يتحكم في العباد وموارد البلاد.