الجمعة 19-07-2019 21:34:54 م
ويلات الاستعمار من نيروبي إلى رأس مربط
بقلم/ فاروق لقمان
نشر منذ: 12 سنة و 8 أشهر و 6 أيام
الجمعة 10 نوفمبر-تشرين الثاني 2006 07:20 م
في أحد أيام 1952 هاجمت جماعة من أهالي مستعمرة كينيا الإفريقية عدداً من المزارع التي احتلها البريطانيون واستغلوها بعدما أبعدوا أصحابها وسكانها منها كما فعل ويفعل اليهود في الأراضي العربية المحتلة. أحسن الأراضي وأخصبها وأفضلها موقعاً انتقلت إلى المستوطنين البيض الذين وصلوها من بريطانيا وتركوا أهلها بدون مأوى ومجرد سخرة بأبخس الأجور أو خدم لهم في قصور شامخة الأركان.
أسفر الهجوم عن مصرع اثنين وثلاثين أبيضاً إلا أنه أدى إلى اشتعال ثورة سموها «ماو ماو» قادها فيما بعد جومو كينياتا – نور كينيا بالعربية – اتقدت لعدة سنوات.
اعتقلت السلطات الزعيم «جومو» ورفاقه وشرعت تطبق حملة اعتقالات شملت مائة وخمسين ألفاً واغتيالات راح ضحيتها بضعة آلاف ومارست صنوفاً من التعذيب الجسدي والنفسي لم تشهد الإمبراطورية مثله من قبل. تماماً كما يحدث حالياً في فلسطين التي سلمتها أصلاً بريطانيا لليهود.
والمبررات كانت واضحة أمام السلطات الاستعمارية عام 1952 لأن بضعة ألوف من البيض استولوا على أفضل أراضي واحدة من أبدع بلدان أفريقيا ولعلها الأروع في شرق القارة وما جاورها. وبينما ظل «جومو» في المعتقل مع عدد من الرفاق قضت القوات البريطانية على الألوف من قبيلة «الكيكيو» الكبيرة ونكلت بكل من كان يتعاطف معها في وقت -كما ذكرت أحدث التقارير- كانت لندن تعاني من احتضار الإمبراطورية الشاسعة ولم يبق على استقلال البلاد سوى عشر سنوات وخمسة عشرة سنة على استقلال الجنوب اليمني. وقبلها استقلت شبه القارة الهندية بأسرها وباتت مستعمرات الشرق الأقصى وبقية إفريقيا على وشك نيل حرياتها. لكن كينيا كانت في وضع خاص كما تبين من المحاكم التي تجرى حالياً في نيروبي لمستوطن بريطاني الأصل قتل إفريقيا ببندقيته ظناً منه أنه اعتدى على أرضه التي تبلغ حتى حوالى ربع مليون فدان من أروع المزارع والحقول.
ولا تزال البلاد تعج بأمثاله من الباشوات أو المهراجات البيض الذين يتمسكون بثروات طائلة بعدما أزاحوا أهلها كما فعلوا في روديسيا -زمبابوي- ملاوي وجنوب إفريقيا. ولا تزال المشكلات قائمة بين لندن التي تمثل مصالح البيض والحكومات المستقلة التي تحاول استعادة بعض أراضي السود لكنها لا تملك الثروة الطائلة اللازمة للتعويض.
ولما كان زمن التأميمات قد ولىَّ وخفت حدة القومية الإفريقية كما العربية نأت الحكومات السوداء بنفسها عن استفزاز البيض ومن ورائهم حكوماتهم والاتحاد الأوروبي والعولمة. لذلك تجد أن جنوب إفريقيا تركت للبيض ثرواتهم كما كانت تقريباً إلا من شاء منهم التخلي عن أجزاء من الأراضي طواعية كتعبير عن حسن النية مقابل شهامة الزعيم «نيلسون مانديلا» الذي فضل المصالحة والمصارحة حسب قوله على المحاكمات والمصادرات والمصادمات الدامية.
أقام فريق من ضحايا الاعتقال والتعذيب في كينيا في الخمسينات دعوى أمام المحاكم البريطانية للمطالبة بالتعويضات اللازمة سيما وأن قائد المعتقلات البريطاني «ترينس جافاجان» لا يزال على قيد الحياة في منزله بلندن وقد بلغ الرابعة والثمانين. وطبيعي أنه أنكر أكثر التهم التي وجهت إليه كما صرح للصحف التي اتصلت به بمناسبة الدعاوى أنه لم يرتكب ما يستحق عليه العقاب رغم أن قائد المدعين الأفارقة «ماكانجا» البالغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً يؤكد أنه والألوف أمثاله تعرضوا لصنوف التعذيب لاقتلاع المعلومات عن زملاء الكفاح ومنهم من مات ومئات أعدموا شنقاً كما دمرت القرى. لكن الزعيم «جومو» ظل في المعتقل إلى ما بعد 1961م عندما قمت بزيارة صحافية لنيروبي التقيت خلالها بالنائب في المجلس التشريعي السيد محفوظ مكاوي الذي كان مستوطناً مع آخرين أمثال السيد علي مرجان الذي عاد بعد ذلك إلى أرض الوطن. المكاوي كان متفائلاً بمستقبل كينيا فظل فيها حتى أطلق سراح «كينياتا» الذي خرج من السجن زعيماً ورئيساً للبلاد كما فعل مانديلا بعد 27 عاماً من الاعتقال في جزيرة نائية عن البر لا يرى أمامه إلا السجانين ويقرأ كتاباً جديداً كل يومين.
«جومو» اعتمد التسامح والمصالحة كما فعل بعده مانديلا بثلاثين عاماً، وترك للبيض أراضيهم على شرط التنازل ببعضها للأفارقة طواعية وبدأ في إعادة هيكلة النظام بأفرقته مع الاحتفاظ بعدد من الخبراء البيض تحت حماية الحكومة. لكن مصيبته الكبرى كانت في حاشيته وعلى رأسهم حرمه ولما شاخ ثم مات تحولت كينيا إلى واحدة من أكثر الدول فساداً حسب الدراسات السنوية العديدة التي تصدرها هيئات الشفافية وبعض الحكومات.
من الطبيعي أن مجموعة ضحايا التعذيب البريطاني سيجدون صعوبة بالغة في إثبات شكاواهم أمام المحاكم بعد مرور نصف قرن كما أن قانون الخدمة المدنية الذي كانت تطبقه وزارة المستعمرات البريطانية قد لا يطبق على رئيس المعتقلات جافاجان بحكم التقادم. إلا أنني أتوقع أن تضطر لندن إلى دفع مبالغ تعويضية بطرق ملتوية عن طريق جمعيات خيرية حتى لا تلتزم قانونياً أمام العالم بما حدث في كينيا. وإذا لم تفعل ذلك ستجد نفسها غارقة في دعاوى تعويض لا يزال رافعوها على قيد الحياة في هونج كونج والهند والجنوب اليمني. وقد ظهر كتاب عن ذلك كله في لندن ذكر مؤلفه أن معتقل راس مربط بقلعة التواهي شهد العديد من حوادث التعذيب والتنكيل وربما القتل أيضاً خلال الفترة من 1963 إلى 1967.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: اللواء خُصروف في مرمى التحالف
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الاحداث:تخريب المفاهيم !
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
الشراكة التنموية بين اليمن والخليج
دكتور/محمد علي بركات
أين رد المقاومة على مجزرة بيت حانون ؟
نضال حمد – اوسلو
كاتب/خالد محمد  المداححمل السلاح وإطلاق النار .. هل حان الوقت للحد من هذه الظاهرة ؟
كاتب/خالد محمد المداح
عبد الواحد عبدالله شافعي الصومال بين مطرقة الأفارقة وسـندان العـرب
عبد الواحد عبدالله شافعي
دكتورة/رؤوفة حسنصديق لكل طريق
دكتورة/رؤوفة حسن
كلمة  26 سبتمبرمصير واحد..
كلمة 26 سبتمبر
مشاهدة المزيد