الجمعة 20-09-2019 23:13:02 م
حروف تبحث عن نقاط:أبكاني فصادقته وأحببته
بقلم/ استاذ/عباس الديلمي
نشر منذ: 5 أشهر و 18 يوماً
الأربعاء 03 إبريل-نيسان 2019 01:38 ص

قبل أن اقرأ رواية “ بلدي للشاعر والأديب الداغستاني رسول حمزاتون والتي ورد فيها قوله: الشعراء أصدقاء وان لم يتعارفوا بل منذ قرعت باب القصيدة لأدخل عالمها كانت لي صداقاتي مع شعراء كثر منهم من تميزت صداقتي لهم, كتميزهم في عالم الشعر والفكر, وهم ثلاثة أبو الطيب المتنبي, أبو العلاء المعري, والحسن بن هاني” أبو نواس” ولتنامي حبي لهم عملت على مناداة كل منهم بلقب مستمد من حصيلة شعره وفكره, فصرت أنادي المتنبي بفيلسوف الشعراء, والمعري بشاعر الفلاسفة, وأبو نواس بفقيه الشعراء, خاصة بعد أن قرأت أن الملك العباسي والعالم المتبحر المأمون بن هارون الرشيد قد قال عنه: لولا خلاعته لوليته مشيخة الإسلام..نعم هؤلاء الثلاثة هم من تربعوا على عرش صداقاتي ومحبتي للشعراء الكبار الى ان جاءت اللحظة التي جعلت من الشاعر العظيم عمر الخيام يقفز من صداقتي الاعتيادية له، الى مرتبة الخصوصية والتميز، وان اكتشف مجدداً من هو عمر الخيام واحتار في اللقب الذي اناديه به، هل عظيم الشعراء ام العالم الشامل، ام المتأمل الحكيم.. ام الشاعر الفلكي ...الخ.
كانت تلكم اللحظة أو الاشراقة التي واصلت روحي بروحه الخالدة، وفي ليلة ودعت فيها يوماً من ايام عمري- المحسوب- أما العام ففي 2001م حيث كنت أقود سيارتي في بداية ميدان السبعين من جهة الجنوب مستمتعاً بالإبداع اللحني لرياض السنباطي والجمال الصوتي لأم كلثوم والتمكن الرائع للشاعر احمد رامي في ترجمته لمقاطع من الرباعية الشعرية لعمر الخيام...كنت محلقاً بخيالي مع ابداع هذا الرباعي الجميل وانا استمع إلى أغنية رباعيات الخيام الى ان سمعت ام كلثوم تؤدي المقطع القائل:
“يا من يحار الفهم في قدرتك وتطلب النفس عمى طاعتك
اسكرني الإثم ولكنني صحوت بالآمال في رحمتك”
فسرى في جسمي هذا المقطع سريان الدم في البدن وامتلأت عيناي بالدمع، ولم اعد اميز بين اضواء السيارات المواجهة لي وبين ضوء القمر الذي كان مكتملاً، وبين اضاءة الأعمدة الكهربائية ومع ذلك واصلت قيادة سيارتي وجاء المقطع الثاني بصوت ام كلثوم يقول:
“إن لم أكن أخلصت في طاعتك فإنني اطمع في رحمتك
وإنما يشفع لي أنني قد عشت لا أشرك في وحدتك”
فانسكب الدمع الذي ملأ عيني وتوقفت بسيارتي لأبكي، لأني لم اعد بقادر على رؤية الطريق.. وبعد ان توقف الدمع واصلت طريقي وأنا أتأمل في اشياء كثيرة متصلة بعلاقة العبد بربه وكيف يسكر الإنسان بإثم الشهوة سواءً كانت جسدية او مالية او سلطوية ...الخ.. ولكنه يصحو منها متى اتجه الى الله بقلب سليم..
وصلت منزلي ولازلت مسكوناً بالخيام ورباعيته الرائعة فاتجهت إلى مكتبتي لالتقط من وسطها رباعية الخيام “ترجمة احمد رامي” كونه أفضل من ترجمها بحكم أجادته للغة الفارسية التي تعلمها منذ صغره من أمه الفارسية ولأنه شاعر كبير، وفتحتها بعشوائية كي أرى ما سيصادفني من مقاطعها فكان المقطع القائل:
يا نفس ما هذا الأسى والكدر ... قد وقع الآثم وضاع الحذر
هل ذاق حلو العفو إلا الذي أذنب, والله عفا واغتفر
فتوقفت عند عظمة هذا الشاعر, وكيف ان لذة الشعور بعفو الله تكون مضاعفة عند من يشعر بأنه قد أذنب.. وتذكرت صديقي المبدع عبدالله عبدالوهاب نعمان “الفضول” كيف ترجم إعجابه بهذا المعنى في غنائيته “دق القاع” عندما قال: “ولذة الغفران بعد الذنوب” وتذكرت أيضا صديقي الأول أبو نواس عندما سبق الجميع في قوله:
“يا رب أن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم”
وهكذا منذ تلكم الليلة التي أبكاني فيها عمر الخيام وجدته متربعاً على عرش أصدقائي الشعراء.. وهذا ما قد احدثكم عنه لاحقاً..