الجمعة 18-10-2019 21:56:50 م
من ذاكرة اليمن السعيد..كأنها أنسلت من إحدى الأساطير
بقلم/ مهندسة/ريم عبد الغني
نشر منذ: 12 سنة و 5 أشهر و 29 يوماً
الأربعاء 18 إبريل-نيسان 2007 10:27 م
  نتابع رحلاتنا في ربوع اليمن.. ما زلنا في حضرموت
وهل أستطيع أن أدخل بكم تريم, دون أن أتوقف قليلاً عند إطلال بوابتها الجميلة لأقرأ الفاتحة على أرواح كل الصالحين الذين مروا يوماً فوق هذه الأرض الطاهرة.."مدينة الصديق" الذي دعا لأهلها الذين لم يرتدوا ثلاث دعوات: أن "يكثر فيها الصالحون, ويبارك في مائها, ولا يطفئ لها ناراً" (أي أن تبقى مدينة عامرة حية) وربما لذلك قيل أن فيها ثلاث بركات ظاهرة: بركة في مساجدها, وبركة في تربها وبركة في جبالها, بل قيل: أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه يشفع لأهل تريم خاصة يوم القيامة.
هي من أقدم مدن جنوب شبه الجزيرة العربية, إذ يعود تأسيسها للقرن الرابع قبل الميلاد وأحد أهم ثلاث مدن رئيسية في وادي حضرموت(إضافة إلى سيؤن وشبام) كانت عاصمة الدولة الكثيرية في القرن السادس عشر الميلادي, كما كانت عاصمة ومقرأ لملوك كندة في مرحلة من الزمن.
سميت باسم تريم بن السكون بن الأشرس بن كنده (أحد ملوك حضرموت) ويقال أيضاً أن أول من عمرها تريم بن حضرموت بن سبأ الأصغر, عرفت بـ "الغثاء" (الواحة الفنية بأشجارها) ووصفها الهمداني بأنها "مدينة عظيمة" بينما أسماها الشيخ عمر المحضار "بلاد الطب" وقالوا: "الطبين جميعاً طب القلوب وطب الأبدان".
أصبحت بعد ظهور الإسلام مفصلاً في الحياة الدينية اليمنية ومركزاً كبيراً للعلوم, حج إليها طلاب العلم وأساتذته من مختلف أنحاء العالم للتزود بالعلوم والمعرفة, تتالت عليها مدارس ومذاهب دينية متعددة ولكنها بقيت دوماً مركز دعوة لتعليم الدين السمح الداعي للسلام وقد أوقف المحسنون من أبنائها لذلك مئات من المدارس والجوامع والأربطة والزوايا.
هي مدينة العلم والعلماء, اشتهرت موئلاً للعلوم الدينية والفقه عبر العصور حتى سميت إحدى مدارسها بالأزهر الثاني أما أهم أربطتها وأقدمها فهو رباط تريم الذي تخرج منه أعيان العلماء المشهورين الذين نشروا العلم في الكثير من بقاع العالم, ويروي أنه عاش في هذه المدينة مائتا مفتٍ في وقت واحد, وفيها عشرات المعالم التاريخية للأولياء الصالحين مثل مسجد الولي الصالح سركيس, وعلى بعد 80 كم منها قبر النبي هود عليه السلام ويقام في تريم يوم 13 شعبان من كل عام سوق للإبل بعد عودة الزائرين منه.
ولأنها محط رحال طالبي العلم, فقد أصبحت تريم غنية بالمخطوطات والمطبوعات العربية التي تملكها العائلات المميزة في المدينة, وقد جمع بعضها في مكتبة الأحقاف المشهورة التي تضم ألاف المخطوطات في شتى العلوم والمعارف وساهم في تعزيز دور تريم التعليمي والديني عائلات"السادة الأكثر شهرة" والتي أقامت فيها مثل المحضار والسقاف وآل الكاف وكان لها أيضاً دورها السياسي والاقتصادي والعمراني في حضرموت وخاصة في بداية القرن الماضي وتراث تريم العمراني والثقافي بالغ الأهمية, كأنها أنسلت من إحدى الأساطير بما تحتويه من قصور طينية مهيبة وطرز معمارية رفيعة وقد اشتهرت بإنتاجها أفضل أنواع الطلاء الكلسي الأبيض (النوره) وبأسر البناءين العريقة والذين توارثوا الخبرات مستفيدين من عبقرية الطين لإبداع عمارة حديثة مدهشة تمزج بين الطرز المستوردة والتقنيات التقليدية..عمارة صمدت حتى اليوم في مواجهة الزحف الإسمنتي المرعب.
ولا تلتفت يمنة أو يسرة إلا وترى مسجداً أو تلمح مئذنة.. مساجد قد تصغر إلى غرفة متواضعة أو تكبر حتى تتسع لمئات المصلين وقد تتلاصق عدة مساجد لتشكل مسجداً واحداً ويقال إن عدد مساجد تريم بلغ 365 مسجداً بحيث يمكن الصلاة كل يوم في مسجد على مدار العام, إضافة إلى مصليات النساء وكثير من الزوايا والخلوات التي يعتكف فيها المتصوفة من أهل العلم والزهاد مقتاتين على اليسير من التمر واللبن والماء وقد ورد في الشعر الحضرمي الشعبي المتوارث.
جملة مساجد تريم أربعمائة               يافهيم أحصيتها بالعدود
ويعود أقدم مساجدها إلى القرن الأول الهجري (كمسجد الوعل الذي بناه أحمد حفيد الصحابي عباد بن بشر ومسجد نفيع الذي بناه أحمد نفيع الذي وصل مع جيش الصديق لمحاربة المرتدين من كنده) ومن أهمها مسجد باعلوي (القرن السادس الهجري) أما درة مساجد تريم وحضرموت كلها – فهو مسجد المحضار (القرن التاسع الهجري) والذي يقف شامخاً ببياضه الناصع وشاهداً على عظمة المعمار اليمني.
ولمساجد تريم قصص قديمة متواترة تسمعها من الأهالي الذين يحرصون على بناء المساجد من طين طاهر لأرض لا غبار عليها وسمعة مالكها حسنة ولهم تقاليدهم التي درجوا على إتباعها في مرحل البناء المختلفة للمسجد.
وما أن أدخل أحد هذه المساجد حتى أملأ صدري بنفسٍ عميق, إذ تأخذني الخطوط البسيطة إلى عالم روحاني مريح.. فأرمي همومي وعالمي الدنيوي وراء الباب الخشبي الكبير.. وأدع جدرانها البيضاء تحتلني.. وتدخل إلى قلبي الطمأنينة.. فأستعيد أجنحتي.. وتطأ قدمأي الحافيتان سندساً أخضر.. تغسلني ظلالها بالمحبة والرحمة.. تتملكني.. فأغيب في صفائها.. وتغمرني السكينة.
قبل أن نغادر, ألبي دعوة لا ترفض لارتشاف كوب من الشاي الحضرمي المختمر, وما أحلى طقوس الشاي هنا أمام البساط الذي وضعت فوقه إلى جانب "السماور" الكبير الأكواب الزجاجية المتعددة الأشكال والألوان والملاعق الصغيرة الذهبية الفضية ولا فائدة من اقتناء الأدوات أو تعلم طريقة التحضير فهي نكهة لا يذوقها المرء إلا هنا.. بينهم الآن.. وبعد كل ما أخبرتكم به عن تريم وأهلها.. هل تلومونني إن وقعت في غرامها؟
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
النظام السعودي ومناورة الوهم!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
حروف تبحث عن نقاط: لعنة الادب
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
عوامل نجاح الحكومة الجديدة
علي الحزمي
استهتار الملحقيات الثقافية..الى متى؟
مشاهدة المزيد