الأحد 20-10-2019 07:03:29 ص
كلام الليل: موسم الهجرة إلى الداخل
بقلم/ كاتب صحفي/يحيى السدمي
نشر منذ: 12 سنة و شهرين و 27 يوماً
الأحد 22 يوليو-تموز 2007 04:30 م
الشهر الماضي نظمت الحكومة زيارة إلى مديرية رازح بمحافظة صعدة لعدد كبير من رجال الصحافة البلدية والخارجية وكان كاتب هذا واحد من بين 60 صحفياً يمنياً والبقية أشقاء عرب وأجانب, كل اليمنيين مراسلون لوسائل إعلام عربية وأجنبية وقبل ذلك أغلبهم صحفيون في وسائل إعلام محلية بينهم من يعمل إما مع إعلام الحكومة أو المعارضة وينتمي إلى أحد أحزابها وبينهم من له ميول ظاهرة إلى أحدهما أو متأثر به أو على الأقل له خال أو عم فيهما.
هدف الزيارة الأساسي كان زيارة رازح لمشاهدة ما صارت عليه أوضاعها بعد إخراج المتمردين منها والآثار التي خلفوها وراءهم من تدمير وتخريب وعودة حياة الناس إلى طبيعتها, ولعل من مفارقاتها أن من تخلفوا عنها هم أولئك الذين كانوا أكثر الصحفيين إصرارا بل واتهاما للحكومة بأنها تمنع الصحفيين من زيارة محافظة صعده وتحجب عنهم حقيقة ما يحدث هناك خلال المواجهات بين الجيش والمتمردين.
هدف الزيارة الأساس تحقق, ولكن كان للزيارة حسنات أخرى أهمها أن الصحفيين اليمنيين ربما اجتمعوا للمرة الأولى بذلك العدد الكبير في مكان واحد وليومين وان كانوا قد وزعوا على حافلتين, لكن لم تكن أي منهما بل ولاحتى سائقيهما ولا خط سيرهما يتبعان أيا من طرفي النقيض : السلطة والمعارضة, فقد كان في كل حافلة أكثر من 30 صحفياً من اغلب الأحزاب أو يصنفون في قائمة المحسوبين عليها ومع ذلك جمعهم هدف واحد فلم نسمع هذا يقول كلاما والآخر يعترض أو ذاك يعطس ومن جواره يتأفف لأن عطسته مؤتمرية أو اشتراكية أو إصلاحية أو ناصرية أو يشتم في حديثه معارضة أو سلطة ذلك لم يحدث بل كان الود وروح الزمالة والمحبة هي السائدة.
أمر آخر: أكثرنا لم يكن يعرف الآخر إلا من خلال ما يكتبه في الداخل أو الخارج ودون صور تعريف الا ما ندر, فكان كل واحد قد رسم صورة لمن يقرأ مغايرة لما رآه عليه في الواقع " وجها وطباعا, وتعاملا, وعقلية بل وجنونا في بعض الحالات " فتعرف الجميع على الجميع عن قرب وهو ما لم يكن أحد يتصور حدوثه إلا في مناسبات نادرة " زفاف " أو " موت " أو " حادث " إن نشرت لصاحبه صورة في جريدة أو موقع الكتروني, أو في مؤتمرات صحفية إن تسنى للبعض السؤال مع أولئك الطلائع حاملي ألوية الأسئلة ومحتكريها " دائما " ويكون التركيز على المسئول وليس على السائل أو في المواسم الانتخابية المعتادة لنقابة الصحفيين.
والأهم من ذلك أننا تعرفنا على أغلب مناطق رازح وان كانت الزيارة رحلة متواصلة لكنها جعلتنا نرى عالما آخر رغم أنه منا وفينا نحن المساجين في صنعاء خلف المكاتب وأمام أجهزة الكمبيوتر والانترنت نلاحق أخباره ونتابع شتائم الصحف واتهاماتها لتحويلها إلى أخبار معلبة بعد عملية تجميل أو تقبيح ودسها في البريد الالكتروني إلى الصحف أو الوكالات التي نراسلها لتعيد هي تصديرها لنا إلى الداخل قبل الخارج بشم وطعم ورائحة أخرى.
لقد تعرفنا على منطقة من أجمل مناطق بلادنا التي لو استثمرت سياحيا لكانت وجهة السياح القادمة ومبتغاهم رغم ما عانته خلال الفترة الماضية من المتمردين وان كان حالنا وقتها اقرب إلى أجانب إن لم نكن أكثر جهلاً من سائح أجنبي قد يعرف رازح قرية قرية ويمشي في أحياء وأزقة صنعاء القديمة كأنه من مواطنيها, عاش عمره فيها متنقلاً بين أزقتها, روحه مشدودة إلى عماراتها الشاهقة ومساجدها وأسواقها ومعظمنا ربما لايعرف فيها بقدر معرفته أزقة ومقاهي حي في القاهرة أو دمشق أو عمَّان أو دبي أو باريس ولندن فكنا " أجانب محليين " في محلنا لو وصلنا لحظتها مقتبعين برنيطات بسراويل قصيرة ولاصقات عيون زرقاء لاعتقد أبناء رازح أن ضيوفهم قبائل من " تكساس " أو من روما أو من جماعة ساركوزي أو وفد من الصليب الأحمر الدولي أو أبطال فيلم رعاة بقر أمريكي جاءوا لتمثيله هناك وليسوا يمنيين قبائل وأبناء قبائل من محافظات تنطق " القاف" أشكالا وألوانا وتأكل القات بنهم شديد كما يأكل الايطاليون " البيتزا ".
الرئيس علي عبدالله صالح ذات مرة كان أول من أطلق شعار " اعرف وطنك " عندما دعا الصحفيين اليمنيين لزيارة المحافظات اليمنية والتعرف عليها أكثر والكتابة عنها بواقعية وبذمة وبضمير بدلا من الاعتماد على مصادر " قالت قلتي " وهذا الكلام الأخير لي وليس للرئيس , وكان كما أذكر متحمسا لما دعا إلى درجة التكفل بناقلات ومصاريف الصحفيين الذين شرفهم الرئيس برفقته لزيارة بعض المحافظات أكثر من مرة وان كانت زياراتهم تلك ذات طابع رسمي وغالبا ما تخضع لبرنامج محدد لا يتعداه إلى غيره من مواضيع تثير في الصحفي كثيرا من القضايا وتحفز مخيلته لكتابة مؤلف جميل
وليت ذلك الشعار يعاد تطبيقه الآن, بحيث يكون لنقابة الصحفيين مشاركة فيه أو على الأقل يخرج مشايخ وأعيان نقابتنا من بين جدران النقابة إلى التنقيب عن مواضيع أخرى تضاف إلى بيانات الشجب والتنديد, فيجمعون شمل الصحفيين في قوافل سياحية داخلية تعرفهم على بعضهم البعض ويلتقون بنقباء آخرين في المدن والقرى الأخرى.
وستكون الدعوة أعم واشمل لو أن وزراء حكومتنا الموقرة ومسئوليها الأفاضل وأعضاء مجلسي النواب والشورى وقضاة المحاكم ورؤساء المصالح والهيئات فعلوا نفس الشيء وتداعوا هم أيضا إلى قافلة مماثلة وزيارات مشابهة للمحافظات اليمنية في فترات إجازاتهم وخاصة في موسم هجرتهم السنوي إلى أوروبا الذي يبدأ في يوليو وينتهي عند البعض في يوليو من العام التالي وطافوا كل أو بعض المدن والمديريات والقرى وحسب برنامج خلال هذه المدة والتقوا بناسها وأكلوا وشربوا معهم ( وليس منهم ) واستمعوا إلى ما يحزنهم وما يسرهم دون مرافقين مسلحين وبدلات مكرفتة وينفقون ولو ربع ما ينفقونه وهم سياح في أوروبا وفنادقها وأسواقها ومشافيها وبالريال اليمني وليس بالدولار ويتعالجون في مستشفياتنا ويجربون وخز الشرنقات البلدي ويمرضون من أمراضنا البسيطة المتواضعة ويتجرعون ذات الدواء الذي نتجرعه من باب الدعاية له وللمعالج اليمني, لأنه إذا ثبت أن أعضاء الحكومة ومسئولينا قد انتهت صلاحيتهم صحيا وصاروا معلولين فان شرطا واحدا وهو الصحة إذا ما سقط منهم لهو كفيل بإسقاط مسئوليتهم علينا, كما أننا حين نظل نصرخ من بلد إلى بلد راجين طلب مزيد من السياح الأجانب لزيارة اليمن بينما مسئولونا يقومون بسياحة مضادة لبلدان أولئك السياح وينفقون من العملة الصعبة ما يعادل وربما أكثر مما ينفقه أولئك السياح في اليمن فما جدوى إذن ما نقوم به !
وإذا ما تم ذلك رغم أني أشك في إمكانية تحقيقه ( إلا إذا .. ) فإن موسم الهجرة إلى الداخل سيتحقق وسيتشجع الناس بدءا من طلاب الجامعات والمدارس والموظفين وربما الأحزاب على القيام بسياحة داخلية تمكن اليمني من التعرف أولا على بلده لكن أن يأتي متفلسف فيشرح لنا صور الحياة في بروكسل أوكوبنهاجن وحين تسأله عن كوكبان اليمنية هل هي مفرد أو مثنى أو جمع وفي أي محافظات هي عجز وتهرب من الرد, مثلما قد أتهرب أنا نفسي من كل ماسبق ليصبح كله كلام ليل " يمحوه النهار " !
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: قاض يحوجه الضعف لگلب أصحاب الكهف
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: أَهَمّ سَبَب وَرَاء تقدُّم الْغَرْب وتخلُّف الْعَرَب
عبدالسلام التويتي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الاحداث:المتسلقون على ألأكتاف..!
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةبعيدا عن التباين والخلاف!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
رجل نادر في زمن المستحيل
عبدالباسط الكميم
كاتب صحفي/بدر بن عقيلعندما يكون النواح مستأجراً!!
كاتب صحفي/بدر بن عقيل
كلمة  26 سبتمبريوم تاريخي
كلمة 26 سبتمبر
حكمة متجددة
اللواء عبدالله عبدالسلام صبره
مشاهدة المزيد