الأربعاء 19-02-2020 17:22:54 م
ثروة اليمن الحقيقية!
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 11 سنة و 11 شهراً و 3 أيام
الأحد 16 مارس - آذار 2008 09:39 ص
 تتميز الأرض عن سائر النجوم والكواكب المعروفة بأنه يعيش على ظهرها بشر، فبعض هذه الكواكب تملك من الثروات «الذهب والماس» أضعافا مضاعفة عما تملكه الأرض، ومع ذلك فإن الأرض لها تاريخ في حين أن الكواكب والنجوم لا تاريخ لها وإنها تتغير وتتقدم والبقية لا تتغير ولا تتقدم.
ولا يقتصر الأمر على ذلك فقط فمن الواضح أن أجزاء الأرض التي لا يسكنها الإنسان لا تاريخ لها ولا تقدم فيها، فعلى سبيل المثال فإن الربع الخالي والعديد من الصحارى الخالية في العالم لا تتغير ولا تتقدم وبالتالي فإنه لا أهمية لها على الرغم من حجم الثروات الكامنة فيها لأن الإنسان لم يستطع أن يعيش فيها ويستغل ثرواتها، القارتان القطبيتان الجنوبية والشمالية غنيتان بالموارد الطبيعية علي مختلف أنواعها، ومع ذلك فلا أهمية كبيرة لها لأن الأنسان لا يستطيع أن يعيش فيها بسهولة ويسر.
والأكثر أهمية من ذلك أن العديد من الدول كبيرة المساحة ليست الأكثر تقدما، فعلى سبيل المثال فإن كندا هي أكبر دولة في العالم من حيث المساحة لكنها ليست دولة عظمى على الرغم من أن حجم الموارد الطبيعية فيها ربما يفوق حجمها في أمريكا، وربما يعود ذلك إلى تفاوت الدولتين في السكان.
ولذلك فإننا نجد مجتمعات صغيرة سكانيا مثل سنغافوره وامارة دبي في الإمارات العربية المتحدة قد حققت تقدما لا يتناسب مع كثافتها السكانية من خلال الاستعانة بالعمالة الأجنبية المدربة والمؤهلة، والسكان والأكثر أهمية أن بعض الدول الصغيرة نجحت في التعويض عن النقص السكاني من خلال تحسين نوعية الساكنين فيها «المواطنين والمهاجرين» وذللك عن طريق تكثيف عملية التدريب والتأهيل.
لقد أدركت الدول المتقدمة هذه الحقيقة فعملت على الانفتاح سكانيا على بقية دول العالم، ولقد مكنها ذلك من استقطاب أفضل العقول الموهوبة من جميع أنحاء العالم، فعلى سبيل المثال فإن أكثر من 40% ممن يحصلون على شهادة الدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية ولدوا خارج الأراضي الأمريكية، لا يمثل سكان دبي الأصليون أكثر من 10% من سكانها، ولقد عاملت هذه الدول هؤلاء المواطنين الجدد بكل احترام وتقدير وسمحت لهم بان يستفيدوا من الفرص مثلهم مثل غيرهم من السكان، وعندما نجح هؤلاء لم يتم مصادرة ثرواتهم ولم يتهموا بأنهم محتلون وأجانب وغير ذلك من التهم التي يروح لها الانعزاليون الجدد في بعض المحافظات اليمنية.
إذن وبدون شك فإن الإنسان هو الثروة الحقيقية وهو عماد الحضارة ومحرك التقدم، وهنا ينبغي أن نؤكد أن الإنسان باعتباره كذلك هو الثروة الحقيقية مع ملاحظة تأثير نوعية الإنسان على التقدم والازدهار، صحيح أن الصين هي الدولة الأكبر سكانا ولكنها ليست الأكثر تقدما، وربما يعود ذلك إلى اختلاف نوعية الإنسان، ونفس الملاحظة تنطبق على دول مثل الهند واندونيسيا وغيرها من الدول كثيفة السكان.
إن تحسين النوعية يتحقق في رفع مستوى التعليم وجذب أصحاب المواهب، فالإنسان الذي لا يتمتع بأي نوعية يمكن تحويله كذلك عن طريق التعليم، ذلك أن الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على تحسين نوعيته بنفسه وعلى تحسين نوعية الموارد الطبيعية غير القادرة على تحسين نوعيتها على الاطلاق، فبدون الإنسان فلا قيمة تذكر لأي موارد طبيعية مهما كانت نادرة ومفيدة، تصبح كذلك بعد أن يعمل على اكتشافها واستخراجها وتطويعها، فعلى سبيل المثال فإن النفط في باطن الأرض لا قيمة له ولا يستطيع الوصول إليه إلا الإنسان، ونفس الأمر ينطبق على معادن مهمة مثل الماس والذهب فلا يمكن الاستفادة منها إلا إذا عمل الإنسان على تطويعها.
إذن فالثروة الحقيقية هي الإنسان المتعلم القادر على استغلال الثروات الطبيعية المتوفرة بوفرة في معظم البلدان، وهنا يمكن القول بان الوحدة اليمنية قد زادت من الثروة الحقيقية لليمن، فبدلا من تشتيت الثروة الحقيقية قسرا بحيث لا تستطيع أن تتكامل فقد مكنتها من التحرك شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، فحجم الاقتصاد لبلد يتكون سكانه من أكثر من عشرين مليونا سيكون أكبر من حاصل جمع اقتصاديين يتكون سكانهما من عدد أقل من السكان، فالأرض بدون سكان لا قيمة لها مهما كبرت.
ولذلك فإنه لا فائدة من الحديث عن أوضاع ما قبل 22 مايو 1990م فإن هذا الحديث لن يسمن ولن يغني من جوع، ولذلك فهو من قبيل التفكير السوفسطائي، فلا دولة الجنوب كانت ناجحة ولا أرضه الشاسعة كان لها قيمة، وبالتالي فإن تخيل أن هناك قضية جنوبية بسبب أمر لا يمت للمنطق والواقع بأي صلة فلا وجود لها إلاّ في عقول اولئك الذين جمدوا تفكيرهم منذ ذلك التاريخ أو في عقول المتحالفين معهم ممن جمدوا عقولهم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.
لسوء الحظ أن كل هذه الحقائق لم تقنع هؤلاء بنسيان ذلك على اعتباره جزءاً من الماضي الذي لا يعود والتركيز بدلا عن ذلك قضية حية ومعاشة اسمها قضية تطوير اليمن كل اليمن، والأكثر أسفاً أنه لا توجد مؤشرات على وعي هؤلاء لهذه الحقائق حتى بعد ما لمسوا النتائج الضارة لتوجهاتهم هذه في أحداث مهرجان الضالع الأخير فبدلاً من ذلك فإنهم اتهموا الحكومة، في ما حدث وهم يعلمون علم اليقين من وقف وراء هذه الأحداث، فقد كان عليهم أن يدركوا أن من يتنكر للوطن «اليمن» سوف يتنكر لأي شيء آخر حتى لو كان من يقدم له المساعدة والدعم، فقد كان عليهم أن يدركوا أن أعمال الهدم التي يمارسونها لا تميز بين جدار وجدار آخر، فقد كان عليهم أن يفهموا حقيقة أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، فبدلاً من أن يصدروا بيانهم المشؤوم كان عليهم أن يقدموا اعتذاراً للشعب عن الأخطاء التي مارسوها، فقد كان عليهم أن يعلنوا عن توبتهم وندمهم واعتزامهم عدم العودة إلى تلك الممارسات والإسراع في الانضمام للجهود التي تبذلها القيادة الوطنية بزعامة فخامة الأخ الرئيس - حفظه الله - لتطوير اليمن كل اليمن.
ولأنهم لم يفعلوا ذلك فإن على القوى الوطنية من الآن فصاعداً أن لا تلقي بالاً لأى عويل من هذا القبيل، فأفضل رد على ذلك هو بذل جهود أكبر في عملية تطوير اليمن كل اليمن، وفي هذا الإطار فإني الفت انتباه الحكومة إلى ما ينبغي عليها أن تعمله لتحقيق ذلك آلياً وهو الإسراع في البدء في تحسين نوعية الإنسان وذلك من خلال التوسع في التعليم الفني والمهني.
إن عليها أن تخصص الجزء الأكبر من المساعدات الخارجية لهذا الأمر، فإلى جانب أن عملاً كهذا هو مفيد لليمن فإنه مفيد لكل الدول المانحة، فالدول الخليجية هي في أمس الحاجة إلى عمال يمنيين مهرة لتحل ولو جزئياً محل العمالة غير العربية، واعتقد أنها ستسارع في الموافقة على تخصيص مساعدات لهذا الغرض إذا ما قررت الحكومة اليمنية ذلك، وبالمثل فإن الدول الغربية المهووسة بالحرب على الإرهاب تدرك تمام الإدراك أهمية حصول الشباب اليمني على وظائف محترمة لمنع وقوعهم في أحضان الأفكار الضالة والمدمرة وإنها لذلك ستعمل على تشجيع خطوة كهذه.
على الحكومة أن تركز في مباحثاتها مع دول مجلس ا لتعاون الخليجي على أهمية استيعاب الشباب اليمني «أبناء المغتربين وأبناء الداخل»، في مؤسساتها التعليمية والتدريب وخصوصا في تلك المجالات التي يتوفر لدى هذه الدول طاقةغير مستغلة، ربما كان ذلك من وجهة نظري أفضل وأسهل من المطالبة بالانضمام السريع إلى المجلس لكونه يعد مساهمة فعلية في الانضمام وليس بديلاً عنه.
إنني أعتقد بأن تطور ونهوض اليمن أهم قضية ينبغي التركيز عليها، إن تحقيق ذلك لن يتم من خلال تجزئتها أو من خلال العودة إلى الماضي وإنما من خلال استغلال القوة البشرية الكبيرة التي يمتلكها اليمن.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
انتصارات استراتيجية شاملة
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع :تَزْويرٌ إماراتي كفيلٌ بتوسيخ صفحات التأريخ
عبدالسلام التويتي
مقالات
دكتور/عبدالعزيز المقالحكم أنت مسكين أيها المستهلك
دكتور/عبدالعزيز المقالح
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةحماية المهنة من الفساد الأخلاقي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةأكبر وأخطر من مشكلة سعرية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد