الأربعاء 19-02-2020 17:30:29 م
حتى لا تصاب اليمن بالترهل القاتل الصامت!
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 11 سنة و 7 أشهر و 28 يوماً
السبت 21 يونيو-حزيران 2008 08:39 ص
  الترهل هو عدم القدرة على القيام بما ينبغي القيام به في الوقت المناسب، إنه بحق قاتل صامت للشعوب التي تصاب به لأنه يقضي على آمالها وتطلعاتها، وينبع ذلك من أنه يعطيها انطباعا كاذباً في أنها تنجز أشياء كثيرة وتحقق مكاسب عديدة، لكن في واقع الأمر فإنه لا يحدث أي شيء من هذا القبيل فهذا الانطباع الكاذب يدفعها إلى التكاسل والتواكل على اعتبار أن كل الأمور تسير على ما يرام، وعندما ينكشف عنها غطاء الوهم هذا فإنها تدرك بان واقعها أسوأ بكثير مما كانت تتوقعه، فما يحدث فعلاً لا يعدو أن يكون سراباً يظنه الظمآن ماء فلما وجده لم يجده شيئاً سوى خيبة أمل وانكسار لا يمكنه إصلاحه، فيتحول الأمل الكاذب إلى قنوط شديد ولذلك فإنها تبالغ في تشاؤمها من مستقبلها. ويشبه وضع الشعوب المترهلة الأجسام المترهلة، وبما أن ترهل الأجسام ينتج عن الزيادة غير الطبيعية في أوزانها فإن ترهل الشعوب ينتج عن الزيادة غير الطبيعية في أنشطتها السياسية، وإذا كانت زيادة أوزان الأجسام النحيفة مفيدة لها فإن زيادة النشاط السياسي للشعوب العازفة عنه مفيد لها أيضاً، ذلك أن زيادة وزن الجسم النحيف يزوده بالطاقة الضرورية لزيادة نشاطه، لكن إذا ما تجاوز الوزن المناسب فإن أي زيادة في الوزن قد تسبب له الترهل وبالتالي العجز والخمول، ولا يقف الأمر عند هذا الحد فإن الوزن الزائد قد يسبب له أمراضاً صامتة وقاتلة، ولعل من أهم ذلك أمراض القلب المختلفة (ارتفاع الضغط وتصلب الشرايين) والسرطان وهشاشة العظام وغيرها. ومما يجعل أمراض زيادة الوزن أكثر خطوة هي أنها في البدانة لا أعراض لها، وعندما تظهر أعراضها يكون الجسم قد أصيب بتلف مستديم في كل أو بعض أعضائه الحساسة وفي هذه الحالة فإن تخلصه من وزنه الزائد قد لا يفيد في شيء أو أنه عندما تظهر أعراضها فإن الشخص يكون قد أصيب بإدمان مما لا يمكنه من التحكم في وزنه وفي كلا الحالتين فإن ذلك قد يؤدي إلى الترهل وربما الموت. وبالمثل فإن ترهل الشعوب هو نتيجة لزيادة الأنشطة السياسية بغير اعتبار لتكاليفها الاقتصادية ولآثارها الجانبية الأخرى، لقد زادت الأنشطة السياسية لبعض الشعوب نتيجة حدوث تحولات سياسية فيها، ويتضح ذلك من التجارب التي مرت بها بعض دول العالم الثالث خلال تسعينات القرن الماضي التي تشير بوضوح إلى مبالغة بعضها في الأنشطة السياسية غير المنضبطة على اعتبار أن ذلك سيجعلها دولة ديمقراطية، فقد حاولت بعض هذه الدول أن تقلد ما يجري من أنشطة سياسية في بعض الدول الديمقراطية المتقدمة وخصوصاً تلك الأنشطة ذات المظاهر البراقة. لقد تجاهلت هذه الدول أن الدولة المتقدمة ديمقراطياً لم تصل إلى هذا المستوى من الأنشطة السياسية بين ليلة وضحاها وإنما عبر فترة زمنية طويلة وعبر مراحل متدرجة، ومن ثم فإن هذه المجتمعات قد استوعبت هذه الأنشطة ووضعت لها الضوابط التي تمنع تحولها إلى عامل هدم بدلاً من عامل بناء. وفعلاً فقد أدى تقليد بعض دول الديمقراطية الناشئة لبعض هذه الأنشطة إلى إصابتها بعواقب وخيمة، من أمثلة ذلك مبالغة بعض هذه الدول في التعددية الحزبية غير المستندة إلى منطق وأسس واضحة وكذلك سماحها بحرية تعبير منفلتة من أي رقابة مهنية أو ضميرية وأيضاً تغليب بعض القوى السياسية فيها لمصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة، فقد سمح لكل طموح أو مهرج أن ينشئ حزباً حتى ولو كان لا يملك برنامجاً ولا يمثل أي شريحة من شرائح المجتمع، وعلى الرغم من فشل بعض هذه الأحزاب في الحصول على أصوات أي من المؤسسين لها فانه سمح لها أن تظل تعتبر نفسها حزباً سياسياً. وكذلك فتحت حرية التعبير على مصراعيه أمام كل ناعق ليقول ما يشاء من كذب وسباب أو تضليل أو تحريف للحقائق بدون رقيب أو حسيب، فعلى الرغم من النتائج الكارثية لمثل هذه الممارسات والمتمثلة في تشويه للثوابت الأساسية للمجتمع وانتهاك للأعراض وتخرب للعقول وتدمير للقيم وتشويه لكل أسس التعايش السلمي فإنه لم يتم ردعها، وكانت النتيجة هي زيادة مساحة المختلف فيه وتقليص مساحة المشترك. فبدلاً من أن يعمل إطلاق حرية التنظيم والتجمع والتظاهر والانتقاد على إلى حماية المصلحة العامة قد أدى إلى شرعنة المصالح الخاصة، فكل منظمة أو نقابة أو جماعة لا ترى إلاّ مصالحها ولا تسعى إلاّ إلى تحقيق ذلك بكل الطرق الممكنة حتى ولو ترتب على ذلك الإضرار بالمصلحة العامة، فمطالب بعضها ليست مشروعة والتعبير عنها ليس سلمياً بل يتم بوسائل عنفية. ونتيجة لذلك فقد انحرفت العديد من الفعاليات السياسية عن أهدافها المتوخاة منها، فبدلاً من أن يترتب على الانتخابات العامة تحقيق قدر من المحاسبة والمساءلة بهدف إعطاء الحوافز الكافية لموازنة المصلحة العامة مع المصالح الخاصة أصبحت تعني السعي إلى تقاسم السلطة بهدف المحافظة على المصالح الخاصة. وبدلاً من أن تعمل النقاشات العامة على توضيح المصلحة العامة والمفاضلة بين مختلف البدائل المتاحة لتحقيقها أصبحت وسيلة للتعبير عن النعرات المذهبية والمناطقية والفئوية، ولا شك أن نقاشات كهذه ليست بناءة وإنما هي في الحقيقة نقاشات هدامة، إنها تعمل فقط على هدر الحق العام والاستخفاف بالقانون وتهديد السكينة العامة. إن هذا النوع من الأنشطة (البدانة) السياسية مضر وليس مفيداً، لأنها لا تضيف شيئاً مفيداً للمجتمع بل على العكس من ذلك ترهقه لأنها تمثل استنزافاً كبيراً لموارده النادرة والتي كان يمكن أن توجه إلى مجالات أخرى أكثر فائدة له، فما ينفق على أحزاب كهذه وعلى صحف تنشر الكراهية وعلى حملات انتخابات تثير الفرقة يضر المجتمع، وكان بالإمكان تجنب ذلك وفي نفس الوقت هذه الموارد بدلاً عن ذلك إلى تحسين التعليم والصحة والبنية التحتية، فأنشطة كهذه لا تفيد المجتمع بدليل أنها لم تحل مشكلة ولم تحقق إنجازاً فهي في الدول التي تكثر فيها هذه الأنشطة لم تقل بل على العكس من ذلك تتكاثر، فهي قبل وجود التعددية أقل منها بعدها وقبل إطلاق حرية التعبير أقل منها بعد إطلاقها وبعد الحملات الانتخابات أكثر وأعمق منها قبلها، لذلك فإنه يمكن القول بأنها قد أصيبت بالترهل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. يحتاج معظم الأشخاص المصابين بالسمنة إلى علاج مكثف وطويل الأمد, فنظراً لوقوعهم تحت تأثير الإدمان فإنهم لا يقدرون على التعامل معها بدون مساعدة لعدم توفر إرادة قوية لديهم، إنهم لا يستطيعون مقاومة شعورهم بالجوع وبالتالي فإنهم لا يستطيعون الوفاء بأي وعود يقطعونها على أنفسهم لمقاومة ذلك، ولذلك فإن هناك ضرورة لإخضاعهم لبرنامج صارم يشرف على تنفيذه متخصصون إذا ما أريد لهم التخلص من هذه المشكلة. وكذلك القوى السياسية المصابة بالتضخم السياسي لا تستطيع التخلص من ذلك طوعياً، وبما أن تركها ونفسها سيحمل المجتمع حتماً تكاليف باهظة، لا بد من إخضاع هؤلاء لبرامج متخصصة على ذلك قد يساعدهم على التخلص من ذلك، وبدون ذلك فإنه لا يتوقع منهم توبة لأن السياسيين المتخمين لا يستطيعون الوفاء بأي التزامات يقطعونها على أنفسهم ذلك أنهم لا يستطيعون ببساطة التخلي عن مصالحهم الخاصة. إن هناك من يسعى للقضاء على تجربة اليمن الديمقراطية من خلال إرهاقها باستخدام الشعارات الديمقراطية حتى تصاب بالترهل، وفي هذه الحالة فإن الديمقراطية ستقضي على نفسها بنفسها، وحتى لا ينجح هذا المسعى فإنه يجب أن لا يسمح بأن يصاب اليمن بذلك، فإذا كان هؤلاء يهدفون إلى ضرب الديمقراطية من داخلها فإنه لا بد من إفشال ذلك من خلال الوسائل الديمقراطية ذاتها، إن تطبيق الدستور والقوانين هو الرد الفعال على ذلك. إن تطبيق الدستور والقوانين على كل من يخالفها بصرامة هو العلاج الوحيد لمثل حالة هؤلاء، فكل من يخالف الدستور والقوانين يجب أن يعاقب وكل من يثير الشغب يجب أن يعاقب وكل من يقاوم الدولة يجب أن يخضع لها ولو تطلب ذلك استخدام القوة وكل من يشوه الحقائق يجب أن يسجن وكل من يدعو إلى انفصال يجب أن تسحب منه الشرعية وكل من يطالب مصالح غير مشروعة يجب أن يردع. إن تطبيق الدستور والقانون على هؤلاء سيكون علاجاً ناجعاً لتصرفاتهم الضارة وسيكون رادعاً لكل من يحاول أن يقتدي بهم، إن مصلحة اليمن أهم من مصلحة أي شخص أو حزب أو جماعة، وكذلك فإنه يجب أن لا يلتفت إلى ما يقوله أو ما سيقوله الآخرون، انهم لا يلتفتون لما نقول ولا يستشيروننا في حماية شعوبهم وفي تطبيق قوانينهم. ولايوجد شك بأن الشعب اليمني يقف موحداً ومؤيداً لكل ما تقوم به القيادة السياسية من جهود من أجل الحفاظ على الوحدة الوطنية، فتطبيق الدستور والقانون هو في الحقيقة ضرورة للحفاظ على التجربة الديمقراطية اليمنية ومنعها من الوقوع في الترهل، وبالتالي فإن على الجميع أن يدركوا ذلك وعلى جميع الديمقراطيين أن يدعموا ذلك.     
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
انتصارات استراتيجية شاملة
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع :تَزْويرٌ إماراتي كفيلٌ بتوسيخ صفحات التأريخ
عبدالسلام التويتي
مقالات
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةالانتهازية السياسية!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
الإصلاح الذي فقد ثقة أصدقاء الأمس وحلفاء اليوم
المؤتمر نت
كاتب صحفي/امين الوائليدرس في «الانسداد»
كاتب صحفي/امين الوائلي
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةما بعد الحسم
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةجيل المستقبل الأفضل
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد