الثلاثاء 15-10-2019 02:26:28 ص
رصاص خلبي ام قطيعة سياسية؟
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 10 سنوات و 11 شهراً و 27 يوماً
الخميس 16 أكتوبر-تشرين الأول 2008 10:09 ص


عندما اعتمد اليمنيون الانتخابات وسيلة للتمثيل السياسي فانهم كانوا يقرون ضمنا (أو علنا لافرق) أن الوسائل الاخرى للتمثيل ما عادت مفيدة وما عادت معبرة عن تطلعاتهم.وبما أن التمثيل السياسي الوافد من صناديق الاقتراع ينطوي على خريطة سياسية محكومة بمدى زمني محدد فان اعادة رسم هذه الخريطة في الأجل المعلوم اي في الانتخابات المقبلة
 تمر بامتحان يخضع له المرشحون امام الناخب الذي يلعب دور القاضي فيحكم مختاراً لصالح هذا المرشح او ذاك وفق المعايير التي يراها مناسبة .
وبما أن الناخب القاضي هو سيد الموقف في الاختيار أي في تحديد مصير المرشحين وبالتالي في رسم الخريطة السياسية للبرلمان اليمني فإن الناخبين يراقبون ايقاعه خلال ولايته النيابية ويقيسون افعاله على وعوده ومن ثم يقررون وجوب تجديد الثقة به او حجبها عنه.
ثمة من يعتقد ان شطراً واسعاً من الناخبين يقترع وفق علاقات القرابة أو استجابة لاوامر حزبية او ضغوط معينة أو لاسباب شخصية أخرى.. وهذا الاعتقاد صحيح لكنه يبقى في اطار خيارات الناخب الذي يظل صاحب الامر في الاقتراع او الامتناع عنه ما يعني ان الناخب هو «السيد» في كل الحالات وليس في واحدة منها فقط.
اذكر بهذه البديهة عشية الانتخابات البرلمانية اليمنية لالقاء الضوء على منحى مقاطعة الانتخابات الذي يرتسم أكثر فاكثر لدى احزاب المعارضة او بعض منها.فهل تؤدي المقاطعة الى تحقيق الغرض المرجو في الخطب المعلنة للمعارضين؟! الجواب لا وذلك للاسباب التالية:
أولا: إن مقاطعة الانتخابات هي مقاطعة للناخبين بصرف النظر عن دوافعها.فالامتناع عن عرض الحال امام الناخب نكاية بالسلطة او تشفيا بها او من اجل احراجها امام المجتمع الدولي...الخ يعني في المقام الاول ان الممتنع يعتبر كل الناخبين او القسم الاعظم منهم الى جانب السلطة وتلك حجة لها وليس عليها او يعتبر ان الناخب قاصر عن الحكم والاختيار ومخدوع وفي ذلك اهانة وتحقير له او يعتبر أن الناخب مسيطر عليه وفي ذلك انكار مذهل لذكاء الشعب اليمني من جهة وللواقع الذي يقول اننا نعيش في ظل ثورة معلومات شاملة وان احداً لا يستطيع ان يحجب عن الرأي العام حقيقة ما يدور في اربع بقاع الارض، فما بالك في بقعة صغيرة ناهيك ان مجالس اليمنيين اليومية تنطوي على كل ما يصنف في خانة الاسرار والمحجوبات حتى المسائل الشخصية. وهذا يعني ان الرأي العام اليمني يقترع وفق ما يريد وهو كباقي الشعوب العربية التي تنهمر على صناديق الاقتراع لاسباب محددة و تتغيب عن صناديق الاقتراع عندما لا تجد فائدة من الانكباب عليها . الم ينتخب رئيس عربي معروف ب 28 بالمئة من اصوات الناخبين؟ الا يظهر ذلك ان الاكثرية الساحقة منهم لا تكترث بالعملية الانتخابية المعنية ولا تعتبرها مجدية؟ الا يبين هذا المثال ان اليمنيين يمكن ان ينتهجوا هذا النهج لو كانوا مقتنعين به؟ نعم يمكن التأثير على الناخب وهذه الامكانية مفتوحة في اليمن امام الجميع.. فلماذا المقاطعة عندما يكون متاحاً للمرشح ان يقول ما يريد في السلطة وعنها.. ولماذا التخاصم مع الناخب عبر المقاطعة عندما يكون بوسع المرشح ان يمارس الدعاية التي تحلو له وفي الاتجاه الذي يراه مناسباً.
ثانيا: ان القول بان المقاطعة من شانها ان تحرج السلطة امام المجتمع الدولي ينطوي (خصوصا في هذه الايام) على قدر كبير من السذاجة وسوء التقدير.ذلك ان «المجتمع الدولي» المزعوم يصرخ من الم الازمة الرأسمالية التي تهدد حياة البشرية كلها بسوء العاقبة وبالتالي ليس لديه دروسا يمليها على احد أو نموذجاً يفرضه على احد. وإذا كان النموذج هو ما نراه اليوم بام العين من تدهور نحو الهاوية فلربما على اليمنيين المعنيين الابتعاد عنه ورسم حسابات على قواعد اخرى وليس توسله للضغط على السلطة. هذا مع لفت الانتباه الى ان المجتمع الدولي كان في ذروة عنفوانه عندما قاطعت احزاب يمنية انتخابات سابقة دون ان يرف جفن لاحد في المجتمع المذكور وان رف فانه لم يغير شيئاً في المعادلة اليمنية. فكان أن قاطع المقاطعون على حسابهم ودفعوا من رصيدهم وما زالوا يدفعون.
ثالثا:اما المقاطعة تشفياً بالسلطة او نكاية بها فهي من النوع الذي يبهج ولا يلبج. لانها تضع المقاطع في مواجهة الناخب في حين تطلب السلطة مباركته ورضاه وتعبر عن احترامها له.لا بل ربما تفتح المقاطعة بولفارا عريضاً امام المستقلين الذين قد يغتنمون الفرصة ويخوضون اللعبة الانتخابية كبديل عن المقاطعين وفي هذه الحالة من الصعب على السلطة ان تئن من الوجع لان منافسة المستقلين الحديثي التجربة اقل عناءً من منافسة المقاطعين المحترفين.
رابعاً: التهديد بالمقاطعة لالحاق الضرر بالعملية الديموقراطية انطلاقاً من اقتناع المقاطعين القائل أن الديمقراطية ديكوراً وانهم لا يريدون ان يكونوا جزءاً من هذا الديكور. نعم يمكن للمقاطعة ان تلحق الضرر بالعملية الديموقراطية لكن في حالتين: اذا ما تبين ان المقاطعة تحمل غالبية الناخبين على التنزه بدلاً من الذهاب الى صناديق الاقتراع وهذا احتمال غير مضمون بالقياس الى نتائج وسياق الانتخابات السابقة. ويمكن للمقاطعة ان تلحق ضرراً بالعملية الديموقراطية اذا ما تعذر انبثاق مرشحين آخرين بدلاً عن المقاطعين وخاصة في الدوائر التي يتمتعون فيها بنفوذ معتبر وهذا الاحتمال ايضاً غير مضمون لصالح المعنيين به بالقياس الى مروحة الخيارات المتاحة ما يعني ان المقاطعة في الحالتين قد تأتي بنتائج في الاتجاه المعاكس وقد بينت تجربة المقاطعة في التسعينات حجم اثرها الضعيف على مجمل العملية الديموقراطية. اما الحديث عن «الديكور الديموقراطي» فهو ضعيف الحجة لانه ينطوي على سيناريو مضمر لاحراج السلطة وليس للمشاركة في بناء تجربة ديموقراطية على انقاض استبداد طويل في بلد يلقي بالكاد اثقال حقبة قاتمة السواد عن كاهله.
خامساً: لان المقاطعة تعني الرجوع عن الاعتراف باللعبة السياسية التي تنظم العلاقات بين التيارات السياسية اليمنية وتعني التنكر للقواعد التي ارتضاها اليمنيون لتنظيم شؤون الحكم خصوصاً ان نقد هذه القواعد متاح للجميع، كما أن الوصول الى الناخبين متاح امام الجميع لقول ما يرغب الطرف المعني بقوله عن السلطة وعن غيرها وبالعبارات التي يرغب والتي تتجاوز بحسب التجارب السابقة احياناً كثيرة الحدود المنطقية للقول والدعاية والتعبئة.
 ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذه الحالة هو: اذا كانت المقاطعة تعني التنكر للقواعد المتعارف عليها ومن بينها الانتخابات.. فما هي القواعد الاخرى التي يسعى اليها المقاطعون وما هي الخطوات التالية للمقاطعة؟ هل يضمرون قطيعة سياسية؟ وبعد والى اين يذهبون؟
 لا جواب عن هذا السؤال حتى الآن. أما إذا كانت المقاطعة خطوة في الفراغ فانها في هذه الحال تدعو فعلاً الى الرثاء.
 يبقى القول ان مقاطعة الانتخابات حق للطرف المعني ضمنته القوانين ويدخل في نطاق الدستور و بالتالي لا يستحق التشنيع و التهجم خصوصا عندما تكون قناعة الحكم ان المقاطع يتصرف كمن يطلق ناراً خلبياً في الهواء للقول «انا هنا» وفي هذه الحال يمكن الرد عليه بكامل الاحترام : حسنا اخذنا علما.هيا معا الى صناديق الاقتراع فهو العنوان الوحيد المتاح وكل عنوان آخر لا يعول عليه.