الثلاثاء 15-10-2019 02:21:03 ص
عن الصحافة الحرة بوصفها سياجاً للوطن وليس لاطلاق النار عليه
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 10 سنوات و 5 أشهر
الخميس 14 مايو 2009 10:22 ص
 لا يمكن لاية حكومة ديموقراطية في عالمنا المعاصر اعتماد نظامين للصحافة في آن واحد. نظام للصحافة الحرة تماماً وفي الوقت نفسه نظام للصحافة المقيدة بقيود سياسية أو ايديولوجية. فالتعبير يكون حراً تماماً أو لايكون. ويكون مقيداً اذا ارادت الحكومة لاسباب معللة ان تجعله مقيدا بعد ان كان حرا وهذا يقع جراء مخاطر تهدد الامن الوطني
 ويترافق مع تدابير اخرى تشمل البلاد باسرها كاعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان وانشاء حكومة مركزية مصغرة تكون مهمتها محصورة بمواجهة المخاطر المعلنة. وفي كل الحالات يكون الاجراء المذكور مؤقتاً ومرتبطاً بتحقيق الاهداف التي استدعته.
وفي تقديري ما عادت اجراءات تقييد الصحافة مفيدة او فعالة في عالم الاعلام المفتوح. فاليوم يمكن لأي كان قول ما يريد ونشر ما يريد وايصال ما يريد قوله لمن يريد بواسطة الشبكة العنكبوتية التي تتقدم على كافة وسائل النشر الاخرى وربما لن تتأخر هذه الشبكة في ان تصبح هي الناشر الاهم في العالم وقد تكون الناشر الحصري طالما انها مجانية وفعالة وقادرة على جذب القراء والمستمعين والمشاهدين في الان معاً بوسائل ميسرة.
وإذا سلمنا بأن القاعدة الاساسية للصحافة هي القول الحر والنص الحر والرأي الحر فهذا يستدعي الاعتراف بسلطتها علما ان هذه السلطة تصبح في سياق الممارسة الديموقراطية جدية تماماً وبالتالي يصعب المس بها. وقد وصل الامر بالصحافة في الولايات المتحدة الى الاطاحة بالرئيس نيكسون من خلال نشر فضيحة "ووترغيت" الشهيرة لكن سلطتها تراجعت من بعد لاسباب اقتصادية .
وعندما نتحدث عن صحافة حرة وسلطة رابعة فالحديث ليس مجرداً من كل قيد قانوني او اخلاقي، فالسلطات على اختلافها معرضة للفساد والانحراف لذا يجب ان تمارس في فضاء وطني تحكمه انظمة وقوانين ومن البديهي ان يكون الخروج على هذه القوانين كما الالتزام بها مشروطاً بذلك الفضاء. فكما يعاقب الجندي الذي يتخابر مع دولة معادية بوصفه خائناً للوطن يمكن ايضاً ان يعاقب الصحافي الذي يتطوع لخدمة دولة او جهة معادية لوطنه وفقاً لنص قانوني يحدد عمله في الاطار الوطني خصوصاً ان دوره يشمل فيما يشمله صناعة الرأي العام الوطني. لذا كانت الدول الديموقراطية تحرص على الطلب من وسائل الاعلام ان تكون شفافة في موازنتها ومصادرها المالية لكن هذه المشكلة لم تعد مطروحة في العديد من الديموقراطيات العريقة حيث تأتي موارد وسائل الاعلام من الاعلانات او من القراء والمشتركين المعروفة عناوينهم او من الدولة نفسها.
وعندما نتحدث عن صحافة حرة فهذا يشمل الفضاء الاعلامي كله وبالتالي لا يعود التصنيف التقليدي بين صحافة رسمية وصحافة خاصة مطروحاً بصيغة: الاولى مقيدة والثانية غير مقيدة. ففي فرنسا مثلاً لاتقل وسائل الاعلام التي تملكها الدولة مهنية وحرية عن وسائل الاعلام التي يملكها القطاع الخاص، بل ربما تكون الوسائل الرسمية اكثر حرية ورحابة من وسائل الاعلام الخاصة، لان الاخيرة مقيدة بشروط اقتصادية يفرضها السوق، فيما الاولى تعمل بموازنة رسمية ثابتة تأتيها من الضرائب التي تفرضها الدولة على وسائل الاتصال. والجدير ذكره في هذا الصدد ان الصحافة في فرنسا كانت حتى العام 1967 تخضع في الاخبار التي تنشرها لقيود صارمة وكان وزير الاعلام حتى ذلك التاريخ يتصل هاتفياً بمعدي نشرات الاخبار في الاذاعة والتلفزيون ويحدد لهم ما يجوز ولا يجوز بثه ولم يشهد الاعلام المرئي والمسموع انطلاقة حرة من كل قيد الا في عهد الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران عندما قرر في العام 1981 تحرير البث من قيوده الصارمة وفتحه على مصراعيه وفق قانون جديد. ويسخرالصحافيون في فرنسا بين حين واخر مما كان قائماً في عهود ما قبل الاعلام الحر.
هذا عن الصحافة بوصفها سلطة حرة في ديموقراطيات عريقة، اما في بلداننا فالمقارنة والتشبيه مع تلك التجارب غالباً ما يتم مع استبعاد الفارق وهذا جائز من باب التمني والتطلع للوصول الى المقام الذي وصلوا اليه لكن من غير الجائز ان يستحضر كذريعة سلبية في حالتين:
 الاولى صادرة عن المجال الرسمي وتقول بما اننا لسنا في مرتبتهم فلنا الحق ان نفعل ما نشاء حتى نصل الى تلك المرتبة التي وصلوا اليها وبالتالي يمكن ان نخل بالشروط الاساسية التي تحكم عمل الصحافة كالمنع الكيفي والسجن الاعتباطي والتهويل وغيره من الوسائل غير المشروعة.
 والثانية صادرة عن المجال الخاص وتقول بما اننا لسنا مثلهم ونريد الوصول الى ما وصلوا اليه فنحن في حل من كل قيد قانوني ويمكن ان نقول ما نريد وننقل ما نريد حتى لو كان مضراً بالفضاء الوطني الجامع ويخدم اغراضاً خارجية. 
وهنا نسمع مبررات من نوع ان مشكلة نقل الاخبار لاتكمن في الصحافة وانما في من يصنع الحدث.. فالصحافة تنقل ولا تصنع الحدث. وهذه الحجة خطيرة او ساذجة للغاية بحسب مصدرها لانها تعني انه اذا ارادت دولة معادية شراً ببلدك ومولت جماعة مسلحة للقيام باعمال عنف، فانت محق في خدمة هذه الجماعة لانك لست صانع الحدث وانما ناقله!!! لا ليس النقل في هذه الحالة بريئاً بل يدخل في وجهة خارقة للفضاء الوطني وقوانينه ويعرض صاحبه للمساءلة طالما ان حرية نقل الاخبار التي يتمتع بها مشروطة بالفضاء الوطني الذي يعمل في نطاقه ويصدر عنه. فانت ناقل للاخبار التي لاتخدم عدو وطنك ولا تهدد سلامته للخطر وهذا لايحتاج الى تبرير ولا من يحزنون وانما الى التزام وطني بديهي يكون بمثابة سياج للحرية وللتعبير الحر. 
في هذا الباب ربما من المفيد القاء الضوء على بعض ملامح الممارسة الصحافية الحرة في الديموقراطيات العريقة، فقد شنت الصحافة الخاصة والرسمية في اسبانيا حملة شعواء على الارهابيين الذين فجروا محطات القطار في العام 2004 ولم نجد منبراً اعلامياً واحداً يبرر هذه الاعمال بالقول ان المفجرين معذورون لانهم يثأرون لمشاركة اسبانيا في احتلال العراق ولم يحمل الاعلاميون حكومة بلادهم مسؤولية التفجيرات لانها اخطأت في انخراطها في الحرب. ولم نعثر على صوت صحافي واحد في فرنسا يبرر تفجيرات العام 1987 ويقول ان القائمين بها معذورون لانهم ينتقمون من وقوف فرنسا الى جانب العراق في الحرب العراقية- الايرانية. ثم الم تتحول الصحافة الامريكية بقضها وقضيضها الى ناطق رسمي باسم الجيش الامريكي الذي احتل العراق ولم نعثرعلى اصوات مخالفة الا بعد ان تكشف حجم الكارثة التي حلت بامريكا جراء الاحتلال اي عندما تضرر الوطن من الحرب.. وهناك امثلة لا تحصى في هذا الصدد تؤكد بما لايقبل ذرة شك واحدة ان حرية التعبير تكون مطلقة ومتاحة في الدول الديموقراطية العريقة شرط ان تكون مقيدة بحدود وطنية وملتزمة بالفضاء الوطني الذي تصدر عنه.
يبقى القول ان حرية التعبير في القضايا الداخلية لا يمكن الا ان تكون مطلقة وبالتالي من الصعب القبول بتقييد هذه الحرية عندما يتصل الامر بمساءلة الحكومة وانتقاد سياساتها والدفاع عن المتضررين من هذه السياسات وبما ان الحكومة تملك وسائل اعلام للدفاع عن برنامجها الحكومي فلا يحق لها ان تضيق ذرعاً بمنتقديها طالما ان شروط الهجوم والدفاع في الفضاء الوطني متوفرة للجميع بواسطة الكلمة مقابل الكلمة والرأي مقابل الرأي والمعلومة مقابل المعلومة والخبر مقابل الخبر والحجة مقابل الحجة. اما السجال السييء والمقيت احياناً الذي يمكن ان ينجم عن الممارسة الصحافية الحرة.. فهو كالشوك الذي لا بد من تحمله للاستمتاع بعطر الوردة وجمالها الرائع.




عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
النظام السعودي ومناورة الوهم!!
توفيق الشرعبي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
عبدالسلام التويتي
بوح اليراع: نموذجُ جود مُتَمَيِّز من الحالمة تعز
عبدالسلام التويتي
مقالات
كلمة  26 سبتمبربألف خير
كلمة 26 سبتمبر
كاتب/خالد محمد  المداحوحدة اليمن.. صمام أمان المنطقة
كاتب/خالد محمد المداح
مشاهدة المزيد